mardi 3 février 2026
فن وثقافة

إنعكاسات الزمن.. حين تكتب اللوحة ذاتها، وتتمرّن على سلام مستحيل

إنعكاسات الزمن.. حين تكتب اللوحة ذاتها، وتتمرّن على سلام مستحيل الفنان التشكيلي محمد عشاتي

ليس محمد عشاتي فنانا بالمعنى المألوف للكلمة، بل حالة عبور دائمة بين المقيم والزائل، ناسكا تشكيليا يعقد مصالحة سرّية بين المرئي وما يتخفّى خلفه. لوحاته لا تعلَّق على الجدران بقدر ما تنصَب كبوابات، وكل من يحدّق فيها طويلا يشعر بأن الأرض تنسحب من تحت قدميه، ليجد نفسه في تخوم حلم لم يكتمل بعد؛ حلم يوشك أن يتحوّل إلى معرفة، ثم يتراجع فجأة إلى صمت كثيف، صمت مشبع بما لا يقال.


في الرباط، المدينة التي تختزن في حجارتها ذاكرة السلاطين والمتصوّفة، حيث تتقاطع طبقات الزمن كما تتقاطع الظلال على الجدران العتيقة، يبدو من المتعذّر مقاربة تجربة محمد عشاتي بأدوات النقد الكلاسيكي. فهذه التجربة لا تطلب تصنيفا، ولا تعترف بالمدارس، ولا تستأنس بالمفاهيم الجاهزة. نحن أمام فنان يمارس الخرق الجمالي لا بوصفه تمرّدا شكليا، بل كفعل أنطولوجي يعيد طرح سؤال الوجود من داخل المادة اللونية نفسها. اللوحة عند عشاتي لا تمثّل العالم، بل تُزعزع يقينه، وتضع الواقع في حالة ارتباك معرفي، كأنها تدفعه إلى الاعتراف بهشاشته الداخلية، وبما يخفيه خلفr يقيناته السريعة.

 

في الخامس عشر من يناير 2026، عند الساعة السادسة والنصف مساء، برواق محمد الفاسي بالرباط، لم يكن الحدث مجرّد إفتتاح معرض تشكيلي أو حفل توقيع كتاب، بل لحظة عبور كثيفة إلتقت فيها اللوحة بالنص، واللون بالكلمة، والزمن بظله. هناك قدّم محمد عشاتي كتابه الأول الموسوم بـ « إنعكاسات الزمن: رحلة داخلية لفنان في بحثه عن الحقيقة »، متزامنا مع معرضه التشكيلي الذي يحمل العنوان نفسه. لم يكن الأمر احتفالا تقليديا، بل لحظة فكرية وجمالية، حيث أصبحت الجدران صفحات، والصفحات أسطحا لونية أخرى.

 

هذا الكتاب لا يقدّم سيرة ذاتية ولا بيانا فنيا بالمعنى المتداول، بل يفتح مخطوطا فلسفيا بصريا، نصا هجينا تتجاور فيه الكتابة والتذكّر، التأمّل والاعتراف، الرسم والتفكير. إنه نصّ يتنفّس من المكان نفسه الذي تتنفّس منه اللوحات، ويؤكّد أن الفن ليس إنتاج صورة، بل تفجير معنى. الكتاب لا يشرح اللوحات ولا يفسّرها، بل يضاعف غموضها، ويترك القارئ في منطقة وسطى بين الفهم والحدس، بين الرؤية والعمى. الكتابة هنا تعرف مسبقا أنها ستفشل في الإمساك بما هو مراوغ، لكنها تصرّ على المحاولة، كما تصرّ الريشة على الارتجاف فوق سطح القماش.


إن إختيار الزمن موضوعا ليس بريئا ولا زخرفيا. فالزمن، كما يقول نيتشه، ليس خطا مستقيما، بل دوّامة أبدية، عودة لا نهائية للصور والألم والفرح. وهذا ما تلتقطه أعمال  محمد عشاتي: لا لحظة مكتملة، لا بداية ولا نهاية، بل طبقات زمنية تتراكب، كما لو أن الماضي لم يمض، وأن الحاضر مجرّدr صدى، وأن المستقبل أثر شفاف لم يولد بعد.

 

في لوحاته، لا نرى الزمن، بل نرى ما يتركه الزمن في الأشياء. وجوه تتآكل ببطء، فضاءات تتشقّق كما تتشقّق الذاكرة، وانعكاسات بصرية تحيل على ما يسمّيه غاستون باشلار «زمن الحلم»؛ ذلك الزمن الداخلي، المرن، الذي لا يقاس بالساعات، بل بالرجفة والحنين. هنا، تصبح اللوحة بيتا باشلاريا، مأوى للذاكرة، حيث كل لون غرفة، وكل ظلّ درج يقود إلى طبقة أعمق من الذات.

 

أمّا الانعكاس، فهو ليس تقنية بصرية فحسب، بل موقف فلسفي. الانعكاس عند عشاتي هو سؤال: من ينظر إلى من؟ هل الزمن هو الذي ينعكس في اللوحة، أم نحن الذين نرى أنفسنا وقد صرنا أثرا؟ في هذا المستوى، يقترب الفنان من أفق صوفي خالص، يذكّرنا بابن عربي حين قال: «الوجود كلّه خيال، والحقّ فيه متجلّ». لوحات عشاتي هي تجلّيات، مرايا لا تعكس الشكل بل الحقيقة المتحوّلة.


في هذا السياق، يلتقي صوت الفنان بصوت الناقد. دانيال كوتورييه، الناقد الفرنسي المعروف ورفيق التجربة، لا يقدّم في تقديمه للكتاب شهادة خارجية، بل إعترافا نقديا بمسار فني إختار العزلة الصامتة بدل الضجيج، والصدق بدل الإغواء. يرى كوتورييه أن عشاتي، وقد تحرّر من قيود التشخيص الأكاديمي دون أن يتنكّر للتقاليد، بنى لنفسه فضاء فنيا خاصا، حافظ فيه على براءة الرؤية وسط عالم يبتذل الصورة. الكتاب، في نظره، لم يكن مشروعا أدبيا مخطّطا له، بل إنفجارا داخليا، لحظة لم يعد فيها اللون كافيا، فاستدعى الفنان الكلمة لتقول ما عجزت عنه الريشة.

من منظور نقدي، يمكن قراءة تجربة عشاتي بوصفها إنخراطا في ما يمكن تسميته بـ « الواقعية العجائبية »، حيث لا يعود الخارق نقيضا للواقع، بل إمتداده السرّي. شخوصه المشوّشة، المعلّقة بين الاكتمال والتلاشي، ليست كائنات متخيّلة بقدر ما هي آثار وجودية، أشباح وعي معاصر عالق بين التاريخ والعدم. هذه الأشكال لا تتحرّك ولا تستقرّ، بل تبقى في حالة تعليق دائم، كأن الزمن نسيها في منتصف فعل ما. ومن هذا التعليق يولد شعور مركّب يجمع بين الدهشة، والإعجاب، وخوف معرفي خفيف من أن تكون هذه الكائنات مرايا ناقصة لذواتنا.

 

أمّا الريشة عند عشاتي فهي مجنونة بوصفها أداة معرفة. اللون ليس عنصرا تشكيليا تابعا، بل فاعلا معرفيا. الأزرق لا يرمز، بل يجمّد الزمن. الأحمر لا يحكي عن العنف، بل عن ذاكرة لم تلتئم. الأبيض لا يفرغ المساحة، بل يؤجّل المعنى. كل لون يعمل كطبقة من الوعي، كترسّب زمني، كأثر جسدي-روحي. ما يمكن تسميته بـ «جنون الريشة» ليس انفلاتا تعبيريا، بل حالة وعي قصوى؛ حيث تتحرّك اليد أسرع من اللغة، وأصدق من المفهوم. إن الريشة عند عشاتي تعرف ما لا يستطيع العقل قوله، ولذلك ترتجف، وتخطئ، وتعيد المحاولة. وهذا الخطأ نفسه هو ما يمنح اللوحة قوّتها العجائبية.


هذا المسار الفني لم يتشكّل في فراغ. فقد راكم محمد عشاتي تجربة دولية واعترافا مؤسساتيا مهما، تجسّد في جوائز مرموقة مثل جائزة ليوناردو دافنشي، وجائزة بابلو بيكاسو، وجائزة دييغو فيلاسكيز، إلى جانب ميداليات فرنسية متعدّدة في الفنون والآداب والعلوم. ورغم ما راكمه من اعتراف دولي، فإن جوهر تجربته لا يقيم في الأوسمة، بل في ذلك التوتّر الخفي بين الذاكرة والضوء، بين البحر الأول في آسفي، وظلال الدار البيضاء، والأسئلة التي لم تتوقّف عن ملاحقته.

 

حضور الناقد والكاتب الفرنسي دانيال كوتورييه في ندوة الرباط منح الحدث بعدا نقديا إضافيا، لا بوصفه شهادة خارجية، بل قراءة مرافقة للعمل منذ سنوات. لم يقدّم كوتورييه تفسيرًا مغلقا لأعمال عشاتي، بل سلّط الضوء على ما أسماه «التذكّر، والفكر، والحاجة العميقة إلى اللون». قراءته لم تكن شرحا، بل مرافقة، تشبه السير بمحاذاة اللوحات لا الوقوف أمامها.

 

السلام في لوحات محمد عشاتي ليس حالة طمأنينة سهلة، ولا سكونا أخلاقيا أو وجدانيا. إنه سلام ما بعد العاصفة، السلام الذي لا يمنح إلا لمن عبر الخراب وعاد محمّلا بالأسئلة. لوحاته لا تعد بالسكينة، لكنها تمارسها كخارق. سلامه ليس ضد القلق، بل ناتج عنه. كأن اللوحة، بعد أن تمرّ بكل إحتمالات الانفجار، تقرّر فجأة أن تتنفّس. هنا يصبح السلام حدثا تشكيليا نادرا، تحقّقا أنطولوجيا داخل المادة نفسها، سلام المصالحة مع عدم اليقين لا مع العالم.


الندوة التي إحتضنتها الرباط في الخامس عشر  لم تكن مجرّد لقاء أكاديمي، بل تحوّلت إلى مختبر تأويلي حقيقي، إختبرت فيه حدود النقد ذاته. كيف يمكن للغة أن تمسك بفنّ يتغذّى من الصمت؟ وكيف يمكن للمفهوم أن يلاحق صورة تتعمّد الإفلات؟ في تلك اللحظة أصبح النقد أقرب إلى شعوذة نبيلة، محاولة لفكّ طلاسم لا تفكّ إلا جزئيا، حيث لا يكون المطلوب تفسير اللوحات بل الإصغاء إليها، وقبول أن بعض الأسئلة يجب أن تبقى مفتوحة كي يظلّ الفن حيا.

 

هكذا يكتب محمد عشاتي نفسه داخل تاريخ الفن المغربي والعالمي، لا كإمتداد ولا كقطيعة، بل كشقّ سرّي في جسده، يسمح بتسرّب المجهول، ويذكّرنا بأن اللوحة التي تفهم تماما تموت، بينما اللوحة التي تظلّ مفتوحة، جارحة، عصيّة، هي وحدها التي تستحق الحياة.

 

تقدّم تجربة محمد عشاتي نموذجا نادرا لفن لا يَعد بالخلاص، ولا يبيع الطمأنينة، بل يقترح سلاما هشّا، عجائبيا، مشروطا بالشك. سلام يولد حين نتخلّى عن رغبتنا في الفهم الكامل، ونقبل أن نرى دون أن نمتلك. إن فنّ عشاتي في جوهره ليس سوى محاولة إنسانية شديدة الخطورة، محاولة لمخاطبة المجهول، لا لكي يكشف كل أسراره، بل لكي يعترف بوجوده.