يرى متابعون للشأن الرياضي الإفريقي أن ما جرى في نهائي كأس إفريقيا لا يمكن اختزاله في قرار تقني أو احتجاج عابر من مدرب أو اتحاد كروي، بل هو حلقة ضمن سياق أعقد وأعمق. فالمغرب، خلال السنوات الأخيرة، لم يعد مجرد مشارك في المشهد الإفريقي، بل أصبح فاعلًا محوريًا، وبوابة حقيقية لإفريقيا نحو أوروبا والعالم، سياسيًا واقتصاديًا ورياضيًا. هذا التحول الاستراتيجي منح المغرب مكانة كانت تاريخيًا تُنسب لفرنسا، التي لطالما قدّمت نفسها باعتبارها الجسر الحتمي بين إفريقيا والغرب. ومع تراجع هذا الدور، يرى محللون أن فرنسا تسعى، بوسائل غير مباشرة، إلى تجريد المغرب من هذا الامتياز، أو على الأقل التشويش عليه، مستعملة أدوات ناعمة، من بينها الرياضة، التي باتت مجالًا خصبًا لتصفية الحسابات الجيوسياسية.
في هذا الإطار، يبرز الحديث عن توظيف أطراف إقليمية لإرباك علاقة المغرب بعمقه الإفريقي، وعلى رأسها الجزائر، التي لا تُخفي، بحسب مراقبين، سعيها الدائم إلى عرقلة أي تموقع مغربي قوي داخل القارة. هذا الدور، كما يُقدَّم في التحليلات المتداولة، لا يعمل بمعزل عن مصالح دولية، بل يلتقي معها في نقاط عديدة، خاصة حين يتعلق الأمر بإضعاف صورة المغرب كقوة استقرار وشريك موثوق للدول الإفريقية. تصريحات متكررة، مواقف متشابهة، وسلوكيات رياضية غير مسبوقة، كلها عناصر يراها البعض مؤشرات على وجود تنسيق غير معلن، هدفه خلق صورة ذهنية سلبية عن المغرب داخل المنظومة الإفريقية، وزرع الشكوك حول نواياه، حتى وإن كان الثمن ضرب مصداقية المنافسات الرياضية نفسها.
الأخطر في هذا المشهد، كما يراه عدد من المتابعين، أن ما يحدث قد يتجاوز في حجمه وتأثيره الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، بل وربما يتخطى حتى الفيفا. فنحن أمام صراع نفوذ دولي تُستعمل فيه كرة القدم كأداة ضغط، لا كغاية في حد ذاتها. لذلك، فإن الحديث عن “مؤامرة” هنا لا يُقصد به التهويل، بل توصيف مسار من التداخل بين السياسة والرياضة، حيث يصبح اللاعب والمدرب والجمهور مجرد أدوات داخل لعبة أكبر منهم جميعًا. في هذا السياق، لا يبدو أي طرف إفريقي بمنأى عن الضرر، فالجميع، بدرجات متفاوتة، ضحايا حسابات لا تخدم لا تطور الكرة الإفريقية ولا استقلال قرارها.
وأمام هذا الوضع المعقد، تبرز مسؤولية خاصة على عاتق المغاربة، دولةً ومجتمعًا. فنجاح أي مخطط خارجي غالبًا ما يمر عبر تأجيج التوترات الداخلية والاجتماعية. لذلك، من الحكمة تفادي أي خطاب أو سلوك من شأنه تأزيم العلاقة مع المهاجرين الأفارقة المقيمين بالمغرب، الذين هم بدورهم ضحايا لهذا الصراع غير المتكافئ. الحفاظ على صورة المغرب كأرض انفتاح وتعايش ليس فقط واجبًا أخلاقيًا، بل خيارًا استراتيجيًا يُفشل محاولات العزل والتشويه. ففي معركة النفوذ هذه، يبقى الرهان الحقيقي هو الوعي، وضبط النفس، وعدم الانجرار وراء ردود فعل غير محسوبة تخدم خصوم المغرب أكثر مما تخدم قضاياه.