الجهوية المتقدمة بالمغرب تمثل أحد أبرز التحولات المؤسسية في المملكة خلال العقدين الأخيرين، فهي ليست مجرد إصلاح إداري أو إعادة ترتيب للسلطات، بل خطوة استراتيجية لإعادة هيكلة الدولة على أسس ديمقراطية وتنموية متقدمة. من خلال منح الجهات صلاحيات متقدمة لتدبير شؤونها المحلية ضمن إطار وحدة الدولة واستقرارها، حيث يسعى المغرب إلى الانتقال من نموذج مركزي تقليدي إلى جهوية فعالة تكون التنمية فيها أكثر قربًا من المواطن وأكثر تجاوبًا مع احتياجاته. وقد منح دستور 2011 هذا الورش دفعة قوية، إذ أرسى مبادئ التدبير الحر، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والتضامن بين الجهات، ليصبح القرار الجهوي جزءًا لا يتجزأ من منظومة التنمية الشاملة، مع الأخذ بعين الاعتبار التوازن بين الجهات والمناطق.
لقد شكلت المناظرتان الوطنيتان حول الجهوية المتقدمة، بأكادير سنة 2019 وطنجة سنة 2024، محطتين حاسمتين لتقييم هذا الورش الكبير. فمن خلالهما تم استعراض التجارب الميدانية، وتحديد نقاط القوة والضعف، ومناقشة السبل العملية لتعزيز فعالية الجهوية. فمناظرة أكادير سلطت الضوء على مرحلة إرساء المؤسسات والبرامج التنموية، فيما ركزت مناظرة طنجة على الحكامة واللاتمركز الإداري، لتصبح كل منهما مرجعية لتقييم ما تحقق وتحديد التحديات المستقبلية.
فالجهوية المتقدمة ليست مجرد فكرة نظرية، بل مؤسسة دستورية وقانونية قائمة على أرض الواقع. فقد نص دستور 2011 بوضوح على أن المملكة تعتمد تنظيمًا ترابيًا لا مركزيًا، مع تحديد اختصاصات الجهات بين ما هو ذاتي، وما هو مشترك أو منقول، إضافة إلى مبدأ الاستقلال المالي، الذي يمثل أساسًا لاستدامة المشاريع التنموية. ويأتي القانون التنظيمي رقم 111.14 لسنة 2015 ليضع هذه المبادئ على أرض الواقع، من خلال تحديد اختصاصات الجهات في التنمية الاقتصادية، وإعداد التراب، والتكوين المهني، والنقل الجهوي، والبيئة، وتحديد برامج التنمية الجهوية لمدة ست سنوات. وأكدت مناظرة أكادير على ضرورة الانتقال من مرحلة إرساء النصوص إلى التفعيل العملي للاختصاصات، مع ضرورة تعزيز التنسيق بين الدولة والجهات، وخصوصًا فيما يتعلق بالاختصاصات المنقولة، لضمان حكامة واضحة وفعالة.
وتتجلى الرهانات التنموية للجهوية المتقدمة في هدفها الأساسي: تحقيق العدالة المجالية وتقليص الفوارق بين الجهات. فالبيانات الرسمية تشير إلى أن جهة الدار البيضاء سطات تساهم بما يقارب ثلث الناتج الداخلي الخام للمملكة، في حين أن جهات أخرى، مثل جهة درعة تافيلالت أو جهة الشرق، تساهم بنسبة لا تتجاوز 5%، ما يوضح التفاوت الكبير في توزيع الثروة والاستثمارات. وفي هذا الإطار، كانت مناظرة أكادير مناسبة لتأكيد ضرورة توجيه الاستثمارات نحو الجهات الأقل نموًا، وتعزيز صندوقي التأهيل الاجتماعي والتضامن بين الجهات، لضمان تحقيق تنمية متوازنة وشاملة.
إضافة إلى ذلك، تسعى الجهوية المتقدمة إلى تعزيز الديمقراطية التشاركية، من خلال إشراك المجتمع المدني في إعداد برامج التنمية، وتفعيل آليات العرائض والملتمسات، وتوسيع مجال مشاركة المواطنين في اتخاذ القرار المحلي. وقد أكدت مناظرة طنجة على ضرورة تطوير هذه الآليات، عبر الرقمنة، وتبسيط المساطر، وتحسين التواصل بين الجهات والمواطنين، بما يضمن شفافية أكبر للقرارات، ويعزز ثقة المواطنين في المؤسسات المحلية، ويجعل النموذج التنموي الجديد أكثر قربًا من الواقع الاجتماعي، مع التركيز على خلق فرص الشغل وتحفيز الاستثمار المنتج.
رغم هذه المكتسبات، لا يزال الطريق أمام الجهوية المتقدمة مليئًا بالتحديات. فالعديد من الجهات يعتمد بشكل كبير على تحويلات الدولة، في حين ما تزال الكفاءات التقنية والإدارية في بعض المناطق محدودة، مما يضعف قدرة الجهات على إدارة المشاريع بكفاءة. كما يبقى التنسيق بين البرامج القطاعية ضعيفًا أحيانًا، خصوصًا في المجالات الحساسة مثل النقل والتكوين المهني والتنمية القروية. وأبرزت مناظرة طنجة أن نجاح الجهوية مرتبط ارتباطًا وثيقًا باللاتمركز الإداري الفعلي، ووضوح توزيع الاختصاصات بين الولاة ورؤساء الجهات، مع ضرورة اعتماد مؤشرات لقياس الأداء وربط التمويل بالنتائج، وتعزيز الرقمنة والشفافية لمحاربة الهدر وسوء التدبير.
على صعيد الحصيلة، حققت الجهوية المتقدمة مكاسب مهمة، إذ تم إرساء مؤسسات منتخبة، وإطلاق برامج تنموية جهوية، وتنفيذ مشاريع كبرى في مجالات الصناعة، والفلاحة، والسياحة، والبنيات التحتية. كما تم توقيع اتفاقيات شراكة استراتيجية بمليارات الدراهم بين الدولة والجهات، لتمويل مشاريع حيوية ذات أثر مباشر على الاقتصاد المحلي. ورغم ذلك، لا يزال الأثر على تقليص الفوارق المجالية محدودًا، ما يستدعي استمرار الجهود لتعزيز الموارد المالية والبشرية للجهات، وتحقيق انسجام أكبر بين السياسات العمومية على المستوى الترابي.
إن الجهوية المتقدمة تمثل ورشًا طموحًا لإعادة توزيع السلطة والثروة، ولتكريس العدالة المجالية والديمقراطية التشاركية. وقد أظهرت مناظرتا أكادير وطنجة أن هذا الورش يسير بخطى ثابتة، لكنه بحاجة إلى المزيد من العمل لتسريع تنزيل الاختصاصات، وتعزيز استقلالية القرار المالي والإداري للجهات، وتجديد الحكامة الترابية. فقط من خلال هذه الإجراءات يمكن للجهوية أن تنتقل من إطار نظري ومؤسسي إلى واقع ملموس يُنتج التنمية والعدالة لكل المواطنين، ويحقق التوازن بين مناطق المملكة كافة.
ذ. عبد الحي الغربة
أستاذ باحث بجامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء
.
