تنشر جريدة "أنفاس بريس" حلقات من ذكريات ومذكرات الكاتب الصحافي محمد شروق، انطلاقا من قضائه للخدمة المدنية بوزارة الداخلية والإعلام (قطاع الإعلام) في 01 دجنبر 1986؛ إلى إحالته على المعاش في 25 مارس 2024، بعمالة الدار البيضاء أنفا كمسشار للعامل في الصحافة والاتصال.
الحلقة 12: الاشتغال بالقرب من العامل طيلة سنة ونصف مقابل منحة 300 درهم!!
طيلة سنة ونصف تقريبا في الاشتغال بالقرب العامل حسن الرحموني، توصلت بمنحة وحيدة فقط لاغير، قدرها 300 درهم (نعم 6000 ريال). نادى علي للدخول إلى مكتبه ومد إلي ظرفا مغلفا وقال لي: "شي بركة على قد الحال". وأنا أغادر المكتب، تلمست الظرف فشعرت أنه فارغ.
بعد الجلوس بمكتبي، فتحت الظرف لأجد ذلك المبلغ الهزيل، واعتبرت الأمر في إطار تصريف سلوك مرضي من مسؤول يمثل الدولة للأسف.
تجاوزت تلك الحركة البئيسة بسرعة لأنني فسرتها في إطار الصراع غير المباشر، خاصة عندما علمت أن الشواش والمخازنية توصلوا بنفس "المنحة".
بعد أيام، وفي يوم إثنين Lundi، ستخرج الكاتبة بريد من مكتب العامل. خلال تصفح الملفات والأوراق، وجدت أربعة تذاكر لمباراة كان قد استضاف فيها، قبل يوم واحد، المنتخب المغربي لكرة القدم نظيره المالي سنة 1993 بمركب محمد الخامس برسم إقصائيات كأس العالم. كان التقليد وربما مازال إلى يومنا هذا، إهداء تذاكر مباريات الفريق الوطني للعمال ومسؤولي عدد من المؤسسات العمومية والخاصة.
مزقت تلك التذاكر ورميتها في سلة المهملات وأنا أقول في نفسي: على الأقل كان عليه أن يقدمها لنا كعاملين معه لنستفيد منها لأنها تذتكر بالمنصة الشرفية.
ستمر أيام معدودة ويستضيف المنتخب المغربي نظيره السنغالي بنفس الملعب وبرسم نفس الإقصائيات. بالصدفة الجميلة سألتقي بفندق أفانتي، بمحمد الناصيري الذي كان يشغل رئيس لجنة الإعلام بالجامعة الملكية المغربية لكرة القدم. سألني: لدي تذاكر مباراة المغرب والسنغال..هل أعطيك إياها لتوصلها إلى العامل؟
طبعا مرحبا.
أخذت أربعة تذاكر ومازلت أتذكر ما قلته في نفسي في تلك اللحظة:" والله لا شافهم". وفعلا احتفظت بالتذاكر وذهبت إلى الملعب وتفرجت في المباراة من المنصة الشرفية رفقة صديقي إبن سيدي البرنوصي مصطفى الحيسوني؛ آنذاك مندوب الصيد البحري بمدينة المحمدية.
كانت مغامرة غير محسوبة ولكن لم أكن في تلك الفترة أفكر في أي عواقب وصار عندي مثل الربح والخسارة مع ذلك العامل. خاصة أنه تم إخباري من طرف رئيس قسم المالية بالتوقف عن الذهاب إلى المطعم على حساب العمالة، قبل أن ينتزع مني امتياز التنقل إلى سيدي البرنوصي بالسائق.
كنت أعبر بصوت عال وأعرف أن كلامي يصل بسرعة البرق إلى العامل بفضل مخبري الأروقة: أنا ابن حي شعبي و يمكن أن أتغدى ب 10 دراهم وأتنقل عبر الحافلة، علما أنه تم فتح خط حافلة 800 بين سيدي البرنوصي والمحمدية.
ستمر أيام وأيام قليلة، لتقول لي الكاتبة نجية إن العامل يطلب منك: أن تغادر الكتابة وعليك أن تلتحق برئيس القسم الاقتصادي والاجتماعي بمكتبه وتبقى هناك..قبل ذلك عليك أن تضع مفاتيح هذا المكتب.
طبعا وكالعادة، لم يكلف العامل نفسه بإعطائي الأمر مباشرة. نفذت الأمر بسرعة وقضيت مع رئيس القسم محمد العزاوي حوالي شهرين وأنا أقتسم معه مكتبه بدون مهمة. طيلة هذه المدة، لم أتصل بالعامل لأسأله عن أي شيء، في حين كان هو يسأل عن حضوري.
الغريب أن رئيس القسم أصبح متوترا لأنه تضايق بوجودي، وبدأ يشك في أنني سأعوضه في منصبه. حتى بعض الموظفين كان عندهم نفس الشك وبدأوا في التقرب مني، لأن القسم الاقتصادي والاجتماعي هو مصدر جميع الرخص والمأذونيات ومراقبة الأسعار..ولم يكن هؤلاء يعلمون أن العامل قد قرر إبعادي من محيطه.
شخصيا كنت أشعر بالراحة لأنني صرت مثل باقي الموظفين، والجميل أنني بدأت في مغادرة المكتب على الساعة السادسة والنصف، وليس الثامنة أو التاسعة عندما كنت في الديوان أو الكتابة بدون منحة ولا ساعات إضافية..ز كما أنني لا أعود الى العمل بعد.ظهر يوم الجمعة.. هكذا كنت أرى الأمر بإيجابية..هو يظن أنه عاقبني وأنا بالعكس ارتحت..
ستتوصل العمالة بمراسلة من وزارة الداخلية مضمونها هيكلة القسم الاقتصادي والاجتماعي عبر مصالح مختلفة منها مصلحة السياحة التي تم تكليفي بها..
تم تقديم رؤساء المصالح في اجتماع موسع بالقاعة الكبرى للعمالة.
غادرت مكتب رئيس القسم الاقتصادي والاجتماعي لألتحق بمكتب آخر، اقتسمته مع مصلحة مراقبة الأسعار الذي كانت تضم بعض الأصدقاء أمثال عبد القادر لهريش ومحمد سعيد وغيرهم..
الغريب أن رئيس القسم قاطعني بدون سبب سوى أنه تأكد من أنني موظف مبعد من طرف العامل وليس منافسا له على منصبه.
سأتوصل برسالة كرئيس لمصلحة السياحة للقيام بجولة لمراقبة المؤسسات السياحية من فنادق ومطاعم ومقاهي وغيرها..
تم عقد أول اجتماع للجنة المراقبة وكانت تضم ممثلين عن مصالح الوقاية المدنية، حفظ الصحة بالجماعة، الحسبة والمصلحة البيطرية.
طبعا أنا ممثل العمالة هو رئيس اللجنة.
عزمت على أن تكون تجربة هذه اللجنة تاريخية وهو ماكان.
في أول اجتماع، قلت لأعضائها: نعرف جميعا ما يقال عن لجان المراقبة..
هذه اللجنة ستكون نموذجا وستقوم بعملها
بكل نزاهة وشفافية.
وكانت فعلا تجربة غير مسبوقة مازال أعضاؤها إلى يومنا هذا يذكرونها بكل فخر واعتزاز.
مررنا على أشهر المطاعم بمدينة المحمدية. لم يكن مسيروها قد تعودوا على أسلوب مراقبة اللجنة. التوفر على رخصة الممارسة، الدخول إلى المطابخ وفتح الثلاجات، مراقبة المأكولات المعروضة، توفر العاملين على راديوهات الصدر.
كان كل غير صالح للأكل يرمى مباشرة في حاوية الأزبال مع تسجيل كل التفاصيل في محضر موقع عليه..
طبعا كانت محاولات محتشمة لتقديم رشاوى، لكن الرد مني كرئيس للجنة كان صارما وواضحا وقويا.
من الطرائف أننا سنصل لمراقبة فندق مريديان الذي كان يستضيف المنتخب استعدادا لكأس العالم 1994. كان المغرب قد تعرف على المجموعة التي أوقعته فيها القرعة وهي مجموعة هولندا، بلجيكا والسعودية.
المضحك أننا اكتشفنا بنفس الفندق علبا كثيرة من الحليب وقد تجاوزت تاريخ الصلاحية.. قلت لأعضاء اللجنة؛ وأحد عمال الفندق يرمي بالعلب: تخيلوا: لاعبونا يستهلكون هذا الحليب غير الصالح وسيواجهون لاعبي هولندا وبلجيكا في كأس العالم؛ بلدين معروفين بجودة الحليب ومشتقاته وغير ذلك..كيف سيلعب هؤلاء مع أولئك؟؟
عندما كانت اللجنة تدخل الى أحد المقاهي، كان أغلب مسيريها يقومون بإعداد أكواب من العصير، فكنت أقول لهم: شكرا لن نشرب شيئا ونخرج.
المؤسف هو أنني لاحظت أن أصحاب بعض المؤسسات السياحية خاصة المطاعم التي قامت اللجنة بمراقبتها وحررت ضدها محاضر، كانوا يرددون على مكتب رئيس القسم للتدخل، لكنه لم يكن قادرا على ذلك إضافة إلى أنه قطع معي الكلام..
ستنتهي مهمة المراقبة لأقوم بإعداد ملف مفصل حول المخالفات والخروقات وارسلته لرئيس القسم ليوصله الى العامل قصد اتخاذ الإجراءات والعقوبات الإدارية طبقا للقانون.
كنت أسأل كاتبة العامل، عن توصلها بالملف، فتنفي لي ذلك..
سيمر أسبوع واحد، ويتم تعيين حسن الرحموني عاملا على عمالة الحي الحسني عين الشق، وكانت فرصة لإقبار محمد العزاوي لملف المؤسسات السياحية الذي اشتغلت رفقة أعضاء اللجنة بكل ضمير مهني ونزاهة وشفافية..
يتبع..