lundi 19 janvier 2026
كتاب الرأي

عبد اللطيف رويان: حين تتحوّل الهزيمة المؤقتة إلى أداة ضغط

عبد اللطيف رويان: حين تتحوّل الهزيمة المؤقتة إلى أداة ضغط عبد اللطيف رويان

في لحظات الذروة الرياضية، لا تُحسم المباريات فقط بالمهارات التقنية أو الخطط التكتيكية، بل كثيرًا ما تُحسم بما يجري خارج المستطيل الأخضر: في الانفعالات، في إدارة التوتر، وفي كيفية توظيف السياق ورمزيته. ما حدث خلال نهائي كأس إفريقيا بين أسود الأطلس وأسود التيرانغا، عقب احتساب ضربة جزاء للمنتخب المغربي، يقدّم حالة نموذجية لفهم هذا البعد الخفي من المنافسة.

 

فبمجرد صدور قرار الحكم، انتفض مدرب ولاعبو المنتخب السنغالي، وغادروا الملعب احتجاجًا، في رسالة واضحة مفادها أن المباراة "غير عادلة". لم يكن الاحتجاج مجرّد اعتراض عفوي على قرار تحكيمي، بل تحوّل، بحكم سياقه وتوقيته وحدّته، إلى فعل جماعي منظم استهدف تعطيل الإيقاع النفسي للمباراة. العودة إلى أرضية الملعب بعد دقائق لم تُنهِ أثر هذا السلوك؛ إذ كان الارتباك قد انتقل بالفعل إلى لاعبي المنتخب المغربي، لتُهدر ضربة الجزاء، وينقلب بعدها سيناريو اللقاء لصالح السنغال.

 

من منظور التحليل السوسيونفسي، يمكن قراءة هذا السلوك باعتباره أكثر من "غضب رياضي" عابر يجتاح لحظة الفرجة ويذوب فيها؛ نحن أمام انزياح استراتيجي في إدارة الخسارة المؤقتة. فالمنتخب الذي وجد نفسه فجأة مهددًا بالهزيمة لم يكتفِ بمحاولة تدارك الوضع داخل قواعد اللعب، بل نقل الصراع إلى مستوى آخر: مستوى الشرعية والرمزية، والضغط النفسي، والتشويش الإدراكي، وإعادة توزيع الأدوار داخل الفضاء التنافسي.

 

هنا تبرز فكرة التعويض عن النرجسية المجروحة. فالخسارة المحتملة، خاصة في نهائي قاري، لا تُستقبل فقط كحدث رياضي، بل كجرح للهوية الجماعية ولصورة التفوق المتخيَّل. وعندما يعجز الفاعل عن استيعاب هذا الجرح ضمن منطق المنافسة، يلجأ إلى آليات دفاعية، من بينها تحويل موقعه من لاعب خاسر إلى "ضحية مظلوم".

 

إن مغادرة أسود التيرانغا رقعة الملعب لم تكن موجّهة للحكم وحده، بل كانت موجّهة أيضًا إلى المنتخب المغربي وجمهوره. إنها رسالة ضغط تقول: لسنا في موقع الخضوع، بل نملك القدرة على تعطيل اللعبة نفسها. بهذا المعنى، يصبح الاحتجاج أداة لإعادة توزيع القوة داخل المباراة، لا عبر التسجيل أو الدفاع، بل عبر خلخلة التوازن النفسي للخصم.

 

الفريق المغربي، بصفته المنظم والمُطالب أخلاقيًا وقيميًا بضمان سلاسة المباراة، وجد نفسه في موقع دفاعي غير متوقّع: ضغط التنظيم وما يستتبعه من مسؤولية رمزية وانضباط قيمي، حساسية اللحظة، وطول التوقف... كل ذلك أسهم في تحويل ضربة الجزاء من فرصة للتقدم إلى عبء نفسي ثقيل. وهنا تتحقق فعالية السلوك الاحتجاجي: ليس لأنه «غيّر» قرار الحكم، بل لأنه غيّر شروط تلقي القرار.

 

إن هذه الواقعة تكشف عن انتقال بعض المنافسات الكبرى من منطق اللعب النظيف إلى منطق اللعب الذهني. فالانتصار لم يعد يُبنى فقط على التفوق الفني، بل على القدرة على إدارة الانفعالات، واستثمار الثغرات النفسية لدى الخصم. وفي هذا السياق، يصبح الاحتجاج المبالغ فيه، والانسحاب المؤقت، والتشكيك في عدالة اللعبة، أدوات ضمن ترسانة الصراع.

 

غير أن خطورة هذا المنحى تكمن في تطبيعه؛ إذ يفتح الباب أمام شرعنة سلوكات تضعف الثقة في المؤسسة التحكيمية، وتحوّل الرياضة من فضاء تنافسي منظم إلى مسرح للضغط والابتزاز الرمزي.

 

هل يمكن وصف تصرف مدرب ولاعبي السنغال باستراتيجية تعويض عن النرجسية المجروحة؟ من زاوية تحليلية، نعم، إذا فهمنا النرجسية هنا لا بوصفها سمة مرضية، بل بوصفها حساسية مفرطة تجاه الهزيمة في سياق تنافسي عالي الرهانات. لقد جرى تعويض الإحساس بالعجز اللحظي عبر فعل احتجاجي أعاد للفريق إحساس السيطرة، ولو نفسيًا.

 

غير أنّ الحادثة تكشف، في المقابل، عن هشاشة البعد النفسي في إدارة المباريات الكبرى في إفريقيا، وعن حاجة ملحّة إلى وعي أعمق بأن الانتصار الحقيقي لا يُقاس بالنتيجة وحدها، بل أيضًا بسلامة القواعد التي قادت إليها. فحين يُحسم النهائي عبر زعزعة الخصم لا عبر اللعب، يظل السؤال معلّقًا: من انتصر فعلًا، الفريق أم الاستراتيجية؟

 

الخسارة نتيجة، لا قيمة… والمسار أقوى من النهائي، يا أسود الأطلس.

 

د. عبد اللطيف رويان/ باحث في سوسيولوجيا الجريمة والانحراف