في خطوة تعكس عمق الأزمة التي خلفتها فيضانات 14 دجنبر 2025، تقدم مجموعة من أعضاء المجلس الجماعي الترابي بآسفي بطلب رسمي إلى رئيس المجلس يطالبون فيه بعقد دورة استثنائية "لتدارس مسؤولية الجماعة في الوقاية من المخاطر وحماية السلامة العامة بالمدينة العتيقة". الوثيقة والتي نملك نسخة منها ، تعد صك اتهام صارخ، حيث تنص صراحة على أن الفيضانات "كشفت بشكل جلي عن هشاشة البنية التحتية بالمدينة العتيقة، وعن قصور التدابير الوقائية، مما أدى إلى تعريض الساكنة والتجار لمخاطر حقيقية تهدد السلامة الجسدية والحق في الحياة".
هذه الكلمات ليست جزءا من تقرير صحفي استقصائي، بل هي نص رسمي صادر عن منتخبين محليين داخل المؤسسة نفسها. إنها الإشارة الأكثر وضوحا إلى أن كارثة آسفي كانت متوقعة، وكانت نتيجة حتمية لتقاعس متكرر وتراكمي. الطلب، الذي يستند إلى المادة 36 من القانون التنظيمي 113.14، يحمل في ثناياه سؤالا وجوديا يهز أركان التجربة الجهوية المغربية: ما قيمة الصلاحيات والقوانين إذا كانت عاجزة عن حماية المواطن من الغرق داخل بيته؟
الوثيقة/ الطلب لا تكتفي بتسجيل حدث طارئ، بل تتحول إلى مرجعية قانونية وسياسية لتشريح أزمة مزمنة. فاستدعاء المواد 83 و85 من القانون ذاته، والفصل 31 من الدستور، هو استدعاء مدو وصارخ للإطار الذي يفترض أنه يحمي المواطن. المادة 83 التي تندرج فيها "صلاحيات الجماعة في مبادئ حفظ الصحة والوقاية من المخاطر الطبيعية"، والمادة 85 التي تفرض على الجماعة "مسؤولية اتخاذ التدابير اللازمة لتديير المرافق والتجهيزات ذات الصلة بحماية المواطنين"، والفصل الدستوري الذي "يلزم السلطات العمومية والجماعات الترابية بتعبئة كل الوسائل" للسلامة، كلها نصوص تتحول تحت ضوء الكارثة إلى شهادات حية على احتضار التدابير العملية، وتحولها إلى طقوس موسمية للتوقيع ...تكرس الفجوة بين المجتمع والفاعل العمومي والمنتخب.
السياسة هنا تكشف عن وجهها القاسي: إنها ليست خطابات في المناسبات، بل هي المسؤولية المباشرة عن حياة الناس. السؤال السياسي المحرج الذي تدفعه الوثيقة/ الطلب إلى الواجهة ليس فقط عن "من المسؤول؟"، بل عن "كيف سمح بوصول المدينة العتيقة، بذاكرتها التاريخية وساكنتها البشرية، إلى هذه الدرجة من الهشاشة؟". إنه سؤال عن أولويات الحكامة المحلية في زمن ينفق فيه على الزخرفة الظاهرية وتهمل فيه شبكات الصرف الصحي التي تحفظ الأرواح. سؤال عن سبب استمرار تهميش الأحياء العتيقة في الاستفادة من برامج التنمية والتأهيل والصيانة والحماية من الكوارث، وكيف يتحول خطاب التنمية المحلية إلى واجهة خطاب انتخابي لا يترجم عمليا في تدابير دنيا لحماية فعلية للمواطن في أبسط حقوقه: الحق في عدم الغرق داخل مدينة.
البعد الإنساني لهذه الكارثة، والذي تلمسه الوثيقة الشجاعة بعبارات مثل "تهدد السلامة الجسدية والحق في الحياة"، هو النقد الذاتي القاسي والمسؤول في هذه القضية. فخلف عبارات "الهشاشة" و"القصور" هناك عائلات رأت ممتلكاتها تنجرف، صغار تجار أفلسوا بين ليلة وضحاها، أناس عاشوا رعباً وجودياً أمام قوة المياه العاتية، وعائلات فقدوا أبناءهم ومعيليهم ومصدر عيشهم والإحساس بالأمان واهتزت الثقة، هذا المشهد الإنساني المأساوي ليس قدرا محتوما، بل هو نتيجة اختيارات سياسية واقتصادية مركزية ومحلية تراكمت على مدى سنوات. الاختيار بعدم استثمار ما يكفي في تأهيل البنية التحتية للمناطق العتيقة. الاختيار بتأجيل خطط الطوارئ. الاختيار بقبول مستوى مخاطر أعلى لسكان هذه الأحياء مقابل راحة وإرضاء لنخب أخرى. إنها أخلاقيات اللامساواة المجسدة في واقع مأساوي.
طلب هذه الثلة من المنتخبين، بهذا المعنى، ترفع قضية آسفي من مستوى "حادث مؤسف" إلى مستوى "قضية عدالة اجتماعية". إنها توثق كيف أن الخطر لم يكن موزعا بشكل عشوائي، بل كان موجها بشكل اعتباطي نحو الفضاءات الأكثر فقرا والأقل حظوة في المدينة. العدالة المجالية هنا ليست مفهوما فولكوريا، بل هي مؤشر القياس الذي يكشف مقدار التمييز في الحق في الحياة ذاته. ففي الوقت الذي قد تنعم فيه أحياء أخرى بمشاريع الترفيه البنيوي و"التأهيل"، تدفع الأحياء العتيقة ثمن الإهمال بأرواح سكانها واستقرارهم المعيشي.
غير أن السؤال الأكثر نزيفا الذي أثاره هذا الطلب يتعلق بجدواه في منظومة تدبير يعاني من عجز مزمن في مساءلة الذات.
طلب عقد دورة استثنائية قد يكون خطوة في الاتجاه الصحيح، لكن تاريخنا مع مثل هذه الآليات يشي بأنها قد تتحول إلى طقس شكلي لامتصاص الصدمة وإعادة إنتاج المأساة نفسها مع التأجيل الناعم وتفاذف المسؤوليات. الدورة الاستثنائية قد تفتح نقاشا في، أو تتحول إلى منصة اتهامات متبادلة، أو في أقصى مخرجاتها قد تنتج توصيات تذهب إلى أرشيف النسيان، مادام الملف يتجاوز التدبير المحلي، فالتحدي الحقيقي هو هل يمكن لهذه الدورة أن تكون بداية مسار مساءلة حقيقية، يحدد المسؤوليات بشكل واضح، ويقترح إجراءات ملموسة، بل وعقوبات للمقصرين؟ أم أنها ستكون مجرد "تنفيس" مؤقت يسمح للأزمة بالاستمرار حتى الكارثة القادمة؟
المأساة تكمن في أن طلب عقد دورة استثنائية بهذه الجرأة، التي حررت جدول عملها أياد من داخل المؤسسة، قد تكون مؤشرا على استعصاء أعمق. إنها صرخة من داخل النظام نفسه، تعترف بفشله في أداء أبسط وظائفه: الحماية. هذا الاعتراف، رغم مرارته، قد يكون البداية الحقيقية لأي إصلاح. لكن شروط التحول الحقيقي تتطلب أكثر من جلسة نقاش. تتطلب إرادة سياسية حقيقية لإعادة ترتيب الأولويات، وجعل سلامة المواطن، خاصة الأكثر فقرا وهشاشة، المعيار الأول لتقييم أي مسؤول. تتطلب نقلة من ثقرة "تدبير الأزمة" إلى ثقافة "منع الكارثة". وتتطلب، فوق كل شيء، اعترافا بأن ما حدث في آسفي ليس مجرد "عاصفة مطرية"، بل هو إخفاق حضاري في الوفاء بوعد جهات متعددة بواجبها اتجاه مواطنيها.
إن فيضانات آسفي وما نتج عنها أكبر بكثير من دورة استثنائية، لكن قوتها لو شخصت بدقة ووسعت دائرة المسؤوليات بشجاعة، حتى لا
تتحول الصلاحيات إلى أوراق لا تحمي، والقوانين إلى نصوص لا تطبق، والمواطنون إلى ضحايا لإهمال متكرر. قيمة هذه الدورة لن تقاس بانعقاد الجلسة، بل بقدرتها على كسر دائرة الإفلات من العقاب، وبدء حوار وطني جاد عن معنى المسؤولية في الفضاء العام. آن الأوان لأن تتحول الدروس المأساوية إلى سياسات وقائية، وأن تتحول آسفي من رمز للإهمال إلى نموذج للصحوة والمساءلة. فالأرواح التي تعرضت للخطر والتي ودعتنا، والبيوت التي دمرت، والكرامة التي انتهكت، تستحق أكثر من مجرد دورة استثنائية، بل تستحق ثورة في عقلية المدبر تجعل من سلامة المواطن الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه.