تكشف المذكرة الوزارية المنظمة لعمل خلايا اليقظة وتدبير الدراسة في المناطق المتضررة من سوء الأحوال الجوية عن ترابية مقلوبة في هرم اتخاذ القرار، حيث يتم ربط تعليق الدراسة وإغلاق المؤسسات التعليمية إلزاميا بالتنسيق مع السلطات المحلية، ما يجعل رجل السلطة هو الفاعل الحقيقي في تحديد مصير الزمن المدرسي بينما يتحول المسؤول التربوي إلى منفذ لتعليمات تتجاوز أسوار المدرسة، هذه الواقعة الإجرائية البسيطة في ظاهرها تحيلنا على إشكال بنيوي أعمق يتعلق بحدود استقلالية وزارة التربية الوطنية في رسم سياساتها وتدبير أزماتها، وتدفعنا لطرح تساؤلات ملحة حول ماهية اليد الخفية التي تمسك بخيوط اللعبة التعليمية، وهل نحن أمام قطاع يدار بمنطق البيداغوجيا أم بمنطق الضبط الأمني والتوازنات السياسية.
المتتبع لمسار التحولات الكبرى التي عرفتها المنظومة التربوية يلمس هيمنة الهاجس الأمني على الاختيارات البيداغوجية، ولعل العودة إلى كرونولوجيا تقليص الغلاف الزمني لمادة التربية الإسلامية في التعليمين الإعدادي والثانوي تقدم دليلا ملموسا على هذا التوجه، فالقرار لم يكن نابعا من حاجة معرفية أو تخفيف للمقررات بقدر ما كان استجابة لإملاءات مرحلية ارتبطت بسياقات الأحداث المؤلمة التي شهدتها العاصمة الاقتصادية سنة 2003 وما تلاها من إعادة هيكلة للحقل الديني، حيث خضعت البرامج التعليمية لمشرط التعديل السياسي الذي يرى في المدرسة محضنا لإنتاج نموذج تدين متوافق عليه رسميا، ضاربا عرض الحائط بمبدأ التكامل المعرفي الذي نادى به طه عبد الرحمن حين اعتبر أن فصل الأخلاق عن المعرفة يؤدي إلى تخريج كائنات تقنية فاقدة للروح النقدية والعمق القيمي.
يتمدد هذا المنطق الضبطي ليشمل هندسة الموارد البشرية من خلال التوجه المتصاعد نحو تأنيث القطاع، وهي سياسة لا يمكن قراءتها فقط من زاوية المقاربة الاجتماعية أو تعزيز حضور المرأة، بل تخفي في طياتها فرضيات سوسيولوجية لدى صانع القرار تفترض أن العنصر النسوي أكثر ميلا للاستقرار الوظيفي وأقل انخراطا في الديناميات الاحتجاجية التصادمية مقارنة بالذكور، مما يجعل من التوظيف المكثف للإناث آلية ناعمة لتدجين القطاع وضمان نوع من السلم الاجتماعي داخل المؤسسات، في محاولة استباقية لتفكيك البنيات الصلبة للعمل النقابي الميداني.
يظل الهاجس الأمني متحركا وحاضرا بقوة في توجيه التشريعات، وما مشروع القانون التنظيمي للإضراب إلا تجسيد حي لهذا التوجه، إذ جاء كرد فعل تشريعي مباشر وفوري على الحراك التعليمي الأخير الذي شل المدارس لأسابيع وهدد السلم الاجتماعي، فالسرعة التي يتم بها الدفع بهذا القانون تؤكد أن الدولة تتعامل مع نساء ورجال التعليم ككتلة حرجة يجب تطويقها قانونيا، مما يعزز أطروحة عبد الله العروي حول طبيعة الدولة التي تعطي الأولوية للهاجس الأمني والاستقرار السياسي على حساب الحقوق النقابية، جاعلة من الترسانة القانونية أداة للضبط والردع وليست إطارا لتنظيم الحقوق.
تتجلى هذه التبعية بشكل أكثر وضوحا في مشروع مؤسسات الريادة الذي يتم التسويق له كطوق نجاة للمدرسة العمومية، في حين يرى فيه المهدي المنجرة استمرارا لمسلسل الاستيلاب الثقافي الذي يهدف إلى خلق أجيال نمطية تفكر بطريقة سطحية وتتقن مهارات التنفيذ دون القدرة على الإبداع، فالتركيز المفرط على المقاربات الأداتية وإفراغ المضامين من بعدها الفكري والنقدي يخدم أجندة تكوين اليد العاملة الطيعة التي يحتاجها السوق، وهو ما يحول التلميذ من مشروع مفكر حر إلى مجرد رقم في معادلة الإنتاج الاقتصادي، مسلوب الإرادة وغير قادر على مساءلة واقعه.
تظهر المفارقة البينة عند مقارنة الميزانيات والاهتمام الرسمي المخصص لقطاع الرياضة ومثيله المخصص للتعليم، فبينما تضخ الملايير لتشييد الملاعب وتوفير اللوجستيك لمنتخبات كرة القدم وتعبئة الإعلام لتسويق الإنجازات الرياضية، تعيش المؤسسات التعليمية شحا في الموارد وهشاشة في البنيات التحتية، وهذا التباين يعكس رغبة مضمرة في تسليط الضوء على القطاعات التي تنتج الفرجة وتخدر الوعي الجمعي، وتهميش القطاعات التي تبني العقل وتنتج المعنى، في تطبيق حرفي لسياسة الإلهاء التي تجعل المواطن غارقا في تفاصيل الجلد المنفوخ ومنفصلا عن قضايا مصيره التعليمي والفكري.
الناظر في الهندسة المالية للميزانية العامة يدرك أن وزارة التربية الوطنية تفتقر للسيادة المالية الحقيقية، فجل المشاريع الكبرى تخضع لتأشيرات وزارة المالية التي تتحكم في عدد المناصب المالية وتحدد سقف التوظيف، مما يفرغ شعارات الجودة من محتواها ويجعل الوزارة رهينة لحسابات التوازنات الماكرو-اقتصادية التي يمليها المانحون الدوليون، لتبقى القرارات البيداغوجية مجرد حبر على ورق أمام صخرة الإكراهات المالية التي توظف كذريعة لتمرير سياسات التقشف وتقليص كتلة الأجور عبر بدعة التعاقد التي ضربت استقرار المنظومة في مقتل.
يظل القرار التربوي في المغرب موزعا بين مراكز نفوذ متعددة تتجاوز باب الرواح، حيث تتداخل فيه الحسابات الأمنية التي تخشى انفلات الجامعة والثانوية، والإملاءات الاقتصادية التي تريد مدرسة تخدم الرأسمال، والتجاذبات الايديولوجية التي تسعى لصياغة عقول الناشئة وفق قوالب جاهزة، لتبقى المدرسة الحلقة الأضعف في هذه السلسلة، تدفع ثمن صراعات الكبار وتنتظر لحظة تحرر تعيد للاعتبار للمعرفة كسلطة عليا تعلو ولا يعلى عليها، وتجعل من مصلحة المتعلم البوصلة الوحيدة التي توجه دفة الإصلاح بعيدا عن رياح السياسة وعواصف الأمن.