عبد الجبار شكري، عالم النفس وعالم الاجتماع والمحلل النفسي والمعالج الإكلينيكي
في هذا الحوار يقدّم الدكتور عبد الجبار شكري، عالم النفس وعالم الاجتماع والمحلل النفسي والمعالج الإكلينيكي، قراءة سوسيولوجية-نفسية معمقة لظاهرة الاستهلاك المكثف خلال شهر رمضان. ويقارب شكري هذه التحولات من زاوية التداخل بين البعد الرمزي والاجتماعي والنفسي، مستحضراً أطروحات كبار المنظرين في علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي، لفهم كيف تحوّلت المائدة الرمضانية من فضاء للوظيفة الغذائية والتكافل الروحي إلى مجال لتمثيل الهوية الاجتماعية وصناعة الصورة والاعتراف.
ويرصد المتحدث التناقض القائم بين خطاب التقشف الديني وممارسات الاستهلاك المفرط، معتبراً أن الأمر يعكس صراعاً بين منظومتين قيميّتين داخل المجتمع: منظومة أخلاقية دينية ومنظومة استهلاكية حديثة.
هل يمكن اعتبار الاستهلاك المكثّف في رمضان شكلاً من أشكال “الهوية الاجتماعية” للأسر؟
نعم، من منظور علم الاجتماع يمكن اعتبار المائدة الرمضانية اليوم فضاءً لتمثيل الهوية الاجتماعية أكثر مما هي مجرد استجابة لحاجة غذائية.
وفق منطق عالم الاجتماع Pierre Bourdieu، فأنماط الأكل والاختيارات الاستهلاكية ليست بريئة، بل تعبّر عن الذوق، المستوى الثقافي والانتماء الطبقي. وبالتالي، تحوّلت المائدة الرمضانية عند عدد من الأسر إلى أداة رمزية لإبراز المكانة الاجتماعية = نوع المأكولات، تنوّعها، طريقة تقديمها، بل حتى صورها المتداولة… كلها رسائل اجتماعية موجّهة للآخرين. بمعنى آخر: رمضان لم يعد فقط زمناً للعبادة، بل أيضاً مسرحاً اجتماعياً للتمييز الطبقي الناعم.
كيف نفسّر التناقض بين خطاب التقشف الديني والممارسات الاستهلاكية المفرطة؟
هذا التناقض يمكن قراءته باعتباره شكلاً من الازدواجية القيمية داخل المجتمع، فمن جهة: الخطاب الديني يدعو إلى القناعة وضبط الشهوة.ومن جهة أخرى: الثقافة الاستهلاكية السائدة تشجّع على الوفرة، التراكم، والمباهاة.سوسيولوجياً، لا يعني هذا بالضرورة نفاقاً فردياً، بل يعكس صراعاً بين منظومتين مرجعيتين ، منظومة دينية أخلاقية، ومنظومة استهلاكية رمزية حديثة.
إلى أي حد أصبح الاستهلاك في رمضان موجهاً بالرمزية والصورة أكثر من الحاجة الفعلية؟
إلى حدّ كبير. يمكن هنا استحضار مفهوم الاستهلاك الاستعراضي الذي صاغه الاقتصادي وعالم الاجتماع Thorstein Veblen. واطروحته تعني نستهلك لكي نُرى، لا لكي نُشبع فقط.في السياق الرمضاني كثرة الأصناف،الزينة المفرطة،ترتيب المائدة لغرض التصوير كلها ممارسات يدخل فيها عنصر: الظهور – الاعتراف – المقارنة بالآخرين.
هل تختلف أنماط الاستهلاك الرمضاني بين الأجيال؟
نعم، هناك فوارق واضحة، الكبار والمسنون: يميلون إلى البساطة، احترام العادات الغذائية القديمة ،حسّ أقوى بالاقتصاد والتدبير الشباب، تأثر أكبر بالموضة الغذائية،الانجذاب للوصفات الجديدة اهتمام بالشكل والصورة،الاختلاف هنا ليس في كمية الاستهلاك فقط، بل في معناه الاجتماعي.
ماذا تكشف هذه الفوارق عن تحوّلات المجتمع؟
تكشف عن انتقال تدريجي من ثقافة “الاكتفاء والوظيفة” إلى ثقافة “الصورة والتجربة والتميّز”. وهذا يعكس تحوّلاً أعمق في القيم الفردانية البحث عن الاعتراف وصناعة الذات عبر الاستهلاك.
كيف يؤثر الفضاء الرقمي في إعادة تشكيل العادات الرمضانية؟
الفضاء الرقمي غيّر منطق الاستهلاك جذرياً. يمكن الاستئناس هنا بتحليل عالم الاجتماع Erving Goffman حول تقديم الذات في الحياة اليومية. اليوم أصبح المطبخ، المائدة، وحتى طريقة الإفطار جزءاً من “عرض اجتماعي” موجَّه للجمهور الافتراضي.
وبذلك ظهر نموذج جديد يمكن تسميته: الاستهلاك الافتراضي ـ الواقعي نستهلك في الواقع… لكن من أجل الظهور في الفضاء الرقمي.
هل يمكن اعتبار رمضان مرآة للفوارق الاجتماعية؟
نعم، وبقوة.رمضان اليوم يُعد من أكثر الفترات التي تظهر فيها القدرة الشرائية وتنكشف فيها الفوارق الطبقية بشكل بصري واضح الفرق بين الأسر لا يظهر فقط في: نوع الطعام أو كثرة الأطباق بل في: إمكانية الترف القدرة على التزيين امتلاك أدوات العرض (الفضاء، الوقت، الوسائل الرقمية)
وبالتالي يمكن القول إن: أنماط الاستهلاك الرمضاني أصبحت مؤشراً دقيقاً على حجم التفاوت الاجتماعي داخل المجتمع، وربما أكثر وضوحاً من باقي أشهر السنة.