الْكَانْ ليس، فقط وحصرياً، موعد لكرة القدم تتنافس فيه فِرقٌ أفريقية من أجل الظفر بالكأس. الٌكَانْ لقاءٌ ثقافي بامتياز، هدفُه الأساسي هو توحيد الشعوب الإفريقية وإظهار ما تتميَّز به الهوية الإفريقية l'identité africaine من خصوصيات ثقافية، وبالأخص، فنية. إنه موغدٌ تذوب فيه الفوارق الاجتماعية، الاقتصادية والعِرقية وتحلُّ محلَّها الأخلاق الإنسانية التي، هي، من من مُميِّزات الجنس البشري. إنها مرآةٌ تعكس شَغَفَ البلدان الإفريقية بلُعبةٍ رياضية ساهمت وتُساهِم، أكثر من السياسة، في وحدة الشعوب وقي تألُّقها، قارياً ودولياً.
أما بالنسبة للبلدان التي تنظِّم هذه التظاهُرة الرياضية القارية، الْكَانْ تُعدُّ أحسن رافِعة دبلوماسية un levier diplomatique تبيِّن للعالم مدى قدرة البلد الذي يستضيف هذه التَّظاهرة الرياضية على التنظيم والظهور لهذا العالم في أحسن صورةٍ مُمكِنة. فضلا عن الانعكاسات الاقتصادية les retombées économiques التي تُتيحُها هذه الظاهرة الكُروية. وهي، كذلك، فرصة للبلد المُنظِّم لإظهار قدرتِه، ليس فقط، على التنظيم ولكن ليطلع العالمُ بأسره على ما يتوفَّر عليه هذا البلد من بنياتٍ تحتية متمثِّلة في الملاعب والطرقات والفنادق و وسائل المواصلات والاتصال…
أما بالنسبة لإفريقيا، فإن الْكَانْ مناسبة للبلدان الإفريقية لإظهار ما تتوفَّر عليه من مواهب كُروِية des talents footballistiques التي داع صيتُها في العالم بأسرِه، إذ لا يوجد بلدٌ أوروبي أو أمريكي أو أسيوي لا ينشط فيه نجمٌ من نجوم الكرة الإفريقية.
ودائما بالنسبة للبلد المضيف، وأخص بالذكر، هنا، المغرب المُضيف لنسخة 2025، الْكَانْ مناسبةٌ تتجاوز الإطارَ الرياضي. إنها مناسبةٌ تضمن إشعاعَ البلد خارِج حدودِه وتُبيِّن مدى زعامتِه son leadership القارية، من حيث التَّنظيم، علماً أن المغربَ مُقبِلٌ على تنظيم أكبر تظاهُرة كروِية، أي كأس العالم سنةَ 2030، رُفقةَ إسبانيا والبرتغال. إضافةً إلى تنشيط السياحة وجَلب العُملة الصَّعبة وانتعاش قطاع النقل بجميع وسائلِه.
ناهيك عن البِدلات les maillots، سواءً تلك التي يرتدِيها الاعِبون أو ألمُشجِّعون والتي، بواسِطة رسومها أو ألوانٍها، تُشكِّل، في الحقيقة، تعبيراً ثقافياً عن الهُوية l'identité وعن الانتماء للوطن.. أما حضورُ المُشجِّعين في الملاعب، فهو، في حد ذاتٍه، مهرجانٌ ثقافي تتخلَّله رقصات وأغاني جميلة. وهذه الرقصات والأغاني لا تقتصر على التَّجمُّعات داخل الملاعِب. بل نشاهدها، كذلك، في الشوارِع والأزفة.
وفي هذا الصدد، ما كنا لنعرِفَ أشهر الرقصات التي يُتقِنها الإفواريون les ivoiriens والمعروفة برقصَة الزاولي la danse zaouli. وما كنا نتعرف على رقصات البلدان الإفريقية الأخرى التي هي، فعلاً، تعبير ثقافي، اولا وقبل كل شيء. كل رقصةٍ ليست، على الإطلاق، مجرد تسليةٍ. بل كل بلد إفريقي له ما يمِّيِّزه من الفنون.. وعلى رأس هذه الفنون، يأتي الرقص الذي تجري تأدِيتُه في دم الناس الأفارقة، رجالاً ونساءً. وكأن هؤلاء الناس رضعوا الرقصَ من ثدي أمهاتهم.
وما يُثلِج الصدورَ، هو أن هذه الثقافات (الرقصات والأغاني) يختلِط بعضُها بالبعض الآخر، فتُصبِح عبارة عن لوخةٍ فنِّية رائعة تنتفي فيها السياسة والحدود الجُغرافية، وتُصبح فيها أفريقيا هي شعارُ الجميع. إنها، أي الرقصات والأغاني، تعبيرٌ حيٌّ ورمزي عن التاريخ والتقاليد والعادات وعن القِيم الإنسانية، الأخلاقية منها والروحانية morales et spirituelles. وأحسن ما فيها، إنها تقوي العلاقات الاجتماعية، الفردية والجماعية.. علماً أن هذه الفنون (الرقصات والأغاني) لها طقوسٌّ معينة تتمثل في اللباس وألوانه والزينة، الكل ينتقل بالتَّوارث من جيلٍ لآخر، وذلك، رغم ما يتخلَّلها من خرافات وحكايات خيالية تتنافى مع العقل والمنطِق. لكنها تدخل في صُلب حياة الناس الأفارِقة، الروحانية على الخصوص.
إن الْكَانْ هي لحظةُ حبٍّ تتلاقى وتتكامَلُ فيها الثقافات، وكذلك، لحظةُ أختفاء الرُّؤيات السياسية والإيديولوجية ولحظةٌ تحضر فيها، فقط وحصرياً، الإنسانية واخلاقها النبيلة.
وهنا، لا بدَّ من التَّذكير أن جميعَ الوفود الكُروِية الإفريقية الرسمية وجميع المُشجِّعين المرافقين لوفود بلدانِهم، جاءوا للمغرب من أجل الفرجة داخلَ وخارجَ الملاعب. وجاءوا، كذلك، من أجل مُناصرة فُرُقِهم الكروِية، وهذا شيءٌ طبيعي، إن لم نقل فِطري. إلا وفد واحد جاء بنِيَّة إفساد ما نجح المغرب في تنظيمه. إنه الوفد الجزائري الرسمي الذي حضر للمغرب ليس لِلَعب كرة القدم. بل جاء ليكون دراعاً أو امتِداداً لِما يُكنُّه حُكَّامُ الجزائر من عداءٍ للمغرب.
والدليل على ذلك، ما حدثَ يومَ لعِبَ الفريق الجزائري ضد الكونغو الديمقراطية. من ضمن المُشجعين الكنغوليين، كان هناك شخصُ، أنيق اللباس والهيئة، يقف في المُدرَّجات رافعاً يدَه اليمنى إلى الفوق. هذا الشخصُ الكُنغولي كان يريد أن يُعيدَ إلى ذاكِرة اللاعبين الكُنغوليين رمزاً أو زعبماً من رموز/زعماء إفريقيا السياسيين والكُنغو الذي كان يحلم بافريقيا حرة ومُستقِلَّة، مُحرَّرة من الاستعمار وتعتمد على نفسٍها. إنه الزعيم باتريس لومومبا Patrice Lumumba. كانت هذه هي طريقتُه لتشجيع المُنتَخَب الكُنغولي.
غير أن أحدَ اللاعبين الجزائريين، عندما التقى المنتَخَب الجزائري بنظيرِه الكُنغولي وانتصر عليه، قام بحركات لاأخلاقية أقل ما يُقال عنها أنها تُسيء للمُشجعين الكُنغوليين، وبالأخص، للشخص الذي قلَّد، في المُدرَّجات. باتريس لومومبا. لقد وقف في وسط الملعب وتوجَّه للجمهور الكنغولي، وبالأخص، للشخص الذي قلَّد باتريس لومومبا، ثم وقف رافعاً يدَه اليمنى إلى الفوق. ثم تمدَّد فوق أرضية الملعب.
ما كان يقصده اللاعب الجزائري، السَّيء الأخلاق، هو أن المنتَخَب الذي كنتَ/كنتم تشجِّعه/تشجِّعونه، انتصرنا عليه. إنها إساءةٌ للرياضة التي، من المفروض، أن يكونَ فيها فائزٌ وخاسِر. ومن المفروض، في جميع أنحاء العالم، أن تكون حامِلةً للأخلاق الإنسانية النبيلة، أو كما يُقال، في جميع أنحاء المعمور، أن تكون "الروح الرياضية" هي السائدة، في جميع رُقَعِ الملاعب. فماذا يمكن أن نستنتِجَه من هذا التَّصرُّف المُشين واللاأخلاقي؟
ما يمكن استنتاجُه من هذا التَّصرُّف اللاأخلاقي، هو أن هذا اللاعب اُمِّي بمعنى الكلمة. وعندما أقول أمي، لا أقصد إتقان القراءة والكتابة. ما أقصدُه، هو أن هذا اللاعب يجهل تاريخَ إفريقيا التي هو حاضرٌ، في المغرب، من أجل الاحتفال بأحد تظاهراتِها الرياضية. بل إنه يجهل أن المُشحِّعين لمنتخاباتِتهم يحملون معهم ثقافات بلدانِهم ويريدون اقتسامَها مع الآخرين. وهذا هو ما قلتُه، في بداية هذه المقالة، أي أن الاقتسام يتم من خلال الرقصات والأغاني واللباس والأعلام الوطنية…
الْكَأن مناسبة كبيرة تتلاقى فيها الشعوب الإفريقية من أجل الرياضة، لكن، كذلك، من أجل التبادل الثقافي بين الشعوب، تاركين وراءهم كل الاختلافات السياسية والإيديولوجية. حينها، ما يجمع هذه الشعوب، هي القيم والأخلاق الإنسانية.
غير أن اللاعب الجزائري يجهل كل هذه الأمور. ولما اطلع على الحقيقة وأدرك ما هو بُعد تلك الوقفة التي كان ذلك الشخصُ يقلِّد باتريس لومومبا، اعتدر من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. لكن، كما تقول المقولة المغربية، "اللِّي عْطا الله اعْطاهْ"، أي أن إلحاقَ الضرر بالآخرين حدث.
وللتذكير، إن هذا الشخصَ المُقلِّد لباريس لومومبا كان محبوبا عند كل المُشجِّعين، بدون اسثتناء، بما فيهم المغاربة. والشيء الذي لم يفهمه اللاعب الجزائري، هو أن الشخص الكٌنغولي، المُقلِّد لباريس لومومبا، يحمل رسالةً أراد أن يُمرِّرها للجمهور الحاضر في ألملعب. وهذه الرسالة هي ما قاله الزعيم الكُنغولي أن "إفريقيا للافارقة"، علما أن هذه القارة غنية بالثروَات الطبيعية وأن شباب هذه القارة هم الأجدر باستِغلالِها.
وما يمكن استنتاجُه، كذلك، من هذه التَّظاهرة الرياضية الإفريقية، هو، إلى حدِّ الآن، التنظيم المُحكَم والرزين الذي قام به المغرب لا من حيث البنيات التحتية ولا من حيث للاستقبال والضيافة ولا من حيث ألنقل والتنقُّل بين الملاعب… وهذا التَّنظيم سيعود بالنفع على المغرب، اقتصاديا، وخصوصا، إذا أشادت به الوُفود الرياضية المُشارِكة في هذه التظاهُرة الرياضية.
.
