jeudi 26 février 2026
اقتصاد

عبد الجبار شكري: الاستهلاك الرمضاني يكشف التحولات العميقة في القيم والهوية الاجتماعية

عبد الجبار شكري: الاستهلاك الرمضاني يكشف التحولات العميقة في القيم والهوية الاجتماعية عبد الجبار شكري، عالم النفس وعالم الاجتماع والمحلل النفسي والمعالج الإكلينيكي

في‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬يقدّم‭ ‬الدكتور‭ ‬عبد‭ ‬الجبار‭ ‬شكري،‭ ‬عالم‭ ‬النفس‭ ‬وعالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬والمحلل‭ ‬النفسي‭ ‬والمعالج‭ ‬الإكلينيكي،‭ ‬قراءة‭ ‬سوسيولوجية‭-‬نفسية‭ ‬معمقة‭ ‬لظاهرة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬المكثف‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭. ‬ويقارب‭ ‬شكري‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬التداخل‭ ‬بين‭ ‬البعد‭ ‬الرمزي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والنفسي،‭ ‬مستحضراً‭ ‬أطروحات‭ ‬كبار‭ ‬المنظرين‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬وعلم‭ ‬النفس‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬لفهم‭ ‬كيف‭ ‬تحوّلت‭ ‬المائدة‭ ‬الرمضانية‭ ‬من‭ ‬فضاء‭ ‬للوظيفة‭ ‬الغذائية‭ ‬والتكافل‭ ‬الروحي‭ ‬إلى‭ ‬مجال‭ ‬لتمثيل‭ ‬الهوية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وصناعة‭ ‬الصورة‭ ‬والاعتراف‭.‬
ويرصد‭ ‬المتحدث‭ ‬التناقض‭ ‬القائم‭ ‬بين‭ ‬خطاب‭ ‬التقشف‭ ‬الديني‭ ‬وممارسات‭ ‬الاستهلاك‭ ‬المفرط،‭ ‬معتبراً‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬يعكس‭ ‬صراعاً‭ ‬بين‭ ‬منظومتين‭ ‬قيميّتين‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭: ‬منظومة‭ ‬أخلاقية‭ ‬دينية‭ ‬ومنظومة‭ ‬استهلاكية‭ ‬حديثة‭. ‬

 

هل‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبار‭ ‬الاستهلاك‭ ‬المكثّف‭ ‬في‭ ‬رمضان‭ ‬شكلاً‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬“الهوية‭ ‬الاجتماعية”‭ ‬للأسر؟
نعم،‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبار‭ ‬المائدة‭ ‬الرمضانية‭ ‬اليوم‭ ‬فضاءً‭ ‬لتمثيل‭ ‬الهوية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬هي‭ ‬مجرد‭ ‬استجابة‭ ‬لحاجة‭ ‬غذائية‭.‬
وفق‭ ‬منطق‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬Pierre Bourdieu،‭ ‬فأنماط‭ ‬الأكل‭ ‬والاختيارات‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬ليست‭ ‬بريئة،‭ ‬بل‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭  ‬الذوق،‭ ‬المستوى‭ ‬الثقافي‭ ‬والانتماء‭ ‬الطبقي‭. ‬وبالتالي،‭ ‬تحوّلت‭ ‬المائدة‭ ‬الرمضانية‭ ‬عند‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬رمزية‭ ‬لإبراز‭ ‬المكانة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬=‭ ‬نوع‭ ‬المأكولات،‭ ‬تنوّعها،‭ ‬طريقة‭ ‬تقديمها،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬صورها‭ ‬المتداولة…‭ ‬كلها‭ ‬رسائل‭ ‬اجتماعية‭ ‬موجّهة‭ ‬للآخرين‭. ‬بمعنى‭ ‬آخر: رمضان‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬فقط‭ ‬زمناً‭ ‬للعبادة،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬مسرحاً‭ ‬اجتماعياً‭ ‬للتمييز‭ ‬الطبقي‭ ‬الناعم‭.‬

 

كيف‭ ‬نفسّر‭ ‬التناقض‭ ‬بين‭ ‬خطاب‭ ‬التقشف‭ ‬الديني‭ ‬والممارسات‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬المفرطة؟
هذا‭ ‬التناقض‭ ‬يمكن‭ ‬قراءته‭ ‬باعتباره‭ ‬شكلاً‭ ‬من‭ ‬الازدواجية‭ ‬القيمية‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع،‭ ‬فمن‭ ‬جهة:‭ ‬الخطاب‭ ‬الديني‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬القناعة‭ ‬وضبط‭ ‬الشهوة‭.‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى: الثقافة‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬السائدة‭ ‬تشجّع‭ ‬على‭ ‬الوفرة،‭ ‬التراكم،‭ ‬والمباهاة‭.‬سوسيولوجياً،‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬هذا‭ ‬بالضرورة‭ ‬نفاقاً‭ ‬فردياً،‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬صراعاً‭ ‬بين‭ ‬منظومتين‭ ‬مرجعيتين‭ ‬،‭ ‬منظومة‭ ‬دينية‭ ‬أخلاقية،‭ ‬ومنظومة‭ ‬استهلاكية‭ ‬رمزية‭ ‬حديثة‭.‬

 

‬إلى‭ ‬أي‭ ‬حد‭ ‬أصبح‭ ‬الاستهلاك‭ ‬في‭ ‬رمضان‭ ‬موجهاً‭ ‬بالرمزية‭ ‬والصورة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الحاجة‭ ‬الفعلية؟
إلى‭ ‬حدّ‭ ‬كبير‭. ‬يمكن‭ ‬هنا‭ ‬استحضار‭ ‬مفهوم‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الاستعراضي‭ ‬الذي‭ ‬صاغه‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وعالم‭ ‬الاجتماع Thorstein Veblen‭. ‬واطروحته‭ ‬تعني‭ ‬نستهلك‭ ‬لكي‭ ‬نُرى،‭ ‬لا‭ ‬لكي‭ ‬نُشبع‭ ‬فقط‭.‬في‭ ‬السياق‭ ‬الرمضاني‭ ‬كثرة‭ ‬الأصناف،الزينة‭ ‬المفرطة،ترتيب‭ ‬المائدة‭ ‬لغرض‭ ‬التصوير‭ ‬كلها‭ ‬ممارسات‭ ‬يدخل‭ ‬فيها‭ ‬عنصر:‭ ‬الظهور‭ ‬–‭ ‬الاعتراف‭ ‬–‭ ‬المقارنة‭ ‬بالآخرين‭.‬

 

هل‭ ‬تختلف‭ ‬أنماط‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الرمضاني‭ ‬بين‭ ‬الأجيال؟
نعم،‭ ‬هناك‭ ‬فوارق‭ ‬واضحة،‭ ‬الكبار‭ ‬والمسنون:‭ ‬يميلون‭ ‬إلى‭ ‬البساطة،‭ ‬احترام‭ ‬العادات‭ ‬الغذائية‭ ‬القديمة‭ ‬،حسّ‭ ‬أقوى‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬والتدبير‭ ‬الشباب،‭ ‬تأثر‭ ‬أكبر‭ ‬بالموضة‭ ‬الغذائية،الانجذاب‭ ‬للوصفات‭ ‬الجديدة‭ ‬اهتمام‭ ‬بالشكل‭ ‬والصورة‭‬،الاختلاف‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬كمية‭ ‬الاستهلاك‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬معناه‭ ‬الاجتماعي‭.‬

 

ماذا‭ ‬تكشف‭ ‬هذه‭ ‬الفوارق‭ ‬عن‭ ‬تحوّلات‭ ‬المجتمع؟
تكشف‭ ‬عن‭ ‬انتقال‭ ‬تدريجي‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬“الاكتفاء‭ ‬والوظيفة”‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭  ‬“الصورة‭ ‬والتجربة‭ ‬والتميّز”‭. ‬وهذا‭ ‬يعكس‭ ‬تحوّلاً‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬القيم‭ ‬الفردانية‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الاعتراف‭ ‬وصناعة‭ ‬الذات‭ ‬عبر‭ ‬الاستهلاك.

 

كيف‭ ‬يؤثر‭ ‬الفضاء‭ ‬الرقمي‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬العادات‭ ‬الرمضانية؟
الفضاء‭ ‬الرقمي‭ ‬غيّر‭ ‬منطق‭ ‬الاستهلاك‭ ‬جذرياً‭. ‬يمكن‭ ‬الاستئناس‭ ‬هنا‭ ‬بتحليل‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬Erving Goffman‭ ‬حول‭ ‬تقديم‭ ‬الذات‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭. ‬اليوم‭ ‬أصبح‭  ‬المطبخ،‭ ‬المائدة،‭ ‬وحتى‭ ‬طريقة‭ ‬الإفطار‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬“عرض‭ ‬اجتماعي”‭ ‬موجَّه‭ ‬للجمهور‭ ‬الافتراضي‭.‬
وبذلك‭ ‬ظهر‭ ‬نموذج‭ ‬جديد‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته:‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الافتراضي‭ ‬ـ‭ ‬الواقعي‭ ‬نستهلك‭ ‬في‭ ‬الواقع… لكن‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الظهور‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬الرقمي‭.‬

 

هل‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبار‭ ‬رمضان‭ ‬مرآة‭ ‬للفوارق‭ ‬الاجتماعية؟
نعم،‭ ‬وبقوة‭.‬رمضان‭ ‬اليوم‭ ‬يُعد‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الفترات‭ ‬التي‭ ‬تظهر‭ ‬فيها‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬وتنكشف‭ ‬فيها‭ ‬الفوارق‭ ‬الطبقية‭ ‬بشكل‭ ‬بصري‭ ‬واضح‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬الأسر‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬فقط‭ ‬في:‭ ‬نوع‭ ‬الطعام‭ ‬أو‭ ‬كثرة‭ ‬الأطباق‭ ‬بل‭ ‬في:‭  ‬إمكانية‭ ‬الترف‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التزيين‭ ‬امتلاك‭ ‬أدوات‭ ‬العرض‭ ‬(الفضاء،‭ ‬الوقت،‭ ‬الوسائل‭ ‬الرقمية)
وبالتالي‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن: أنماط‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الرمضاني‭ ‬أصبحت‭ ‬مؤشراً‭ ‬دقيقاً‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬التفاوت‭ ‬الاجتماعي‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع،‭ ‬وربما‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً‭ ‬من‭ ‬باقي‭ ‬أشهر‭ ‬السنة‭.