vendredi 6 mars 2026
كتاب الرأي

عبد الرحمان الباقوري: هذا تعقيبي على الرئيس الأول لمحكمة النقض بخصوص طوفان الطعون غير المنتجة

cc23315e-43b7-4f18-817c-d853a11b5700.gif.

عبد الرحمان الباقوري: هذا تعقيبي على الرئيس الأول لمحكمة النقض بخصوص طوفان الطعون غير المنتجة عبد الرحمان الباقوري

السيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية 
لقد أعربتم في كلمتكم بمناسبة افتتاح السنة القضائية، الثلاثاء 13 يناير 2026 عن استغاثة محكمة النقض بسبب كثرة الطعون غير المجدية، وقد وجهتم هذه الاستغاثة للمواطنين وكذا للمحامين، فقلتم ما يلي:  
"وإن صوتنا المُنْطَلِق من هذا المنبر، يتجه إلى المواطنين الغيورين على جودة قضائهم، وإلى أعضاء هيئات الدفاع الذين ينشدون الجودة في مقررات المحكمة العليا، وإلى أعضاء السلطتين التشريعية والتنفيذية المسؤولتين عن التشريع، لأقول لهم إن محكمة النقض تستغيث من جديد لإنقاذها من طوفان الطعون غير المنتجة، والتي لا يجدر أن تصل إلى المحكمة العليا.".

السيد الرئيس المنتدب

إن كلمتكم ونداءكم تفاديا الإشارة إلى أمرين هامين ومهمين، هما كالتالي:

الأمر الأول: الطعن بالنقض لا يتقدم به المواطن والمحامي فقط:

إن الطعن بالنقض، كما لا يخفى عليكم السيد الرئيس المنتدب، لا يتقدم به المواطن والمحامي فقط، حتى يتم جعل المحامي وموكله سببا في تلكم الإحصائيات المليئة بالأرقام... وإنما تتقدم به أيضا جهتان إضافيتان، وهما النيابة العامة والوكيل القضائي للمملكة، ولا أدري لماذا أغفلتم السيد الرئيس الأول هذين الجهتين في كلمتكم؟ علما أني قمت بإطلالة خفيفة بالقرارات المنشورة بموقع المنصة الرقمية لمحكمة النقض، إضافة إلى الملفات التي اطلعت عليها ورقيا، فلاحظت أن الكثير والكثير من القرارات الصادرة عن محكمة النقض والتي تكون فيها هذان الجهتان هما الطاعنتان بالنقض، تقضي محكمة النقض بعدم قبول الطعن أو بسقوطه.... وهذه القرارات كان يجب، للأمانة، أن تُضاف للإحصائيات المذكورة بكلمتكم كما كان يجب أن يتم توجيه النداء وكذا الاستغاثة أيضا لهذين الجهتين لدعوتهما أيضا للكف عن الطعون غير المجدية.

الأمر الثاني: إغفال الإشارة إلى القرارات المتناقضة لمحكمة النقض بل وعن نفس الغرف والمؤثرة سلبا على العدالة:

السيد الرئيس الأول، لقد جاء في كلمتكم ما يلي: "إن محكمة النقض لا تعتبر درجة ثالثة للتقاضي، ولكنّها مرصودة لضبط الاجتهاد وتحقيق الأمن القضائي. ولذلك يجب تَجَنُّبُ إغراقِها بالطعون غير المجدية".

إن هذا التعريف الذي سردتم في كلمتكم لمفهوم ودور محكمة النقض لا يستوعب القرارات المتناقضة لمحكمة النقض، وهي كثيرة، والتي تعصف بمفهوم كون محكمة النقض تسهر على توحيد الاجتهاد القضائي وضمان الأمن القضائي، ويمكن ذكر بعض مواضع التناقض كالتالي:  
- قرارات حديثة تقضي بكون المستأنف حاضر باستئنافه وقرارات تقضي بوجوب تبليغه.  
- قرارات حديثة قضت، قبل القانون الحالي للمسطرة الجنائية، بجواز ترافع المحامي عن المتهم المتغيب، وقرارات منعته من ذلك.  
- قرارات قضت بأنه يبتدئ أجل سريان الطعن بالنقض تجاه الشخص الذي بلغ القرار بناء على طلبه ابتداء من يوم التبليغ، وقرارات قضت بعدم السريان.  
- قرارات كثيرة تناقضت في مدى وجوب إدلاء المحامي بوكالة خاصة للطعن بالزور الفرعي.  
- قرارات كثيرة تناقضت حول الطبيعة القانونية لشرط الأهلية ومدى تعلقه بالنظام العام، وهناك قرارات قضت بمكانية إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض وقرارات قالت العكس.  
- قرارات متناقضة عديدة حول وجوب إحالة الملف لأول مرة أمام محكمة الاستئناف على النيابة العامة في القضايا التي توجب ذلك.  
- القرارات المتناقضة لمحكمة النقض حول أجل الطعن بإعادة النظر في قرارات محكمة النقض.  
- القرارات المتناقضة حول إمكانية تقديم أسباب استئناف جديدة بعد انصرام أجل الاستئناف.  

وهذه مجرد أمثلة، بل هي مجرد غيض من فيض، ويمكن الرجوع في القرارات المتناقضة لمؤلف نقيبنا الأستاذ الطيب بنلمقدم في 4 أجزاء.

إن هذا التناقض في قرارات محكمة النقض، إن كان سيحيلنا على أمر ما، فهو أن محكمة النقض يوجد بداخلها عدة محاكم للنقض، وهو اختلاف يؤثر سلبا على الأمن القضائي وعلى منسوب الثقة لدى المتقاضين، خاصة وأن الدستور ينص في الفصل 117 منه على أن القضاء يتولى ضمان الأمن القضائي للمواطنين.  
والأكثر من ذلك، فالمادة 518 من قانون المسطرة الجنائية تنص على أن محكمة النقض تسهر على التطبيق الصحيح للقانون، وتعمل على توحيد الاجتهاد القضائي.... وأي توحيد هذا؟؟؟؟؟  
وإن هذا التناقض في قرارات أعلى هيئة قضائية له تأثير أبلغ من الطعون التي اعتبرتم، السيد الرئيس المنتدب، غير مجدية، لأنها تهدم القضاء نفسه وتزعزع الأمن القضائي لدى المتقاضين.  
ولا أدري لماذا أغفلت كلمتكم، السيد الرئيس الأول، الإشارة إلى هذا الموضوع، بالرغم من أهميته البالغة، وانعكاسه الجوهري على البلاد وما فيها من عباد، وعلى الاستثمار والأعمال....  
وهذا ولتجاوز هذا التناقض، فقد سبق أن قدمت مقترحا لكم السيد الرئيس، لما كنت محاميا متمرّنا، كالتالي:  
أنه يجب على هيئات محكمة النقض (أي أقسام الغرف سابقا) عقد اجتماعات شهرية لتدارس نقاط الخلاف، وبعد ذلك رفع هذه النقط إلى رؤساء الغرف لعقد اجتماع من أجل إصدار توصيات داخلية توحيدا للخلاف ورأبا للصدع القضائي الذي يؤثر على العدالة سلبا.... وأتمنى صادقا أن تصلكم رسالتي، فهي من القلب.


الأستاذ عبد الرحمان الباقوري، محام بهيئة المحامين بالدار البيضاء.