رسالة مفتوحة إلى السيد فوزي لقجع المحترم
رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم
تحية تقدير واحترام،
يشرفني أن أتقدم إلى سيادتكم بهذه الرسالة المفتوحة التي تحاول مقاربة هزيمة المنتخب الوطني أمام نظيره السنغالي من زاوية تتجاوز البعد الرياضي التقني، نحو فهم أعمق للحمولة الرمزية التي بات يحملها المنتخب المغربي داخل المخيال الاجتماعي الوطني والإفريقي.
فمن منظور سوسيولوجي، لا تُختزل هذه الهزيمة في نتيجة عابرة ضمن منطق لعبة احتمالية، بل تندرج ضمن بنية توقعات جماعية راكمها الجمهور والإعلام بعد توالي الإنجازات، حيث تحوّل المنتخب الوطني إلى مؤسسة رمزية تُسقَط عليها آمال وطنية تتجاوز كرة القدم، وتُقرأ نتائجها باعتبارها مؤشّرًا على النجاح أو الإخفاق الرمزي الجماعي. لذلك، استُقبلت الهزيمة بوصفها صدعًا مؤقتًا في سردية التفوق، أكثر مما هي تعثر رياضي طبيعي.
السيد فوزي القجع المحترم
ونحن نتابع أصداء الهزيمة ووقعها على المغاربة، يمكن إدراج هذه المباراة ضمن ما يشبه تنازع الهويات الإفريقية داخل الفضاء الكروي، حيث تتحول المنافسة الرياضية إلى مسرح رمزي لإعادة ترتيب المكانات داخل القارة. ففي هذا السياق، لا يُحمَّل الفوز أو الخسارة دلالة رياضية فقط، بل يُستثمر أحيانًا كنوع من الرد الرمزي أو “الانتقام المعنوي” بين هويات وطنية إفريقية، في ظل تاريخ طويل من اختلالات الاعتراف والتمثيل داخل إفريقيا.
ومن هذا المنظور، تصبح كرة القدم لغة بديلة لصراعات تاريخية مبطّنة لا تجد دائمًا تعبيرها في السياسة المباشرة، لكنها تتسرّب إلى الرياضة باعتبارها مجالًا مشروعًا للتنفيس وإعادة التمثّل. فالإرث الاستعماري، وتفاوت المسارات التنموية، وتباين المواقع السياسية، كلها عناصر تُراكم توترات كامنة تطفو في لحظات التنافس القاري الحاد.
وفي مقدّمة هذه التوترات، تحضر قضيتنا الوطنية/ قضية الصحراء المغربية بوصفها قضية تلقي بظلالها الرمزية على تمثلات التنافس الإفريقي، لا بشكل مباشر، بل عبر ما يمكن تسميته بالتوتر الرمزي الكامن. فمواقف بعض الدول الإفريقية من هذه القضية، وما يرافقها من اصطفافات دبلوماسية، قد تُسهم في شحن المباريات بدلالات تتجاوز المستطيل الأخضر، حيث يُعاد تأويل الفوز أو الخسارة باعتبارهما لحظة إثبات ذات أو إعادة تموضع داخل الخريطة المعنوية للقارة.
كما لا يمكن عزل هذه الهزيمة عن السياق العام الذي تتحرك فيه الكرة المغربية، حيث تثير تكلفتها نقاشات صاخبة في الفضاءات والساحات العمومية، باعتبارها رافعة للتنمية وقضية سياسيًة، مالية ومعنويًة—حاضرة بشكل غير مباشر وغير مباشر في السياسات العمومية.
فالدفاع المستمر عن الموقف الوطني، وما يرافقه من توتر إقليمي وحسابات دبلوماسية، قد ينعكس أحيانًا على التركيز والاستقرار النفسي المطلوبين لتحقيق أعلى مستويات الأداء، خاصة في المباريات الكبرى التي تُحسم بالتفاصيل الدقيقة.
إن هذه الملاحظات لا تهدف إلى تبرير الهزيمة، بقدر ما تسعى إلى الإسهام في فهم أعمق للسياق الرمزي والنفسي الذي بات يحيط بالمنتخب الوطني، بما قد يساعد على إعادة ضبط العلاقة بين الإنجاز، التوقع، والهوية الجماعية، وضمان استدامة النجاح الرياضي دون تحميله أكثر مما يحتمل.
وأخيرًا، وبعد التنويه بالمجهودات الكبيرة التي بذلتها بلادنا، على كافة الأصعدة التنظيمية والرياضية والدبلوماسية، من أجل إنجاح هذه المحطة، أسمح لنفسي باقتراح بعض التوجهات التي قد تُسهم في تطوير وتجويد هذه الإنجازات وضمان استدامتها:
إدماج البعد النفسي والسوسيولوجي في الإعداد الرياضي
من خلال إرساء آليات مواكبة نفسية وسوسيولوجية دائمة للاعبين والأطقم التقنية، تهدف إلى تدبير ضغط التوقعات الجماهيرية والإعلامية، خاصة بعد مرحلة الإنجازات، بما يساعد على الفصل بين الأداء الرياضي والحمولة الرمزية المفرطة.
إعادة ضبط الخطاب الإعلامي المصاحب للمنتخب الوطني عبر تشجيع خطاب مؤسساتي واقعي يُثمّن النجاحات دون تضخيمها، ويُطَبّع مع فكرة التعثر كجزء من المسار الرياضي، بما يساهم في تخفيف الضغط الرمزي عن اللاعبين وحماية المشروع الكروي من منطق النتائج الآنية.
تعميق الاستثمار في التكوين طويل المدى بدل منطق التتويج العاجل
وذلك عبر تحصين المشروع الرياضي الوطني بمنطق الاستمرارية، وربط الإنجاز اللحظي برؤية استراتيجية تُراكم رأس مال رياضي وبشري قابلًا للتجدد، بعيدًا عن رهان اللحظة أو البطولة الواحدة.
تعزيز الدبلوماسية الرياضية الإفريقية
ليس فقط على مستوى التمثيلية داخل الهيئات القارية، بل أيضًا عبر بناء شراكات رياضية وتنموية مع الدول الإفريقية، بما يُسهم في تخفيف التوترات الرمزية، ويحوّل التنافس من صراع مكانة إلى تعاون استراتيجي داخل القارة.
تحصين المنتخب الوطني من التداخلات السياسية غير المباشرة
من خلال توفير أقصى شروط التركيز والاستقرار داخل المعسكرات الرياضية، بما يسمح بعزل اللاعبين، قدر الإمكان، عن الضغوط الخارجية المرتبطة بالسياقات الجيوسياسية، مع الإقرار بوجودها دون السماح لها بالتأثير على الأداء.
تثمين الإخفاق بوصفه أداة للتعلّم المؤسسي
عبر تحويل لحظات التعثر إلى مناسبات للتقييم الهادئ وإعادة الضبط، بدل قراءتها بمنطق الفشل، بما يعزز ثقافة رياضية ناضجة قائمة على التراكم لا على القطيعة.
وتفضلوا، السيد الرئيس، بقبول فائق الاحترام والتقدير.
الإمضاء
المصطفى المريزق
فاعل مدني
رئيس الجامعة الشعبية المغربية Université Populaire du Maroc UPM