بعيدًا عن نشوة الانتصارات، ومرارة الهزائم، وإصابات اللاعبين، وشغف الجماهير، لكن دائما في صلب الكرة المستديرة، حظي المغرب بشرف تنظيم نسخة 2025 من كأس إفريقيا للأمم. تنظيم كان في مستوى الحدث، راق في تفاصيله، محكم في تدبيره، ونال احترام وإعجاب المتابعين الفاهمين والمستبصرين بعالم كرة القدم.
لكن… ثم لكن، وللأسف الشديد والعميق، وجدنا أنفسنا أمام أبشع صور التخلف والهمجية، صادرة عن أناس يفترض فيهم الاحتراف والخبرة، من إعلاميين ورموز كروية، خصوصا في مصر والجزائر. حملات مشبعة بالحقد والضغينة، تثير أكثر من سؤال: ألهذا الحد أنتم مطبوعون على الكراهية؟ ولماذا كل هذا العداء؟
كرة القدم، في جوهرها، مجرد لعبة. لكنها، في معناها الأعمق، جسر للتواصل، ووسيلة للترابط والتآخي، وباب لبسط السلام بين الشعوب، لا وقود لإشعال الضغائن وإعادة إنتاج الصراعات.
ومن جهة أخرى، وهنا لا بد من التوقف عند الذات، فقد كشف المغرب للعالم مرة أخرى أن “المستحيل ليس مغربيا”. تفوقنا، وأبدعنا، وأبهرنا في هذا العرس الإفريقي. غير أن السؤال الجوهري يظل مطروحا بإلحاح: ألا يمكن الإلتفات، بالجدية نفسها، إلى قطاعات ذات أولوية قصوى؟
التعليم، الصحة، السكن، الشغل، احترام القانون، التفعيل الحقيقي لمقتضيات الدستور… ملفات شائكة لا تقل أهمية عن الملاعب والبنى التحتية الرياضية، بل هي أساس النهضة الحقيقية وأفق الاستقرار الاجتماعي.
أليس بمقدورنا كبح تسارع الاحتجاجات وتشتتها، ليس بالقمع أو التجاهل، بل بالإصغاء وتحمل المسؤولية وربط القول بالفعل؟ لا مبررات لإقناع المواطن اليوم: لا ضعف الميزانيات، ولا ضغوط الظرفية، ولا شماعات الجاهز من الأعذار.
ورجاء، مدوا أعينكم وأعمالكم إلى ما بعد 2025. دعوا إفريقيا تنظم كأسها الإفريقية سنة 2028 على سواعدها، وتتحمل مسؤوليتها كاملة أمام العالم. دعوها تخوض التجربة، وتتعلم، وتخطئ وتصيب.
أما أنتم، فتحملوا مسؤولياتكم كاملة تجاه الشعب والوطن. تسلحوا بالإرادة السياسية الحقيقية، فبها وحدها تصنع الأوطان الراقية. كل توابل النهضة بين أيديكم… ولم يعد ينقصنا سوى الصدق في الاختيار، والشجاعة في القرار.