dimanche 18 janvier 2026
كتاب الرأي

الصادق العثماني: التدخين بين التعميم الشعبوي والمنهج الأصولي المقاصدي

الصادق العثماني: التدخين بين التعميم الشعبوي والمنهج الأصولي المقاصدي الصادق أحمد العثماني

في إطار النقاش العمومي المتجدّد حول حكم التدخين بالمملكة المغربية، تبرز هذه النازلة بوصفها نموذجًا كاشفًا عن الخلل المنهجي في التعامل مع القضايا المستجدة، أكثر مما هي مجالًا لخلافٍ حقيقي حول مقاصد الشريعة أو كلياتها. فالإشكال لم يكن يومًا في غياب القواعد الأصولية أو ضعف التراث الفقهي، وإنما في سوء تنزيلها، وخلط الأحكام بمجرّد الانطباعات، وتحويل الفقه من علمٍ ضابط إلى خطاب تعبوي شعبوي يختزل التعقيد الشرعي في أحكام جاهزة .
ومن القواعد الأصولية المحكمة أن أفعال العادات لا تُحكَم بحكمٍ واحدٍ ثابت إلا بعد صحة التصوير، وضبط التكييف، وتحقيق المناط. والتدخين، من حيث هو، ليس عبادة مأمورًا بها، ولا معصية منصوصًا على تحريم عينها، وإنما هو فعل حادث يتردد بين أوصاف متعددة. وعليه، فإن وحدة الفعل لا تستلزم وحدة الحكم، إذ يختلف الحكم باختلاف حال الفاعل، ومقدار الضرر، ومآل الفعل في حقّه، عملًا بالقاعدة الأصولية: الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. وعند تحرير محل النزاع، يتبين أن مناط الحكم في التدخين ليس الاسم ولا العرف الاجتماعي، بل الأثر المترتب عليه شرعًا. فحيث تحقق الضرر المفضي إلى إهلاك النفس أو إتلاف عضو، أو غلب على الظن وقوع ذلك في حق شخص بعينه، انعقد مناط التحريم قطعًا، لا لأن التدخين محرّم لذاته، بل لأن الشريعة جعلت حفظ النفس مقصدًا كليًا، وحرّمت كل ما يفضي إلى نقضه. أما حيث لم يتحقق هذا الضرر، أو كان محتملًا ضعيفًا، فإن الانتقال مباشرة إلى التحريم العام يفتقر إلى تحقيق مناطٍ منضبط، ويصطدم بأصول معتبرة في باب الإباحة والكراهة.
وفي هذا السياق العلمي الرصين، تبرز أهمية المواقف التي التزم بها العلامة الشيخ حسين مفراح ، والتي كانت سببًا في تعرّضه لهجمات حادّة من بعض المتطفلين على العلوم الشرعية، ممن جعلوا من الخلاف الفقهي ذريعة للتجريح والتشنيع. والحال أن الشيخ لم يخرج عن قواعد العلم، ولا خالف أصول الفقه أو مقاصد الشريعة، بل ظل متمسكًا بتحرير المناط، ومراعاة المآلات، والتمييز بين الحكم النظري والتنزيل العملي. ولم يُحرّم حلالًا، ولم يُحلّل حرامًا، وإنما رفض منطق التعميم غير المنضبط، وأعاد الاعتبار للميزان الأصولي الذي به تُصان الشريعة من التسييس والابتذال .
كما أن من القواعد المغفلة في هذا الباب قاعدة تغيّر الأحكام بتغيّر الأحوال، لا بمعنى تغيّر النصوص، بل تغيّر مناطاتها. فالتدخين في سياق صحي أو نفسي معيّن، أو في حالة إدمان مستحكم، لا يُعالج فقهيًا بمنطق واحد، بل بخطاب متدرج يوازن بين الزجر والتيسير، وبين حفظ النفس وعدم تحميل المكلف ما لا يطيق، وهو ما قرره الأصوليون في باب رفع الحرج وجلب المصالح.
وخلاصة القول، إن المعالجة المقاصدية الأصولية لمسألة التدخين لا تعني تمييع الأحكام ولا التساهل في الضرر، بل تعني إعادة الفقه إلى وظيفته العلمية: تحقيق العدل، وصيانة المقاصد، وربط الحكم بعلته ومآله. أما الخطاب الذي يستسهل التحريم العام، ويهاجم أهل التحقيق، فإنه لا يخدم الشريعة 

بقدر ما يسيء إلى منهجها وروحها، ويحوّل الفقه من علمٍ هادٍ إلى أداة صراعٍ إيديولوجي.

الصادق أحمد العثماني 
-أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية