لم يخسر المغرب كأس إفريقيا أمام السنغال داخل الملعب بالكرة، بل خسر أمام سياق معقد من الضغط و التجييش ، وسوء النية ،وسوء الحظ و الخبت الكروي و الاعلامي. ما حدث تجاوز منطق التسعين دقيقة، وأكد مرة أخرى انه حين تنجح وتفرض نفسك، قد تجد قارة كاملة ضدك. لا لأنك أخطأت، بل لأنك تقدمت أكثر مما ينبغي في نظر من اعتادوا البقاء في الخلف. ما جرى لم يكن مباراة عادية، بل لحظة كاشفة لطبيعة المحيط، ولحجم الضيق الذي يسببه المغرب حين ينجح.
لم تكن الهزيمة رياضية خالصة، بل نتيجة تراكم عوامل جعلت المغرب يواجه أكثر من خصم في مباراة واحدة.
منذ انطلاق البطولة، كان واضحا أن المغرب هو الهدف. الضغط النفسي، تضخيم كل قرار تحكيمي، تحويل التفاصيل إلى قضايا، ثم القفز الجماعي إلى خطاب المؤامرة. ضربة جزاء أُعلنت وفق القانون، وبتقنية الفيديو، تحولت إلى ذريعة لصناعة رواية كاملة عن “الظلم و الكولسة”، بينما جرى تبرير سلوك احتجاجي غير مقبول رياضيا، وكأنه موقف شجاع لا خرق صريح للقوانين. هنا سقط القناع، لم يعد النقاش رياضيا، بل تحول إلى معركة خفية هدفها إقصاء المغرب.
الشماتة التي انفجرت بعد الخسارة لم تكن بريئة ولا عفوية. دول، ومنابر، وأصوات إعلامية، احتفلت بسقوط المغرب أكثر مما احتفلت بفوز غيره. وهذا في حد ذاته اعتراف غير مباشر بثقل المغرب داخل القارة. حين تصبح هزيمتك خبرا سعيدا للآخرين، فاعلم أنك تجاوزت حجمك الطبيعي في حساباتهم. و أصبحت تشكل لهم عقدة .
الأكثر فجاجة كان الهجوم على تنظيم البطولة. تنظيم شهد له القاصي والداني، واعتبر من بين الأفضل في تاريخ كأس إفريقيا، وضع فجأة في قفص الاتهام. كأن النجاح التنظيمي جريمة . هذا السلوك لا يفسر إلا بالخوف من نموذج مغربي أثبت أن إفريقيا يمكن أن تدار بمعايير عالمية، لا بمنطق الفوضى والتبرير.
الإعلام، بدوره، لم يكن بريئا. جزء منه اختار لعب دور المحرض لا المحلل، واستبدل المهنية بالتلميح، والتحليل بالتشكيك، والرياضة بالسياسة. وعندما يستدعى الخطاب السياسي لتفسير مباراة كرة قدم، فذلك دليل على أن الكرة لم تعد هي المشكلة، بل من يلعبها ومن ينظمها .
كل هذا يفرض على المغرب وقفة حقيقية. ليس لمراجعة طموحه، بل لمراجعة سذاجته في قراءة المحيط. كفى من الإفراط في حسن الظن، وكفى من الاعتقاد بأن النجاح يقابل بالاعتراف.للاسف ، في كثير من الاحيان النجاح يقابل بالاستهداف، والتنظيم الجيد يقابل بالحسد، والتقدم يقابل بالمقاومة. هذه ليست دعوة للقطيعة، بل للواقعية ،
ما حدث أكد أن المنافسة لم تكن رياضية فقط، بل جزء من صراع أوسع على النفوذ، والمكانة، والصورة داخل القارة. من لم يفهم هذا البعد، أخطأ في التحليل. ومن استمر في التعامل بمنطق العاطفة، سيفاجأ دائما بالخذلان.
نعم، خسر المغرب لقبا. لكن الخسارة الحقيقية كانت ستكمن في تجاهل الدرس. أما وقد انكشفت الوجوه، وسقطت الأقنعة، فهذه ليست نهاية، بل بداية وعي أكثر قسوة، وأكثر نضجا. المغرب لا يحتاج إلى تصفيق من احد يل يحتاج إلى العمل و الاستمرار في التقدم ولو كره الكارهون.
وفي النهاية، شكرا للمنتخب المغربي، للاعبين والطاقم التقني، على ما قدموه من قتال وانضباط ومسار مشرف.هذه المجموعة لم تخذلنا، بل كشفت حجم التحدي. شكرا للجمهور المغربي الراقي . ويبقى دعم جلالة الملك محمد السادس الدائم للمنتخب الوطني، وتهنئته له على ما قدمه من روح قتالية وانضباط، مصدر فخر لكل المغاربة.
القادم أفضل بإذن الله ليس لأن الحظ سيتغير، بل لأن الوعي تغير. ومن يفهم محيطه جيدا، لا يهزم مرتين.