لن تدخل مقابلة النهائي سجل المباريات الكبرى بما قدمته كرة القدم فوق العشب، بقدر ما ستظل عالقة في الذاكرة بما جرى حولها وبسببها. مباراة، بدأ فيها التشويش والحرب النفسية والاعلامية، قبل صافرة البداية، واستمرت خلالها وانتهى الأمر بمحاولة بئيسة لإفساد لحظة فرح جماعي، كان المغاربة ينتظرونها بثقة وهدوء.
وحكاية ما وقع لم تنطلق من الملعب، وإنما صيغت خارجه حين اختار مدرب المنتخب السينغالي، أن يسبق المواجهة بخطاب ملتبس مشبع بالإيحاءات و تصريحات حملت تشكيكا في التنظيم والإقامة، ولمحت إلى نوايا خفية لتتويج المنتخب المغربي. وخطاب كهذا لا يقرأ باعتباره ضغطا نفسيا عاديا بل باعتباره تأسيسا لرواية جاهزة تسبق الحدث وتبحث عن مبرراته قبل وقوعه.
هذا المناخ تسلل بسرعة إلى أرضية الملعب، حيث تحولت المباراة من تنافس رياضي، إلى ساحة توتر مفتوح واحتجاجات متكررة واندفاعات عنيفة، وضغط مباشر على الحكم في مشهد غير مألوف في نهائيات كأس افريقيا. اختتمها الفريق السينيغالي بمغادرة الملعب، في مشهد سريالي يذكرنا بمقابلات فرق الأحياء.
والأخطر أن هذا السلوك وجد من يغذيه خارج المستطيل الأخضر، حيث قادت مواقع الكترونية عربية حملة التشكيك المسبق، وروجت لخطاب الإيحاء دون أدلة. والتحقت بها قنوات فرنسية معروفة اختارت الاصطفاف مع سردية الاتهام بدل الالتزام بالتحليل المهني. فتم تضخيم كل حركة وتأويل كل قرار وتوجيه النقاش بعيدا عن جوهر المباراة.
ووسط هذا الضجيج ظل المغرب ثابتا في موقعه، دولة منظمة وبلد مضيف، قدم نموذجا معترفا به قاريا في التنظيم والانضباط. غير أن هذا النجاح نفسه تحول عند البعض إلى مصدر ضيق، فكان الرد محاولة تشويهه عبر خطاب يوحي بأن الفوز لا يتحقق إلا عبر النوايا المبيتة لا عبر الجهد والعمل.
إن كرة القدم تحتمل الخسارة، وتستوعب الأخطاء وتعيش على التنافس، ولكنها تنهار حين تتحول إلى أداة لتصدير الشك وتهييج الجماهير. ذلك أن من يزرع خطاب الريبة قبل المباراة، يطلق العنان للفوضى خلالها ويصعب عليه ضبطها بعدها.
لقد خرج المغاربة من هذه التظاهرة، برأس مرفوع لأنهم رأوا في التنظيم صورة بلد وفي الحلم صورة شعب. أما الذين اختاروا طريق التشكيك والاحتجاج والضغط الإعلامي، فقد كشفوا هشاشة خطاب يعجز عن تقبل فكرة أن الفرح الكروي، يمكن أن يولد من الملعب وحده دون سيناريوهات جاهزة ولا اتهامات مسبقة..