يُعَدّ تنظيم مهنة المحاماة من المجالات التشريعية ذات الحساسية الدستورية البالغة، لارتباطها العضوي بضمانات المحاكمة العادلة، وبمبدأ استقلال المحاماة بوصفه أحد أعمدة دولة القانون، واعتباراً لكون دعم وتعزيز استقلال المحاماة يجد مبرراته القوية في طبيعة الوظائف والأدوار المنوطة بالمحامين، والتي تتطلب تمتيعهم بكل الوسائل، وبمنسوب عالٍ من الحرية، لتمكينهم من تأمين وظائف الدفاع والاستشارة بفعالية، والمساهمة في إقرار محاكمة عادلة ومنصفة، وهو ما يضفي المشروعية على اعتبار المحامين فاعلين مركزيين في بناء مجتمع ديمقراطي تحفظ فيه حقوق الجميع، وتسود فيه دولة الحق والقانون.
يقصد باستقلال المحاماة: "قدرة المحامين على أداء جميع وظائفهم المهنية بدون تخويف أو إعاقة أو مضايقة أو تدخل غير لائق، أو تهديد بتعريضهم للملاحقة القانونية أو العقوبات الإدارية والاقتصادية وغيرها بسبب قيامهم بمهام مهنتهم وفقاً لما يوافق القانون والعرف الوطني والمعايير الدولية، وكذا قدرتهم على تشكيل والانضمام لرابطات مهنية تتمتع بالاستقلالية المالية والإدارية، وتُعَدّ لها مهمة تولي تدبير شؤون المهنة في استقلال تام عن أية جهة كانت".
إن استقلالية المحاماة بهذا المفهوم لا يجب أن يُنْظَر إليها باعتبارها امتيازاً للمحامين وجعلهم فوق كل مساءلة، وخارج قواعد الضبط القانوني، وإنما باعتبارها امتيازاً لمهنة المحاماة التي تنبني على حق الدفاع المقدس كونياً، وبالتالي امتيازاً لحقوق المتقاضين التي قد تتأثر سلباً من جراء المساس باستقلالية المحاماة من طرف السلطة التنفيذية.
وفي نفس السياق أرست المحكمة العليا الكندية مبدأً بالغ الأهمية مضمونه أن استقلال المحاماة ليس امتيازاً مهنياً، بل حقاً دستورياً غير مباشر للمتقاضي، وأن أي قانون يُقَوِّض استقلال المحامي، أو يُخْضِعُهُ لرقابة تنفيذية أو زجرية مفرطة، يُعْتَبَر غير دستوري.
كما اعتمد المجلس الدستوري الفرنسي منطقاً ثابتاً مفاده أنه لا يجوز للمُشَرِّع، ولو باسم المصلحة العامة، أن يَمَسَّ الضمانات الجوهرية لحقوق الدفاع، وقد اعتبر أن أي تدخل تشريعي يَفْرِغ الاستقلال المهني من مضمونه أو يفرض رقابة تنفيذية غير مبررة، يَعُدُّ مساساً غير متناسب بحق دستوري.
والواقع أن استقلالية المحاماة لم تعد مسألة داخلية فحسب، بل أصبحت بصورة متزايدة معياراً دولياً، فعلى سبيل المثال أكد إعلان أثينا الصادر عن اللجنة الدولية للحقوقيين حول سيادة القانون سنة 1955، على استقلال مهنة المحاماة وتحررها من التدخل الخارجي لضمان احترام سيادة القانون. وأكد الإعلان العالمي لمؤتمر مونتريال حول استقلال العدالة عام 1982 على استقلال السلطة القضائية والمحامين.
كما أقرَّ مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاقبة المجرمين المنعقد في كوبا سنة 1990 عدة مبادئ أساسية بشأن دور المحامين تضمنت التأكيد على استقلال المحاماة واستقلال الرابطات المهنية للمحامين، كما حددت واجبات ومسؤوليات المحامين، والضمانات اللازمة لأدائهم لمهامهم بدون تخويف أو إعاقة أو مضايقة أو تدخل غير لائق.
ومن جهته أولَى الاتحاد الدولي للمحامين أهمية قصوى لاستقلال المحاماة، حيث يضم في هياكله لجنة الدفاع عن الدفاع والتي من ضمن اهتماماتها الدفاع عن استقلال المحامين، كما لعب الاتحاد الدولي دوراً محورياً في المصادقة على اتفاقية محاميي العالم الموقعة بباريس بتاريخ 06/12/2008 والتي نصت في مادتها الأولى على أن الاستقلالية وحرية ضمان الدفاع والاستشارة للموكل تَعُدُّ من أولى المبادئ التي تنبني عليها المحاماة.
كما صادق الاتحاد الدولي للمحامين خلال المؤتمر 62 المنعقد بمدينة بورتو البرتغالية بتاريخ 30 أكتوبر 2018، على وثيقة المبادئ الأساسية لمهنة المحاماة، والتي نصت في مادتها الأولى على أنه: "لضمان القيام بمهام الدفاع والاستشارة، وجب أن يكون المحامي مستقلاً استقلالاً مهنياً وفكرياً سواء تجاه القضاة، أو السلطات العمومية، أو القوى الاقتصادية، أو تجاه زملائه، أو حتى موكليه".
لكن ماذا عن استقلالية مهنة المحاماة في السياق المغربي على ضوء مشروع القانون رقم 66.23؟
ارتبط مطلب استقلال المحاماة بمسار عمل جمعية هيئات المحامين بالمغرب منذ ستينيات القرن الماضي، إلى جانب باقي قوى الحركة الديمقراطية والحقوقية، ضد النظام المركزي من أجل بناء دولة القانون على قواعد فصل السلطات التنفيذية، والتشريعية، والقضائية.
وعلى امتداد العقود السابقة ظل هذا المطلب بعيداً عن التحقق وتراكمت مظاهر المس باستقلالية المحاماة إلى أن صدر القانون رقم 08.28 المنظم لمهنة المحاماة، والذي تضمن بعض المقتضيات الإيجابية في مجال استقلالية المهنة مقارنة مع القوانين السابقة، وإن كان بدوره لا يخلو من العديد من المقتضيات التي لا زالت تشوش على استقلالية مهنة المحاماة بالمغرب.
وبعد انقضاء أزيد من 18 سنة على صدور القانون الحالي، لازالت مهنة المحاماة بالمغرب تعيش فترة التراجعات التي فرضت عليها لأسباب متعددة ومختلفة المصادر والأهداف، بعضها ناتج عن طبيعة تمثل السلطات العمومية لمهنة المحاماة وظائفها، وبعضها نتاج قصور التشريع الذي جعل المهنة عاجزة عن استيعاب التحولات العميقة التي تعرفها، سواء على مستوى التطور النوعي والكمي، فضلاً عن تداعيات الأزمة الاقتصادية العامة، المؤثرة لا محالة على الممارسة المهنية للمحامين، مما جعل مهنة المحاماة تواجه أكبر أزمات في تاريخها: بنيوية، وهيكلية، ومؤسساتية، ووظيفية.
في ظل هذه الأزمات المتتالية، أضحت الحاجة ملحة لإقرار تشريع مهني حديث ومتطور، يراعي بعض مستجدات دستور 2011 في مجال الحقوق والحريات، ويستلهم المبادئ الكونية المؤطرة للمهنة، وقواعد ممارستها في الأنظمة القانونية المقارنة.
لكن، وبعد طول انتظار، تم تسريب مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، والذي يندرج، نظرياً على الأقل، ضمن دينامية إصلاح منظومة العدالة، غير أن تحليل مقتضياته يثير إشكاليات دستورية عميقة، تبرِّر إخضاعه لاختبار نظرية الانحراف التشريعي باعتبارها آلية فقهية كاشفة لسوء استعمال السلطة التشريعية.
تتمثل الغاية من دسترة حق الدفاع في ضمان حق التقاضي لكل شخص للدفاع عن حقوقه (الفصل 118 من الدستور)، وضمان حقوق الدفاع أمام جميع المحاكم كشرط للمحاكمة العادلة (الفصل 120)، وتأمين التقاضي المجاني في الحالات المنصوص عليها قانونا لمن لا يتوفر على موارد كافية للتقاضي (الفصل 121).
وبناءً عليه، فإن أي تدخل تشريعي في هذا المجال يجب أن يظل محافظاً على المكتسبات المرتبطة بحقوق الدفاع، وفي احترام تام وكامل لاستقلالية المهنة، وحصانة المحامي، وضمان متطلبات الاستقلال المهني بما يؤمن للمواطنين حقهم الدستوري في المحاكمة العادلة.
لكن الملاحظ من خلال بعض مقتضيات المشروع اتجاهٌ نحو توسيع تدخل السلطة التنفيذية في الشأن المهني، وتقليص مجال التنظيم الذاتي لهيئات المحامين، ولا يمكن تبرير هذا التوجه باعتبار تحقيق المناعة لمهنة المحاماة كما ورد بمذكرة تقديم المشروع، ولا باعتبارات التأهيل والتخليق والنجاعة لأنه يقود عملياً إلى تحويل التنظيم القانوني إلى وصاية مقنَّعة، مما يشكل انحرافاً بيناً عن الغاية الدستورية من التشريع، مادام المشرع قد تعمد الخروج عن روح الدستور ومخالفة مبادئه ومقاصده، حيث استتر خلف اختصاصه التشريعي لتقييد حق الدفاع المكرَّس دستورياً، ويظهر ذلك جلياً من خلال تضمن المشروع مقتضيات تلتف على القيم الكونية للمهنة، وتضيق على حرية المحامي في أداء مهامه، وتمس استقلاله وحصانته، وتضعف المؤسسات المهنية، وتكرس تغوُّل السلطة التنفيذية، مما يسمح بالقول أن المُشَرِّع استعمل القانون لا لتنظيم الحق في الدفاع، بل لتقليصه والالتفاف عليه، وهنا يبرز الانحراف التشريعي في أوضح صوره، باعتباره تحايلاً على الدستور عبر قانون عادي، وهو ما ينتج عنه إهدار القيمة الدستورية للحقوق والحريات، والمس بالالتزامات الدستورية التي تقع على عاتق الدولة بشأن التزامها بما تقتضيه المواثيق الدولية من مبادئ وحقوق، فضلاً عن خرق مبدأ المشروعية جراء عدم الاعتراف بالحقوق والحريات الدستورية وعدم احترامها، بل وإفراغها من مضمونها الفعلي، مما يُعْتَبَر تراجعاً عن فلسفة دستور 2011 القائمة على توسيع ضمانات الحقوق والحريات، مما يُفْقِدُ مشروع القانون مشروعيته الموضوعية، ويدخله في نطاق الانحراف في استعمال السلطة التشريعية.
لأجله، ارتأينا بسط أهم الملاحظات المرتبطة بالمقتضيات الماسَّة باستقلالية المهنة وحصانة الدفاع الواردة في مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، وهذا ما سنتطرق إليه في الجزء الثاني من هذا الموضوع..
(يتبع)
ذ. خالد المروني، محام بهيئة القنيطرة، رئيس نقابة المحامين بالمغرب