لست خبيرًا في شؤون كرة القدم، لكني متابع ومتتبع لأحداثها باستمرار، عاشق لها حتى الجنون منذ الصغر، شغوف بها كرياضة جميلة ورائعة تفرح أحيانًا وتحزن أحيانًا أخرى، بلغة ممارستها كتعبير عالمي تفهمه كل شعوب العالم. إنها الرياضة التي باتت بثقلها ترفع شأن الأمم والشعوب، وتسجل في التاريخ أمجادها، وبهوسها ينتعش الاقتصاد والسياحة، وأمور أخرى جعلت منها محركًا كبيرًا في تنمية البلدان، وأصبحت تحكم مجال المال والأعمال.
إن ما عرفه المشهد الكروي الختامي لبطولة كأس أمم إفريقيا في دورتها 35 لعام 2025، التي احتضنها المغرب بشكل أبهر العالم بحسن التنظيم وجمالية وروعة الملاعب والبنيات التحتية، وحضن دافئ للشعب المغربي الطيب الذي رحب بالجميع، حتى الخصوم من جماهير بلدان الجوار، وكان مساندًا ومدعمًا ليس لمنتخبه الوطني فقط، بل للمنتخبات العربية وبعض الدول الأفريقية الصديقة، لهو سيناريو دراماتيكي غريب وعجيب لمباراة كان لابد أن تمر في أجواء عادية غير مشحونة، في ظل روح رياضية تحكمها قوانين اللعبة وأرشيف تطور كرة القدم لما يفوق عقودًا من الزمن عبر التاريخ.
لقد حلم المغاربة منذ أكثر من خمسة عقود، منذ نصف قرن من الزمن، بإعادة مجد الكأس الإفريقية الأولى لسنة 1976، في ساحة كروية إفريقية ساد فيها العجب العجاب في أدغال دول القارة السمراء وفي أجواء تحولات المناخ وصعوبته. ولتحولات المناخ، تحولات أخرى لعبت فيها أحقاد السياسة، وتوالت مظاهر "الكولسة"، حتى باتت هذه البطولة معروفة بذلك وطبعت بسلوكات غريبة، فصعب الأمر على منتخب مغربي على مر مختلف الدورات السابقة، بفريق يلعب الكرة الحديثة، مكون من لاعبين نشأ معظمهم وتطور في أرقى بطولات أوروبا، مما يحيلنا على التفوق المغربي في بطولات كأس العالم كأكبر حدث رياضي عالمي، وعجز تام في بطولات كأس إفريقيا لقارتنا الأم.
إن احتضاننا لهذه الدورة، وبحكم تفوق الكرة المغربية اليوم – بشهادة الجميع في كل الفئات السنية ذكورًا وإناثًا، وترتيبنا العالمي المتقدم، وجهود الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وما تم تحقيقه من تنمية رياضية شهد بها العالم – كان له الوقع العميق على كل من يعادي المغرب، الذي حقق العزة للعرب والأفارقة في كأس العالم المنظمة بقطر سنة 2022 باحتلاله المرتبة الرابعة. فكنا الأجدر بتحقيق اللقب الثاني كاعتراف بقوة هذا المنتخب، وتأكيد بقاء هذه الكأس ببلاد المغرب ليس منحة للبلد المنظم، بل جدارة حق حرمنا منه لعقود، في ظل سهام الخبث الكروي والسياسي الموجهة لنا كدولة كثر حسادها واجتهدوا بكل الوسائل لتحطيم كل جميل تحققه، لتبصم الكرة بمكر السياسة، ويتأكد ذلك من خلال هذا النهائي، وهو الأمر الواضح والمفضوح منذ زمن، لكن الطغيان بلغ مداه لقتل حلم شعب وخلق حزن دفين في عقول وقلوب الجميع، بأثر لن يمحى، حتى الأطفال بكوا حزناً عميقًا ليلة الأحد الأسود في تاريخ كرة القدم الإفريقية أمام أنظار العالم، في استغراب واندهاش لرياضة زاغت عن منحاها الطبيعي، بعيدًا عن تكريس ثقافة الفوز الرياضي وتهنئة الفائز وقبول الهزيمة كما هو الحال لأي طرف من الأطراف.
إن ما فعله المنتخب السنغالي منذ بلوغه النهائي لمواجهة المنتخب المغربي كان مؤشّرًا على خطة مدروسة لانتزاع اللقب من العاصمة الرباط، ليس فقط بقوة أبان عنها الفريق رياضيًا طيلة البطولة، بل بنكهات إضافية مشوشة وظالمة، ضِد المغرب ونكاية فيه بدعم خارجي، هدفه إفساد العلاقات الدبلوماسية العريقة والعميقة بين الدولتين وبين الشعبين الشقيقين عبر رياضة هي مجرد لعبة للترفيه والفرجة لا غير منذ نشأتها الأولى. فرأينا شكايات وهمية وأقوالًا عدائية، طعمتها جهات معادية ونشرت سمّها في العروق مجرى الدماء، فشاهد الجميع منتخبًا مشحونًا في رقعة الملعب، بمدرب مشاغب لم يعجب أي شيء، ولو فرشت له الأرض ذهبًا، كان موجّهًا ومستعدًا لإفساد العرس الكروي الأحسن والأروع في تاريخ البطولة دون حياء ولا حشمة. فالامتثال للحكم أمرٌ ثابتة ضوابطه في قوانين "اللعبة"، والخروج من الملعب احتجاجًا هو سابقة تاريخية لها ما بعدها، ولابد من إصدار عقوبات كبيرة، حتى لا تتكرر هذه المشاهد كما لو كنا في بطولة للأحياء الشعبية والهواة.
فالصور والمشاهد التي تابعها العالم بأسره، أكثر من ملياري مشاهد للمباراة النهائية هذه، تفضح واقع الكرة الإفريقية المحكمة بأمور لا علاقة لها بالرياضة قطًّا. فالفوز أمر عادي كما الهزيمة أيضًا، لكن ما حدث جراء خلق التوتر والضغط على اللاعبين، وهمجية بعض عناصر الجمهور السنغالي من خلال اقتحام الملعب والهجوم على الأمن والصحافة، والسب والشتم الذي تعرض له الحكم من طرف بعض لاعبي منتخب السنغال، والإشارة بحركات مكشوفة إلى وجود رشوة، ليس عاديًا بالمرة، مما يحيل على أن هناك أطرافًا خارجية سعت لإفساد جمال كرة القدم، وأطراف كشف أمرها بعد خسارة المنتخب المغربي ونهاية هذه المقابلة الدراماتيكية حيث احتفلوا وفرحوا، بل وقبل ذلك عبر تشويه السمعة والكذب والافتراء والبهتان ونشر وتعليم أوجه العداء والأحقاد الدفينة، خاصة من إعلام جارة السوء الجزائر ومن يواليها.
نعم، لقد خسرنا لقبا قاريا في كرة القدم وبشرف كبير، وربح بلدنا كبير، حيث حقق الأهم في الطليعة وفي ريادة القارة الإفريقية على كافة الأصعدة، كره من كره وأبى من أبى، والدليل ثابت بما شاهده العالم ليس بالضبط في هذا المحفل القاري، بل ما قدمه المغرب في مناسبات عديدة، والقادم أجمل حتمًا عند تنظيم كأس العالم 2030. فأعداء النجاح همهم ضرب كل جميل لإرضاء نفوسهم المريضة، وهذا ما حدث بالضبط في كل المناسبات السانحة لخصوم الوحدة الترابية وخصوم المملكة المغربية الشريفة، ومنه علينا أن نستفيد من هذا الدرس التاريخي الذي أكد بالثابت والمطلق تسييس مجال كرة القدم من طرف البعض بشكل أصبح أساسيًا في مختلف البطولات، فكأس العالم هي الأخرى شهدت بعضًا من ذلك، منها ما هو معلن ومنها ما هو مبطن.
إنها "الشمتة" الكبرى ومرارة هزيمة كروية بنكهة كره سياسي. فلا روح رياضية سادت، ولا إحساس بجميل الترحاب وحسن الضيافة كان له الاعتبار، فشُمتنا في عقر دارنا، وكان على منتخبنا الوطني أن يترفع عن الدخول في مناوشات مع بعض اللاعبين من منتخب السنغال ومحاولة إرضائهم بعد أن قرروا الخروج من الملعب بقرار غريب لمدربهم، بعيدًا عن أخلاق الرياضة. لقد كان علينا لزامًا التركيز في باقي مجريات لقاء كروي غير عادي، سال فيه الدم على الجبين أكثر من العرق حبًا في القميص الوطني. فكان علينا دعم اللاعب إبراهيم دياز لأجل تسجيل كرة النهائي وتنفيذ ضربة جزاء مستحقة شهدها العالم واعترف بصحتها كل الخبراء والمهتمين بشؤون كرة القدم، فما فائدة بذل الجهود لإرجاع منتخب غادر الملعب إحساسًا بظلم وهمي، ونحن نعلم أن وراء ذلك شحنات حقد وتآمر ظهرت معالمه قبل إجراء المباراة، مما شتّت التركيز وفقد الفريق قوة الفوز دون تجاوز الأخطاء التقنية وفشل خطة إجراء هذه المقابلة منذ البداية.
فشكرًا لكل عناصر منتخبنا الوطني على حال، مجهود كبير بُذل وعشق للوطن جُسد على أرض الميدان. شكرًا لكل من يحب كرة القدم ويعشقها كرياضة، تحية تقدير للجمهور الغفير المُفعم بالوطنية الصادقة، سواء من تابع المباريات من داخل الملعب وحصل بعد جهد جهيد على تذاكر الولوج، وكل من تابع المباريات من فضاءات المشجعين المختلفة، العامة منها والخاصة، ومن المقاهي والبيوت. لقد كنتم مثالًا لنصرة الحق، وكان الجمهور في الموعد حقًا وأبان للعالم الحب الحقيقي للرياضة الأكثر شعبية. لذا علينا النسيان واستمرار ورش البنيان لنكرس أننا من أحسن البلدان، ليس فقط في الرياضة بل في كل المجالات، وعلينا بالمقابل تسجيل مكر "العديان" واعتبار هذا "الكان" في خبر كان، بعد وصم الرياضة "بعار" تحوير السياسة في هذا الزمان.