"إِنْ لم تَحضُر في وقتِ السّفر لا تُقْبل منكَ شِكَاية" هي جملة تأكيدية بصيغة قانونية شائعة، يستعملها أفراد المجتمع المغربي ضد كل من لا يلتزم بالوقت، ويشهرونها بعض الناس في وجه كل من يُخِلّ بالتزاماته ووعوده، وتستعمل هذه الجملة كـ "بند قانوني" أيضا في تقريع من لا ينضبط للتعاقدات، في العلاقات الاجتماعية بتنوع أغراضها على اعتبار أن المغاربة يعتقدون أن "الْكَلْمَةْ هِيَّ الرَّاجَلْ".
ومن المعلوم أن هذا "البند القانوني" يعتبر تحديرا وتنبيها ـ بصيغة قانونية إجرائية صارمة ـ قرأناه وحفظناه والتزمنا به، منذ أن "تعاقدنا"، وأدّينا أول مرّة ثمن ورقة السّفر لـ "كُورْتِي" المحطة الطّرقية باعتبارها مرفقا عموميا يساهم في ضبط توجيه الرّحلات ذهابا وإيابا.
خلال رحلاتنا، ونحن نمتطي حافلة السّفر تعلمنا معنى الإنضباط والإلتزام بالوقت. كان حرصنا الدّائم رفقة آبائنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا، على احترام الزمن وضبط عقارب السّاعة، حتى لا تفوتنا الحافلة المعلومة، ويتبخر حلم الوصول في الزمان والمكان، حيث وثقنا العهد مع ذلك البند في مجال السّفر نحو جميع الاتجاهات، كما حفظنا عن ظهر قلب، بند قانوني آخر يؤكد على أنه: "لا يعذر أحد بجهله للقانون". هكذا ببساطة تعلّمنا أنّ هناك ضوابط قانونية تحفظ الحقوق وتضمن الواجبات.
بطبيعة الحال، كنّا وما زلنا لا نشتكي، عندما نؤدي ثمن ورقة السّفر، ولا نحضر في موعد إنطلاق الحافلة، لأننا ببساطة لم نلتزم بواجب احترام توقيت خروجها من محطة الإقلاع، علما أننا نتحمل المسؤولية في تهاوننا واستهتارنا بالوقت ـ الوقت كالسّيف إن لم تقطعه قطعك ـ مقابل ذلك كنا وما زلنا، نحرص أشدّ الحرص على احترام الواجبات التي أقرّها المشرّع المغربي...لكن للأسف الشديد، كم من مرة فوجئنا ـ في الكثير من المحطات ـ بمن يقفز على فصول "القانون" دون تفعيله في وجه عيّنة من "الشّْوَافْرِيَّةْ" المتهوّرين الذين يتطفلون على امتطاء صهوة السياقة والقيادة؟ بالرغم أنه لم تكن تفصلنا عن فرص الوصول إلى ضفة التغيير سوى "إجراء" بسيط يتمثل في الضّغط على زِرِّ واجب الوقوف الملزم، وإشهار الورقة الحمراء ـ إشعال الضوء الأحمر ـ في وجه من يخرق الجملة القانونية "إن لم تحضر في وقت السفر لا تقبل منك شكاية" إلى جانب نص "لا يعذر أحد بجهله للقانون"؟
هنا ينتصب سؤال مسؤولية القيادة/السيّاقة في زمن التغيير، في علاقة بضوابط قوانين ربط المسؤولية بالمحاسبة:
لماذا لا ولم يلتزم المنتخبون بمختلف مناصبهم في مؤسساتنا الحكومية والسياسية والترابية، بضبط عقارب توقيت سفرنا على متن "حافلة" التغيير نحو ضفة الديمقراطية؟
وكيف يمكن محاسبة من استهتروا عن قصد بحقوقنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية؟
ولماذا لم تشهر في وجهوهم مضامين الدستور المغربي، الذي لا يجهل أحدا منّا نصوصه الصريحة التي تربط بين المسؤولية والمحاسبة؟
ولماذا جمدت نصوص الدستور المغربي التي تؤكد على إلزامية تطبيق معايير الحكامة، وحسن التسيير والتدبير، وترسيخ قيم تكافؤ الفرص مجاليا، والتوزيع العادل للثروة، والإرتقاء بجودة التعليم والصحة والشغل...؟
منذ عقود، وخلال استحقاقاتنا المحلية والإقليمية والجهوية والوطنية ذات الصلة بمؤسساتنا المنتخبة، كُنَّا دائما في موعد مع رحلات حافلات السّفر نحو محطة التغيير، من أجل بلوغ الهدف المنشود. لكن للأسف من كانت تسلم لهم دفة سياقة حافلة تدبير شأننا الترابي أخلفوا الموعد وأهدروا زمن الإقلاع نحو الأفضل؟
نعم، كنا دائما في الموعد، متأبطين ملفات وقضايا مطالبنا، وطموحاتنا، وأحلامنا المؤجلة، وآمال شبابنا ورجالنا ونسائنا وأطفالنا، ومع ذلك تعطّل سفر هذه الرحلات على متن حافلة ذات محرك معطوب وتحت مسؤولية سائق "شَيْفُورْ" متهوّر، وحربائي يعرف من أين تؤكل الكتف.
لقد تعطلت حافلة التغيير، عن الإقلاع والمسير في الاتجاه الصحيح والسليم. رغم التزامنا بأداء كل واجبات هذا "السّفر المصيري" الذي تعثّر مساره ومسيرته، كل مرة على أرض الواقع، بقدرة بعض من ألفوا الدّوس على القوانين بأحذيتهم المتعفّنة، دون أن يطالهم سيف القانون والمحاسبة، حيث ألفوا الجثوم على صدور الناس بعد اعتلائهم كراسي المسؤولية بمؤسساتنا المنتخبة وطنيا وجهويا وإقليميا ومحليا، دون ترجمة لوعودهم الكاذبة، اللهم ترديد أسطوانتهم المشروخة بـ "تَعْمَارْ شْوَارَجْ".
إن نموذج السائق المتهوّر، الذي تحمل مسؤولية قيادة حافلتنا نحو التغيير، في المحطات الاستحقاقية بمختلف طرقات مجالاتنا الجغرافية، لا يجهل قانون السّير الملزم للقيادة الجماعية، لكنه يتجاهل الإنعكاس السلبي في هدر فرص الزّمن السيّاسي الضّائع على جميع المستويات. ويتجاهل مع سبق الإصرار والترصّد عواقب قفزه على حواجز القوانين الصريحة ذات الصلة، مما تسبب في حوادث سير خلّفت عدة أعطاب شوّهت معنى احترام قانون القيادة نحو تحقيق أحلام المسافرين المغاربة إلى الوصول لمحطة الإنتقال الديمقراطي الصّحيح والسّليم، تحترم فيها حقوق المواطن وتصان فيه كرامته.
إن مخالفات وتجاوزات "الشَّيْفُورْ" المتهور، ممتهن سياقة حافلة تدبير الشأن المحلي والإقليمي والجهوي كثيرة ومتعددة عبر ربوع الوطن، وتتجلى في إخلافه الموعد في ترتيب وتصنيف وتنفيذ متطلبات المجالات الترابية المستعجلة والآنية، باعتبارها حق من حقوق الإنسان، سواء في مدن حواضرنا المتوسطة والصغيرة أو ببوادي قرانا سواء في السفح أو الجبل وحتى السّاحل.
ويكفي إمعان النظر بالعين المجردة لكشف واقع حال المجال الجغرافي الذي دبّر "الزّعيم/القائد" شأنه الترابي رفقة سماسرة من "كُورْتِيَةْ" و "بَرَّاحَةْ" استحوذوا على حافلة سفر التنمية المفترى عليها. تلك الحافلة المهترئة التي لم يتم استبدال قطاع غيار محركها، ولا تجديد عجلاتها، دون الحديث عن تقادم وتهالك كراسيها وهيكلها، مما كان وما زال يتسبب في تعطيل وصولها إلى محطة التغيير، رغم ما تستهلكه من مصاريف ميزانية قطاع الغيار والمحروقات وإصلاح الأعطاب المتكررة.