يشكل مفهوم اللايقين الإجتماعي والسياسي أحد المفاهيم المركزية في تحليل التحولات المعاصرة التي تعرفها المجتمعات الحديثة. إذ لم يعد اليقين، كما كان يُفترض في النماذج الكلاسيكية للتنظيم الإجتماعي والسياسي، هو الحالة السائدة التي تضبط الفعل الإجتماعي وتوجهه، بل أصبح اللايقين جزءًا من البنية العميقة للعلاقات الإجتماعية ومنطق اتخاذ القرار. غير أن الحديث عن اللايقين لا يمكن أن يتم بمعزل عن موقع الفاعلين الاجتماعيين داخل الحقول المختلفة التي ينتجون فيها المعنى والسلطة والتأثير.
فمن جهة أولى، يبدو اللايقين نسبيًا، أي أنه ليس معطى موضوعيًا مطلقًا يفرض نفسه على جميع الفاعلين بنفس الدرجة. بل على العكس من ذلك، يرتبط هذا اللايقين بمدى إدراك الفاعل لحدود يقينياته، وبقدرته على تقدير الجدوى العملية لهذه اليقينيات في سياق متغير. فكلما كان الفاعل أكثر انخراطًا في ديناميات صناعة القرار، وأكثر امتلاكًا للموارد الرمزية والمادية، تقلصت لديه مساحة اللايقين، أو على الأقل أصبح قادرًا على إدارة هذا اللايقين بدل الخضوع له.
ومن جهة ثانية، لا ينبغي النظر إلى اللايقين باعتباره ظاهرة اجتماعية ذات سلطة قهرية تفرض نفسها بشكل حتمي على الفاعلين الاجتماعيين. بل إن اللايقين يمثل في كثير من الأحيان نتيجة لشروط موضوعية ترتبط ببنية النظام الإجتماعي والسياسي، وبمواقع الفاعلين داخل هذه البنية. وبعبارة أخرى، فإن اللايقين يتشكل في تقاطع ثلاثة عناصر أساسية:
موقع الفاعل داخل شبكة السلطة.
حجم الموارد التي يمتلكها (اقتصادية، رمزية، معرفية).
قدرته على التأثير في مسارات القرار.
وعلى سبيل التمثيل، يمكن ملاحظة أن الفاعلين الدوليين الكبار، مثل الدول الكبرى أو المنظمات الدولية المؤثرة، لا يعيشون اللايقين بنفس الكيفية التي تعيشه بها الدول الصغيرة أو الفاعلون المحليون. فهؤلاء يمتلكون أدوات للتوقع والتخطيط الاستراتيجي، كما يمتلكون القدرة على إعادة تشكيل قواعد اللعبة الدولية.
في المقابل، يجد الفاعلون الأضعف أنفسهم في كثير من الأحيان أمام حالة من اللايقين المركب، حيث تصبح قدرتهم على التأثير محدودة، ويصبح أفق القرار بالنسبة إليهم ضيقًا ومشروطًا بإكراهات خارجية.
وإذا انتقلنا إلى المستوى الإقليمي، نجد أن درجة اللايقين ترتبط أيضًا بميزان القوى بين الفاعلين الإقليميين، وبطبيعة الترتيبات السياسية والاقتصادية التي تحكم العلاقات بينهم. ففي بعض السياقات الإقليمية المستقرة نسبيًا، يكون اللايقين أقل حدة لأن قواعد التفاعل بين الفاعلين واضحة ومؤسساتية. أما في السياقات المتوترة أو الانتقالية، فإن اللايقين يتضاعف نتيجة غموض قواعد اللعبة السياسية وتعدد مراكز القرار.
أما على المستوى الوطني، فإن اللايقين يتخذ أبعادًا مختلفة، إذ يرتبط بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبمدى وضوح السياسات العمومية واستقرار المؤسسات. فعلى سبيل المثال، عندما تكون المؤسسات قوية وقادرة على إنتاج سياسات عمومية واضحة ومستقرة، فإن الفاعلين الاجتماعيين يمتلكون قدرًا أكبر من القدرة على التوقع والتخطيط. لكن عندما تكون المؤسسات في حالة ضعف أو انتقال، يصبح المجال السياسي مفتوحًا على احتمالات متعددة، وهو ما يوسع مجال اللايقين في سلوك الأفراد والجماعات.
ومن زاوية سوسيولوجية أعمق، يمكن تفسير هذا الوضع من خلال مفهوم الحقل الاجتماعي الذي طوره بيير بورديو، حيث يتحدد موقع الفاعل داخل الحقل وفق حجم الرأسمال الذي يمتلكه. فكلما ارتفع موقع الفاعل داخل الحقل، ازدادت قدرته على تحويل اللايقين إلى مورد استراتيجي، أي إلى فرصة لإعادة ترتيب موازين القوة. بينما يجد الفاعلون الموجودون في مواقع هامشية أنفسهم في وضعية دفاعية، حيث يصبح اللايقين عامل تهديد بدل أن يكون مجالًا للمناورة.
كما يمكن الاستطراد هنا بالقول إن اللايقين لا يقتصر فقط على المجال السياسي، بل يمتد إلى مجالات أخرى مثل الاقتصاد والثقافة والتكنولوجيا.
فالعولمة، والتحولات الرقمية، وتسارع إنتاج المعرفة، كلها عوامل ساهمت في تفكيك اليقينيات التقليدية التي كانت تؤطر الفعل الاجتماعي. ولهذا السبب أصبح الفاعلون الاجتماعيون مطالبين بتطوير أشكال جديدة من التفكير الاستراتيجي القائم على إدارة المخاطر بدل البحث عن يقين مطلق.
وبناءً على ما سبق، يمكن القول إن اللايقين ليس مجرد حالة سلبية تعكس غموض المستقبل، بل هو جزء من دينامية الفعل الاجتماعي والسياسي. فالمجتمعات الحديثة لا تُدار بمنطق اليقين المطلق، بل بمنطق الاحتمالات والتوقعات والتوازنات المتغيرة.
وخلاصة القول، إن اللايقين الاجتماعي والسياسي يظل مفهومًا نسبيًا يرتبط بدرجة كبيرة بموقع الفاعل داخل بنية السلطة وصناعة القرار. فبين المستوى الدولي والإقليمي والوطني تتغير طبيعة هذا اللايقين وحدته، تبعًا لموازين القوة وموارد الفاعلين وقدرتهم على التأثير. وبالتالي، فإن فهم اللايقين لا يتم فقط من خلال تحليل الظواهر الموضوعية، بل أيضًا من خلال تحليل إدراك الفاعلين لمواقعهم وإمكاناتهم داخل النظام الاجتماعي والسياسي.
عبد الحميد بنقاسم
باحث ومهتم بالشؤون السوسيولوجية
.
