في ليلة 18 يناير 2026، لم يخسر المغرب نهائي كأس أمم إفريقيا فحسب، بل تعرض لحملة تشويه ممنهجة استهدفت إنجازاً تاريخياً استغرق بناؤه عقود من العمل والاستثمار. بطولة نُظمت بمستوى أسطوري، ملاعب عالمية، بنية تحتية لوجستية محكمة، وصورة حضارية راقية قدمها المغرب للعالم أجمع.
لكن في اللحظة التي كان يجب أن تنتفض فيها الأقلام دفاعاً عن هذا الإنجاز، وفي الوقت الذي كان ينبغي أن ترتفع فيه الأصوات لتوثيق الظلم وتفنيد الأكاذيب، اختار إعلامنا الرياضي الصمت المريب. أو الأسوأ: الانشغال بتفاصيل هامشية لا ترقى لحجم المؤامرة التي استهدفت المغرب.
أين هو الإعلام عندما يكون الوطن في أمس الحاجة إليه؟ ولماذا يفتقر المغرب، رغم كل نجاحاته، لصوت إعلامي قوي يدافع عن مصالحه في الساحة الدولية؟
أين المقالات التي توثق الظلم التحكيمي بالأرقام والحقائق؟ أين التحقيقات الاستقصائية التي تكشف الأجندات الخفية وراء الحملات المغرضة؟
الإجابة المرة: لا شيء. فقط تحليلات جانبية عن مستوى الأداء وتعليقات سطحية لا ترتقي لمستوى الحدث ولا لحجم ماقدمه المغرب.
لو حدث هذا لفرنسا أو إسبانيا مثلا
لنتوقف لحظة ونتخيل سيناريو مختلفاً: لو أن فرنسا أو إسبانيا نظمت بطولة قارية بمستوى أسطوري، استثمرت المليارات في البنية التحتية، قدمت صورة حضارية راقية للعالم، ثم تعرضت في المباراة النهائية لظلم تحكيمي صارخ وحملة تشويه ممنهجة. كيف كان سيكون رد فعل إعلامهما؟
الجواب: لكانت صحف "ليكيب" و"ماركا" و"آس" و"موندو ديبورتيفو" تشتعل غضباً. لكانت عناوينها الرئيسية تصرخ بالظلم لأسابيع متواصلة. لكانت برامجها التلفزيونية تستضيف خبراء دوليين لتفنيد القرارات التحكيمية. لكانت تحقيقاتها الاستقصائية تكشف الأجندات الخفية وراء الحملة.
لكانت أقلامهم سيوفاً مشهرة في وجه كل من تجرأ على التقليل من إنجازهم. لكانت منصاتهم الإعلامية ساحة معركة دبلوماسية لا تهدأ، تدافع عن سمعة بلدهم وتطالب بالإنصاف. لأن إعلامهم يفهم جيداً أن كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل هي امتداد للسيادة الوطنية وأداة من أدوات القوة الناعمة.
هذا ليس افتراضاً نظرياً، بل هو واقع نراه كلما تعرضت مصالح هذه الدول لأي مساس، حتى لو كان بسيطاً. إعلامهم لا يعرف التردد عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن الوطن، لأنهم يدركون أن الصمت في هذه اللحظات هو خيانة للمسؤولية المهنية والوطنية.
الفهم المبتور لدور الصحافة الرياضية
المشكلة الجوهرية تكمن في فهم مغلوط لدور الصحافة الرياضية. صحفيونا ما زالوا يعتقدون أن مهمتهم تنتهي عند خط التماس، أن وظيفتهم محصورة في نقل الأحداث الميدانية وتحليل الأرقام والإحصائيات. لا يدركون أن كرة القدم اليوم هي جزء من لعبة جيوسياسية أكبر، أنها معركة نفوذ وصورة وسيادة.
عندما ينجح المغرب في تنظيم بطولة بمستوى عالمي، فهذا ليس إنجازاً رياضياً فحسب، بل هو رسالة سياسية واقتصادية وثقافية للعالم. وعندما يتعرض هذا الإنجاز للتشويه، فالأمر يتجاوز حدود الملعب إلى صراع أكبر حول المكانة والمصداقية.
لكن إعلامنا الرياضي يرفض أن يتطور، يصر على البقاء في منطقة الراحة، يكتفي بدور الناقل السلبي بدلاً من أن يكون لاعباً فاعلاً في الدفاع عن المصالح الوطنية.
غياب الصوت القوي
المغرب اليوم، رغم كل إنجازاته الرياضية الباهرة، يفتقر بشكل مؤلم لصوت إعلامي رياضي قوي يدافع عنه في المحافل الدولية. لا نملك شخصية إعلامية محترمة وذات مصداقية، قادرة على مواجهة الرواية المضادة وتفنيد الأكاذيب بحجج دامغة.
نفتقد لمن يمتلك الشجاعة الفكرية لتجاوز الأدبيات الصحفية التقليدية، لمن يفهم أن الدفاع عن الإنجاز الوطني ليس "انحيازاً" بل واجب مهني ووطني. نحتاج لأقلام تعرف كيف تحول الحقائق إلى سلاح، وكيف تبني سردية مضادة قوية ومقنعة.
استثناءات وجب ذكرها
ومع ذلك، فالإنصاف يقتضي الاعتراف بأن هناك استثناءات قليلة وسط هذا المشهد القاتم. بعض الصحفيين الشجعان حاولوا أن يرفعوا الصوت ويدافعوا عن الحقيقة. كما أن القناة الثانية قدمت تغطية محترمة للبطولة، أبرزت من خلالها حجم الإنجاز التنظيمي و إيصال الصورة الحقيقية للعالم.
لكن هذه الاستثناءات، رغم أهميتها، تظل قطرة في بحر من الصمت والتقصير.
هذه الأصوات القليلة تثبت أن الأمر ليس مستحيلاً، بل هو مسألة إرادة واستثمار ووعي بحجم التحدي. إنها تضع أمامنا مرآة تعكس حجم الهوة بين ما يمكن أن نكون عليه وما نحن عليه فعلاً.
لنكن صريحين: كرة القدم اليوم هي أداة من أدوات القوة الناعمة، ساحة صراع حقيقية بين الدول. الفوز في هذه الساحة لا يتعلق فقط بما يحدث داخل المستطيل الأخضر، بل بالقدرة على السيطرة على السردية، على تشكيل الرأي العام المحلي و الدولي، على الدفاع عن الإنجازات وتفنيد الأكاذيب.
الدول الكبرى تدرك هذا جيداً، لذلك تستثمر بكثافة في إعلامها الرياضي، تبني منصات قوية، وتدعم أصواتاً مؤثرة قادرة على الدفاع عن مصالحها. أما نحن، فما زلنا نعتقد أن الصحافة الرياضية مجرد "تسلية" أو قسم هامشي في غرفة الأخبار.
المطلوب: إعلام في مستوى التحدي
حان الوقت لثورة حقيقية في الإعلام الرياضي المغربي. نحتاج لإعلام يفهم أن دوره لا يقتصر على نقل الأخبار، بل يمتد إلى الدفاع عن المصالح الوطنية في زمن الحروب الإعلامية الناعمة.
نحتاج لصحفيين رياضيين يمتلكون ثقافة سياسية واقتصادية، يفهمون الأبعاد الجيوسياسية للأحداث الرياضية، يمتلكون الشجاعة للمواجهة والقدرة على البناء الفكري المحكم.
الملاعب ليست مجرد ساحات للمباريات، بل هي معارك على السيادة والهيبة. والمعارك لا تُكسب بالصمت، بل بأقلام تعرف متى تتحول إلى سيوف.
المغرب الذي يستضيف كأس العالم 2030، المغرب الذي يبني ملاعب عالمية ويصدّر لاعبيه لأكبر الأندية الأوروبية، المغرب الذي اصبح يتصدر منتخبه الأول المركز الثامن في تصنيف الفيفا، هذا المغرب لا يمكن أن يُترك رهينة لإعلام رياضي ضعيف وعاجز عن حماية إنجازاته.
الدولة التي تستثمر المليارات في البنية التحتية الرياضية تستحق إعلاماً يوازي حجم هذا الاستثمار، إعلاماً يفهم أن الدفاع عن الإنجاز الوطني ليس رفاهية بل ضرورة استراتيجية.
إما أن نبني إعلاماً رياضياً يليق بطموحات المغرب الصاعد، أو نستعد لخسارة معارك قادمة قبل أن تبدأ. الخيار لنا.
ياسر أزيار (إعلامي رياضي)