dimanche 18 janvier 2026
كتاب الرأي

منير لكماني: لهب الكلام

منير لكماني: لهب الكلام منير لكماني

تخيل وجها تعرفه يبدل ملامحه فجأة، كأن شيئا داخليا سحب الستار عن جانب خفي. كلمة عابرة تتحول إلى إتهام، ونبرة صغيرة تصير صفارة إنذار. الغضب لا يستأذن. يهبط دفعة واحدة، ويعرض عليك صفقة مغرية: أشعل اللحظة تربح شعورا بالقوة. ثم يتركك وحيدا تدفع الفاتورة: علاقة تتصدع، وسمعة تتآكل، وندم يتسلل مثل غبار لا يرى.

بذرة التأويل

نادرا ما يكون الحدث وحده هو المشكلة. المشكلة غالبا هي القصة التي نكتبها بسرعة عن الحدث. نظرة نقرأها إحتقارا لأننا جئنا مثقلين بتجارب سابقة، وتعليق نسمعه إهانة لأن كبرياءنا كان على الحافة. الغضب إبن تفسير متعجل، لا إبن حقيقة مكتملة. وحين ندرك هذه النقطة يتغير كل شيء: بدل أن نسأل من أساء، نسأل ماذا فهمت أنا، وهل كان الفهم هو الإحتمال الوحيد؟

مدرج الإشتعال

للغضب مراحل دقيقة، كأنه يتدرب على إحتلال المكان. يبدأ بوخز داخلي، ثم يتكاثر، ثم يصير موجة تزيح العقل عن مقعد القيادة. في البداية تستطيع أن تقول لنفسك: تمهل. بعد دقائق يصبح التمهل أصعب، وبعد لحظات يصير الكلام كالسهم: ينطلق ثم لا يعود. لذلك لا معنى للبطولة عند الذروة. البطولة الحقيقية تحدث قبلها، عند اللحظة التي كان يمكن فيها إطفاء الشرارة بكلمة واحدة: إنتظر.

إشارات الجسد

قبل أن يعلو الصوت يفضح الجسد السر. نفس يضيق، كتف يتصلب، يد ترتجف، عين تبحث عن خصم. من يتعلم قراءة هذه العلامات يملك مفتاحا نادرا: ثواني إضافية قبل السقوط. والثواني في عالم الغضب ليست زمنا عاديا، بل مساحة إنقاذ. قد تمنحك فرصة أن تغير جلستك، أو أن تشرب ماء، أو أن تترك المكان لحظة، فتعود إليك سيادتك.

غيظ أم غضب

ثمة فرق بين ضيق يمر مثل غيمة، وغضب يستوطن ويطلب معركة. الغيظ ردة فعل قصيرة، يمكن ان يذوب إذا توضحت الصورة. أما الغضب العميق فيحب التعميم: لا يخاصم الفعل بل يخاصم الشخص، لا يناقش الموقف بل يحاكم النية. عندها تتعطل اللغة، لأن كل جملة تصبح وقودا. والنتيجة أن الخلاف لا يبقى خلافا، بل يتحول الى قطيعة تتغذى من الكبرياء.

إقتصاد الاستفزاز

يزدهر الغضب حين يجد من يصفق له. في الطريق، في العمل، في المجالس، وفي الشاشات التي تكافئ الأكثر ضجيجا، يجري تعليم غير معلن: الهدوء تردد، والصوت العالي حسم. ومع التكرار يصير الغضب عادة إجتماعية: نرد قبل أن نفهم، ونقاطع قبل أن نسمع، ونطلب إنتصارا بدل أن نطلب حلولا. كأننا نعيش داخل آلة تدفعنا إلى الحدة، ثم تسخر منا حين ننكسر.

فن التأجيل

العلاج الأكثر فاعلية يبدو بسيطا ومرا: التأجيل. لا لأنك عاجز، بل لأنك مسؤول. أن تؤخر الرد دقائق، أن تضع مسافة بينك وبين المثير، أن تعطي عقلك وقتا ليجمع الأدلة بدل أن يصنع حكما. التأجيل ليس ضعفا، بل ذكاء. كثير من الخسائر بدأت بجملة خرجت مبكرا، وكثير من النجاة جاءت من جملة لم تقل. حين تؤجل الفعل يعود الميزان الى يديك، وتصبح الكلمات أدوات لا شظايا.

تربية الحلم

ضبط الغضب ليس زر تشغيل وإيقاف، بل تدريب طويل. يبدأ حين نتعلم أن الصرامة يمكن أن تكون بلا إهانة، وأن العتاب يمكن أن يكون بلا قسوة، وأن الاعتذار ليس إنكسارا بل شجاعة. من يتربى على إنصاف الناس عند الخلاف، يقل إحتياجه إلى العنف اللفظي. ومن يتعود أن يرى خطأه جزءا من الصورة، يقل ميله إلى تحويل كل موقف إلى ساحة إنتقام.

مسافة تضيء

الغضب طاقة عمياء إذا تركت بلا زمام. قد تتحول الى قوة تصون حقا حين يقودها فهم رصين وإتزان، وقد تنقلب الى معول يهدم ما بناه العمر إذا مشت وحدها. لسنا في حاجة إلى قلب بارد، بل إلى قلب يملك شجاعة التراجع خطوة قبل أن يتكلم، خطوة تمنح النظر إتساعه، وتعيد للكلمة وزنها. لأن أبهى إنتصار ليس أن تكسر خصمك، بل أن تنجو من نفسك حين تغريك القسوة، وأن تحفظ لنفسك وجها تحترمه بعد أن ينطفئ الضجيج. كم علاقة ضاعت لأننا جعلنا الظن حكما، وكم جرحا إتسع لأن الرد جاء قبل الفهم؟ ثم ماذا يبقى من المرء إذا صار غضبه لسانه، وصارت حماسته للإنفعال سيرة تحكى عنه؟