vendredi 6 mars 2026
كتاب الرأي

نعيمة بنعبد العالي: عندما يلتقي الجاحظ ولويس كارول في ابتسامة عبر التاريخ

cc23315e-43b7-4f18-817c-d853a11b5700.gif.

نعيمة بنعبد العالي: عندما يلتقي الجاحظ ولويس كارول في ابتسامة عبر التاريخ نعيمة بنعبد العالي

كتابان، حضارتان، نوعان أدبيان، حقبتان تاريخيتان. اختلاف على اختلاف. كتاب الحيوان للجاحظ وكتاب "أليس في بلاد العجائب" لـ لويس كارول. في كلا العملين، تتحدث الحيوانات، وتجادل، وتناقش، وغالبًا ما تسخر من البشر. ففي قصة كارول، يطرح قط شيشاير، وأرنب مارس، واليرقة أسئلةً عبثيةً تُقلق أليس؛ وفي قصص الجاحظ، يُلقي الكلب، والغراب، والقرد خطاباتٍ بليغةً تُشكك في تفوق الإنسان المزعوم.


 

 

يستخدم كلا النصين التجسيد الكوميدي للحيوانات ليس فقط للوعظ، بل لاستجواب العقلانية نفسها، مُشككًا في العقل في سياقاتٍ يُزاح فيها، أو يُسخر منه، أو يُقلل من شأنه.



 

النصان كلاهما يقولان إن الضحك ليس مجرد تسلية ولا سخرية خالصة، بل أداة معرفية ونقدية.ويطرحان اشكالية: إلى أي مدى يُصبح الضحك العبثي -كما يظهر في حوارات الجاحظ مع الحيوانات ولقاءات أليس الشبيهة بالأحلام -فضاءً لا يُلغى فيه العقل، بل يُشكك فيه، أو يُزاح، أو حتى يُعاد ابتكاره؟


 

تُنشئ هذه الصياغة توترًا بين:

• التراث العربي الإسلامي الكلاسيكي (حيث يُعدّ العقل قيمةً مركزية)،

• والحداثة الأوروبية (حيث يُتحدى المنطق الفيكتوري بالهراء)، مع الحفاظ على الضحك كخيطٍ مُرشد.


 

 تُجسّد أليس مرآةً مُشوِّهةً للتقاليد الفيكتورية، من قواعد اللغة إلى الأدب، ومن المنطق إلى الهوية الثابتة. وبالمثل، تستخدم العديد من النصوص العربية الكلاسيكية الضحك أو السخرية أو الخيال لتحدّي المسلّمات الثقافية. لذا، يُمكن لهذه المقارنة أن تستكشف ليس فقط أشكال الفكاهة، بل أيضًا كيف يُصوّر كل تقليد حدود العقل، ومن له الحق في تجاوزها.

ملاحظة منهجية: نحو مقارنة وظيفية

 لا تسعى هذه الدراسة إلى إقامة روابط تاريخية بين النصوص العربية الكلاسيكية وأعمال الحداثة الأوروبية، ولا إلى فرض عوالم ثقافية تفصل بينها أكثر من ألف عام.بل تتبنى منهجًا مقارنًا وظيفيًا، مستلهمًا من المناهج الأنثروبولوجية في دراسة النصوص (مثل مناهج ماري دوغلاس وكارلو غينزبورغ): فالهدف ليس البحث عن "تأثيرات"، بل مقارنة أدوات خطابية متماثلة تؤدي وظائف مماثلة في سياقات تاريخية مختلفة. من هذا المنظور، لا يُعدّ الضحك مجرد زخرفة أسلوبية، بل هو عامل معرفي واجتماعي: فهو يسمح بتعليق المعايير مؤقتًا، وقلب التسلسلات الهرمية، والتساؤل حول أسس العقل والهوية واللغة. بمقارنة حوارات الحيوانات عند الجاحظ، مع عبثية كارول، لا نفترض وجود نية مشتركة، بل نستكشف كيف يستخدم تراثان أدبيان، في حقبتين مختلفتين وضمن أطر معرفية متباينة، استراتيجيات سردية متشابهة -أصوات الحيوانات، والمنطق المتناقض، والهوية المجزأة -لنزع فتيل سلطة الخطاب السائد.

 ترتكز هذه المنهجية على ثلاثة مبادئ:

 رفض التناظر القسري: النصوص ليست "متكافئة"، بل تتناغم فيما بينها. المهم هو كيف يتناول كل منها توترًا مشتركًا (العقل/الجنون، المعيار/التجاوز، اللغة/الصمت).

 - الأساس التاريخي الدقيق: يُقرأ كل عمل أولًا ضمن أفق توقعاته الخاص - كتاب الحيوانات كمنتج للثقافة الموسوعية العباسية، وأليس كرد ساخر على العقلانية الفيكتورية - قبل وضعه في حوار.

 إعطاء الأولوية لوظيفة الضحك: بدلاً من تصنيف أشكال الكوميديا ​​(السخرية، المحاكاة الساخرة، العبثية)، ندرس ما يفعله الضحك: هل يُزعزع الهوية؟ هل يكشف النفاق؟ هل يخلق مساحة عابرة من الحرية؟ لذا، لا تهدف هذه المقارنة إلى التقريب بين الحضارات بقدر ما تهدف إلى استنباط فهم مشترك للهراء من الفجوة القائمة بينها - تلك القدرة الإنسانية، الثابتة عبر العصور، على الضحك على الفوضى من أجل التعايش معها بشكل أفضل.

الضحك أداة رمزية تظهر عند نقاط التقاء التصنيفات الاجتماعية أو الأخلاقية أو المعرفية الراسخة. لا يقتصر هدفه على الترفيه فحسب، بل يتعداه إلى إدارة الفوضى التي يمثلها أي تجاوز لهذه التصنيفات، بشكل مؤقت وطقسي، وأحيانًا بطريقة تخريبية. ووفقًا لماري دوغلاس، "يشير الضحك إلى إدراك الشذوذ": فهو ينشأ حيث تتلاشى الحدود (بين الإنسان والحيوان، والعقل والجنون، والمقدس والمدنس). ويضيف كريستي ديفيز أن هذا الضحك يتمحور دائمًا حول "هدف" - غالبًا ما يكون فئة مهمشة أو نمطية - تسمح روح الدعابة لديه بنقد المعايير السائدة من منظور بديل دون مهاجمتها بشكل مباشر. من هذا المنظور، لا يُعد الضحك فوضى ولا مجرد راحة عابرة، بل هو شكل مشفر من أشكال الفكر الاجتماعي، قادر على كشف ما يخفيه الخطاب الجاد.


 

 

تحليل مقارن: الغراب عند الجاحظ واليرقة عند كارول — حين يُسائل المهمَشُّ الهويةَ والمعنى

في عالمَين مبتعيدين — بغداد القرن الثالث الهجري وأكسفورد القرن التاسع عشر الميلادي — تظهر شخصيتان غير بشريتين، إحداهما طيرٌ أسود يُتَّهَم بالشؤم، والأخرى حشرةٌ غامضة تدخّن على فطرٍ سحريّ. ومع ذلك، فإن الغراب في كتاب الحيوان للجاحظ، واليرقة في أليس في بلاد العجائب للويس كارول، تشتركان في وظيفةٍ فلسفية عميقة: تشكيكُهما في ثبات الهوية وعَدالة القيم الاجتماعية عبر سؤالٍ بسيط يُربك اليقينيات.

يقول الغراب، مدافعًا عن نفسه أمام اتّهامات البشر:

«أتلومونني على سوادي، وقد خلقني الله كذلك؟ أنتم تلبسون السواد في الحداد فتُثنون عليه، ومتى لبستُه أنا صار عيبًا!» (كتاب الحيوان -هارون، ج4، ص212)

لا يطلب الغراب أن يُحبّ، بل أن يُفهم. وهو لا ينفي سواده، بل يرفض أن يكون هذا السواد موضعَ حُكم أخلاقي أو جمالي مطلق. ما يفعله هنا هو كشف الطابع الاصطلاحي للقيم: فاللون نفسه يتحوّل من فضيلة إلى رذيلة بحسب من يحمله. الضحك — أو بالأحرى السخرية الهادئة — ينشأ من هذا التناقض، لا كاستهزاء، بل كـتشخيصٍ اجتماعي.

من جهتها، تطرح اليرقة على أليس سؤالًا يبدو بسيطًا:

"من تكونين؟" فتجيب أليس مرتبكة:

"بالكاد أعرف يا سيدتي... أعرف من كنت عندما استيقظت هذا الصباح، لكن أعتقد أنني تغيرت عدة مرات منذ ذلك الحين."

هنا أيضًا، لا يُراد بالسؤال تحديد هوية، بل تفكيكُ فكرة الثبات الذاتي. فالهوية ليست جوهرًا ثابتًا، بل سلسلةً من التحوّلات السياقية — تمامًا كما أن "السواد" ليس خصلةً داخلية، بل موقع في شبكة العلاقات الرمزية.

في الحالتين، يصبح المهمَش — الطير المكروه، والحشرة الغريبة — مرآةً لا تُزيّن. إنه لا يعكس الصورة التي يرغب المجتمع في رؤيتها، بل تلك التي يخشى منها: أن قيمه نسبية، وهوياته زائلة، وتصنيفاته تعسّفية. الضحك الذي يولّده هذان الحواران ليس ضحك تنفيس، بل ضحك إبستمولوجي: ضحكٌ يولد حين يدرك المرء أن اليقين كان وهمًا.

وبهذا، يلتقي الجاحظ وكارول في الفعل النقدي. كلاهما يستخدم الكائن غير البشري ليس كرمزٍ أدبي فحسب، بل كـأداةٍ لتعطيل الخطاب السائد. والفرق الجوهري يكمن في الإطار: فالجاحظ يُعمل هذا التعطيل في خدمة أخلاقٍ اجتماعية قائمة على العدل والصدق، بينما يدفع كارول به إلى حدود العبث الوجودي. لكن كليهما يتفقان على نقطةٍ جوهرية: أن الحقيقة غالبًا ما تُقال من أفواهٍ لا نتوقع أن تتكلّم.


 

 تحليل مقارن: الكلب عند الجاحظ وقطّ شِشِير عند كارول — حين يصبح الهامشُ مرآةً للعقل

في عالمَين مختلفَين يظهران كمرشدَين غريبَين: أحدهما كلبٌ أمين يُضرب به المثل في الوفاء رغم احتقاره، والآخر قطٌّ يبتسم بعد أن يختفي جسده. ومع ذلك، فإن الكلب في كتاب الحيوان للجاحظ وقطّ شِشِير في أليس في بلاد العجائب يشتركان في وظيفةٍ نقدية عميقة: كشفُ زيف العقل البشري حين ينفصل عن الأخلاق.

يقول الكلب، مخاطبًا البشر في مجلس الحيوان:

"أنتم تزعمون أن لكم العقل، وأنّنا سُفهاء، فلمَ تكذبون؟ ولِمَ تخونون أصدقاءكم؟ ولِمَ تُظهرون خلاف ما تبطنون؟ أما أنا، فإنّي أحبّ سيّدي وإن ضربني، وأحرس داره وإن جاع بطني… فمن منّا إذن أحقّ بالعقل؟" (كتاب الحيوان، ج2، ص140)

لا يدّعي الكلب أنه عاقل، بل يطرح سؤالًا أخلاقيًّا جوهريًّا: إذا كان العقل لا يمنع من الخيانة والرياء، فهل هو حقًّا عقل؟ الجاحظ، عبر صوت هذا المهمَش، لا يهاجم العقل بذاته، بل يُعيد تعريفه ليشمل الوفاء، الصدق، والاستمرارية — أي الفضائل التي تربط الفعل بالنية.

من جهته، يردّ قطّ شِشِير على حيرة أليس التي فقدت الطريق، بجملةٍ تبدو هزلية لكنها تحمل ثقلًا وجوديًّا: "نحن جميعا مجانين هنا. انا مجنون. أنت مجنونة." ويضيف: "يجب أن تكوني كذلك... وإلا لما أتيت إلى هنا

هنا أيضًا، لا يقدم القطّ حلاًّ، بل يُعلن أن المعيار نفسه قد انهار. في عالمٍ فقد معناه، لا معنى لطلب "الرشد". الضحك الذي يولّده هذا الحوار ليس فرحًا، بل تأمل ساخر في فراغ المنطق الاجتماعي.

الفرق بين الشخصيتين ظاهريّ أكثر مما هو جوهريّ: الكلب متجسّد في ولائه المؤلم، بينما القطّ يذوب حتى لا يبقى منه سوى ابتسامة — رمزٌ محض للسخرية المجردة. ومع ذلك، كلاهما يرفض أن يكون "مرشدًا" تقليديًّا. لا يُريان الطريق، بل يكشفان أن الطريق نفسه وهم.

وبهذا، يلتقي الجاحظ وكارول في تشخيصٍ مشترك: أن العقل، حين ينفصل عن الالتزام الأخلاقي أو عن الاتساق الوجودي، يصبح أشبه بالجنون المقنّع. والهامش — ممثلًا بالكلب أو القطّ — هو الوحيد القادر على قول ذلك بصوتٍ لا يمكن تجاهله، لأنه يأتي من خارج دائرة الخطاب السائد.

 تحليل مقارن: القرد عند الجاحظ وصانع القبعات واللِّير عند كارول — طقسٌ بلا معنى، وضحكٌ كتشخيصٍ اجتماعي

بين بغداد العبّاسية وأوكسفورد الفيكتورية، يظهران كمشهدٍ كاريكاتوريّ لا يُنسى: قردٌ يرتدي خرقةً ويقلّد الصلاة، ورجلان يحتسيان الشاي إلى الأبد دون شاي. القرد في كتاب الحيوان، والقبّاع مع اللِّير (Lièvre de Mars) في أليس في بلاد العجائب، لا يمثّلان الجنون بقدر ما يمثلان فراغ الطقس حين ينفصل عن معناه.

يصف الجاحظ القرد قائلاً:

"يتشبّه بالإنسان في حركاته، لا ليفهمها، بل ليُعجب به من يراه. يلبس الخرقة كأنها ثوب شرف، ويقفز كأنه يصلي، ويضحك بلا سبب… أفليس هذا شبيهاً بمن يقرأ القرآن ولا يفقه معناه؟" (كتاب الحيوان، ج5، ص87)

القرد هنا ليس مضحكًا لأنه غريب، بل لأنه مرآة مكبّرة لسلوك بشريّ شائع: التمسّك بالشكل دون الجوهر. والسخرية ليست موجّهة إليه، بل إلى أولئك الذين يُعجبون به — أي إلى المجتمع الذي يُكرّس المظاهر.

بالمقابل، في "حفل الشاي" الأبديّ، يصرّ القبّاع على أن الوقت متوقف عند الساعة السادسة، ويعرض على أليس "المزيد من الشاي" رغم أنها لم تأخذ شيئًا بعد. يقول اللِّير بجدّيةٍ مبالَغ فيها:

"تناول المزيد من الشاي!" فتستغرب أليس: «لم أشرب أي شيء بعد!»

فيردّ القبّاع: "أنت تقصدين أنك لا تستطيعين أن تأخذي أقل... من السهل جدًا أن تأخذي أكثر من لا شيء."

الحوار يدور في فراغٍ منطقيّ، لكنه يحافظ على قواعد المجاملة الاجتماعية بدقةٍ مسرحية. الطقس باقٍ، والمعنى غائب. والضحك هنا — كما عند الجاحظ — ليس تسلية، بل تشخيص لازدواجية المجتمع: يحتفظ بالأشكال ليُوهم نفسه بأنه ما زال منظمًا، بينما الروح قد رحلت.

في الحالتين، يُستخدم ما هو أخرق (grotesque) ليس للتندر، بل كـأداة نقد اجتماعيّ. والقرد، كالقبّاع، ليس "مجنونًا"، بل ضحية واعية (أو شبه واعية) لنظامٍ فقد روحه. والفرق يكمن في النبرة: الجاحظ يكتب بقلقٍ أخلاقيّ، بينما كارول يكتب بسخريةٍ وجودية. لكن كليهما يتفقان على أن الضحك على الفراغ هو آخر ما يبقَى من الحرية.

 

  الضحك على عتبة العقل عبر القرون واللغات

 

 هل فقدت جدية العالم معناها؟ في كتاب الحيوان للجاحظ، كما في أليس في بلاد العجائب للويس كارول، تصبح الحيوانات - المهمشة، الغريبة، العبثية - هي الوحيدة التي تنطق بالحقيقة. ثلاث شخصيات رمزية تشهد على ذلك، مُشكّلةً ثلاثيةً من الوضوح المُقنّع.

_ يطرح غراب الجاحظ ودودة أليس السؤال نفسه، أحدهما مُتحدٍّ والآخر مُستهزئ: "من أنتَ لتحكم؟" يُدين أحدهما عشوائية التصنيفات الأخلاقية (السواد = الشؤم)، بينما يكشف الآخر عن هشاشة الهوية نفسها. كلاهما يُبيّن أن القيم ليست فطرية، بل مُصطنعة، وبالتالي قابلة للنقاش.

_ يرفض كلب الجاحظ وقط شيشاير القيادة. يُظهر أحدهما، من خلال ولاء مُتألم، أن العقلانية الحقيقية تكمن في الفعل لا في القول؛ بينما يُؤكد الآخر، من خلال اختفائه المُبتسم، أن الجنون هو الحكمة الوحيدة المُمكنة في عالمٍ بلا بوصلة. كلاهما يعكس التسلسل الهرمي: ليس الإنسان هو من يُنير الحيوان، بل الحيوان هو من يُنير الإنسان - ليس كمرآة مُنمقة، بل كمرآة مُحطمة، حيث تعكس كل شظية حقيقة مُقلقة.

_ أخيرًا، يُجسد قرد الجاحظ وصانع القبعات مع الأرنب البري محاكاة ساخرة للشعائر الفارغة. أحدهما يُقلد الصلاة بلا إيمان، والآخر يُخلد شرب الشاي بلا وقت ولا شاي. إيماءاتهم المُتكررة، وضحكاتهم العبثية، وشعائرهم التي لا تنتهي، تكشف عن الأزمة نفسها: أزمة مجتمع يستمر في أداء أدواره بعد أن تلاشى المعنى. عبثيتهم ليست عدمية، بل هي تشخيصية.

 هذه الأزواج الثلاثة، على الرغم من تباعدها بأكثر من ألف عام واختلاف عوالمها الثقافية، تتقارب في الحدس نفسه: الضحك ليس نقيض العقل، بل هو اختبار له. يرى الجاحظ أن هذا الضحك متجذر في الأخلاق الاجتماعية، لنقد المعرفة الزائفة، والدفاع عن الأصوات المكبوتة. أما كارول، فيرى أنه موجه نحو العبث الوجودي، وتلاشي الذات، وأزمة المنطق الحديث. ومع ذلك، يجعل كلاهما من الكوميديا ​​فضاءً للحرية المؤقتة، حيث يمكن تعليق المعايير، وتلاشي الهويات، وقلب اللغات رأسًا على عقب.

 

 لا يسعى هذا الحوار العابر للتاريخ إلى محو الاختلافات، بل إلى إبراز إنسانية مشتركة نابعة من الشك. فالضحك مع غراب، أو قطة طائرة، أو قرد عابس، هو إدراك أن العقل، لكي يبقى حيًا، عليه أن يتقبل أن يُزعج - بل ويُسخر منه - من قِبل من نسيهم.

 ولعلّ في هذا الضحك الذي جمع بغداد وأكسفورد بين القرنين التاسع والتاسع عشر، تكمن أسمى الحكمة: حكمة مفادها أنه أحيانًا، لإعادة اكتشاف المعنى، يجب أولًا أن يجرؤ المرء على فقدانه - بالضحك.

 

 

 يمكن أن نختتم هذه السلسلة من المقارنات بتأمل في دور المتفرج: أليس شاهدة حائرة، مصدومة أحيانًا، ومتواطئة أحيانًا أخرى. يُدعى قارئ كتاب الجاحظ إلى الضحك... ولكن أيضًا إلى أن يسأل نفسه: "هل أنا من يُسخر منه؟" إن هذا التساؤل الذاتي الذي يحفزه الضحك هو ما يجعل هذه النصوص أعمالًا أخلاقية عميقة، وليست مجرد تسلية.

لم يسعَ هذا البحث، في مقارنته بين أصوات الحيوان عند الجاحظ ولقاءات أليس العجائبية، إلى فرض حوارٍ خارج الزمن، بل إلى الإصغاء لما تقوله تجربتان أدبيّتان متباعدتان حين تجرؤان على أن تضحكا من العقل. فالغرابُ، والكلبُ، والقردُ، شأنُهم شأنُ اليرقةِ، وقطّ شِشِير، والقبّاع المجنون، ليسوا شخصياتٍ هزلية فحسب، بل وُسَطاء نقديّين، أو فلاسفة مقنّعين، ينطلقون من الهامش ليكشفوا شروخ المركز.

ضحكُهم ليس سلبيًّا ولا عبثيًّا: فهو يفضح النفاقَ خلف التقوى، والتعسّفَ خلف القاعدة، والفراغَ خلف الطقس. وهو أيضًا مُحرّر: يخلق، ولو للحظة، فضاءً يمكن فيه للهويّات أن تتفكّك، وللألسنة أن تنعكِس، وللتدرّجات الاجتماعية أن تنقلب. وفي هذا الضحك، تلتقي الثقافة العربية الكلاسيكية مع الحداثة الأوروبية لا تقليدًا، بل تقاربًا أنثروبولوجيًّا: كلاهما تعترف بأن الفكر يحتاج أحيانًا إلى اللاّمعقول كي يتنفّس.

وهكذا، فإن دراسة الضحك في هذه النصوص ليست تأمّلًا فيما يُبهج، بل استقصاءً لما يستحقّ التشكيك في جدّيّته. ولعلّ في هذه الجرأة الرقيقة — أن نضحك مع البهائم والمجانين — واحدةً من أقدم أشكال الحرّية الفكرية، وأكثرها ضرورة.