mercredi 25 février 2026
اقتصاد

اقتصاد رمضان: كيف تحولت المائدة المغربية إلى ساحة تنافس اجتماعي؟

اقتصاد رمضان: كيف تحولت المائدة المغربية إلى ساحة تنافس اجتماعي؟ هوس الاستهلاك في رمضان بالمغرب: أرقام ودلالات في ظل غلاء الأسعار

لا‭ ‬يقتصر‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬إيقاع‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للمغاربة،‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬رمضان،‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬التعبدي،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬بنية‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الغذائي،‭ ‬فتتحول‭ ‬الأسواق‭ ‬إلى‭ ‬فضاءات‭ ‬نابضة‭ ‬بالحركة،‭ ‬كما‭ ‬ترتفع‭ ‬النفقات‭ ‬الغذائية،‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬المراكز‭ ‬التجارية‭ ‬تحقق‭ ‬زيادات‭ ‬في‭ ‬رقم‭ ‬معاملاتها‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬50%‭ ‬خلال‭ ‬الأسبوع‭ ‬الأول‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭.‬

 

ففي‭ ‬ظل‭ ‬سياق‭ ‬اقتصادي‭ ‬يتسم‭ ‬بارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬المواد‭ ‬الأساسية،‭ ‬وتضخم‭ ‬غذائي‭ ‬تراوح‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬معينة‭ ‬بين‭ ‬8‭ ‬و12%،‭ ‬يبرز‭ ‬مشهد‭ ‬يبدو‭ ‬متناقضا‭ ‬في‭ ‬ظاهره:‭ ‬وعي‭ ‬واسع‭ ‬بغلاء‭ ‬المعيشة‭ ‬يقابله‭ ‬إقبال‭ ‬مكثف‭ ‬على‭ ‬التبضع‭ ‬والشراء،‭ ‬وتنوّع‭ ‬في‭ ‬الأصناف‭ ‬المعروضة‭ ‬على‭ ‬الموائد،‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬رغبة‭ ‬الأسر‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬"الإفطار‭ ‬الكامل": (الحريرة،‭ ‬الحليب،‭ ‬الشباكية،‭ ‬البريوات،‭ ‬سلو،‭ ‬العصائر‭ ‬المتعددة،‭ ‬أصناف‭ ‬التمر،‭ ‬السمك،‭ ‬اللحوم‭ ‬البيضاء‭ ‬والحمراء‭.. ‬إلخ)‭.‬

 

هذه‭ ‬المفارقة‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬عمق‭ ‬البعد‭ ‬الثقافي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬للاستهلاك‭ ‬الرمضاني‭ ‬لدى‭ ‬المغاربة،‭ ‬كما‭ ‬تطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬عميقة‭ ‬حول‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المستهلك‭ ‬والسوق‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تنبع‭ ‬أهمية‭ ‬تفكيك‭ ‬هذا‭ ‬الهوس‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬عبر‭ ‬مقاربة‭ ‬رقمية‭ ‬وتحليلية،‭ ‬ترصد‭ ‬التحولات‭ ‬الكمية،‭ ‬وتقرأ‭ ‬دلالاتها‭ ‬في‭ ‬سياقها‭ ‬الأوسع،‭ ‬كما‭ ‬يلي:

 

أولا‭:‬‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬الإنفاق:‭ ‬يشهد‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬تحوّلا‭ ‬كمّيا‭ ‬واضحا‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الغذائي،‭ ‬حيث‭ ‬ترتفع‭ ‬النفقات‭ ‬الأسرية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالمواد‭ ‬الغذائية‭ ‬بنسب‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬25‭ ‬و40 في‭ ‬المائة‭ ‬مقارنة‭ ‬بباقي‭ ‬شهور‭ ‬السنة،‭ ‬وفق‭ ‬تقديرات‭ ‬مهنيين‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬التوزيع‭. ‬هذا‭ ‬الارتفاع‭ ‬يرتبط‭ ‬بتغيّر‭ ‬نمط‭ ‬الوجبات،‭ ‬وتعدّد‭ ‬الأطباق‭ ‬على‭ ‬مائدة‭ ‬الإفطار،‭ ‬وتزايد‭ ‬الإقبال‭ ‬على‭ ‬مواد‭ ‬موسمية‭ ‬بعينها‭. ‬الأسر‭ ‬التي‭ ‬تخصص‭ ‬في‭ ‬الأشهر‭ ‬العادية‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬1500‭ ‬و2500 درهم‭ ‬للغذاء،‭ ‬ترفع‭ ‬ميزانيتها‭ ‬في‭ ‬رمضان‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬2500‭ ‬و4000 درهم،‭ ‬بينما‭ ‬تتجاوز‭ ‬بعض‭ ‬الأسر‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى‭ ‬سقف‭ ‬6000‭ ‬درهم‭ ‬خلال‭ ‬الشهر،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يعكس‭ ‬انتقالا‭ ‬إلى‭ ‬استهلاك‭ ‬موسمي‭ ‬مكثف،‭ ‬تتحكم‭ ‬فيه‭ ‬اعتبارات‭ ‬رمزية‭ ‬واجتماعية‭ ‬تتجاوز‭ ‬الحاجة‭ ‬البيولوجية‭ ‬المباشرة‭.‬

 

ثانيا‭:‬‭ ‬ثقل‭ ‬المائدة‭ ‬الرمضانية:‭ ‬تحتل‭ ‬المواد‭ ‬الأساسية‭ ‬صدارة‭ ‬لائحة‭ ‬المشتريات،‭ ‬حيث‭ ‬يرتفع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الدقيق‭ ‬بنسبة‭ ‬تقارب‭ ‬30‭ ‬في‭ ‬المائة،‭ ‬وعلى‭ ‬السكر‭ ‬بما‭ ‬يناهز‭ ‬20‭ ‬في‭ ‬المائة،‭ ‬وعلى‭ ‬الزيوت‭ ‬النباتية‭ ‬بما‭ ‬يقارب‭ ‬25‭ ‬في‭ ‬المائة‭ ‬خلال‭ ‬الأسابيع‭ ‬الثلاثة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الشهر‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬استهلاك‭ ‬التمور‭ ‬يعرف‭ ‬قفزة‭ ‬لافتة،‭ ‬إذ‭ ‬يتضاعف‭ ‬تقريبا‭ ‬مقارنة‭ ‬بباقي‭ ‬الفترات،‭ ‬مع‭ ‬متوسط‭ ‬استهلاك‭ ‬يتراوح‭ ‬بين‭ ‬3‭ ‬و5‭ ‬كيلوغرامات‭ ‬للأسرة‭ ‬الواحدة‭ ‬خلال‭ ‬رمضان‭. ‬أما‭ ‬اللحوم‭ ‬الحمراء‭ ‬فتسجل‭ ‬بدورها‭ ‬ارتفاعا‭ ‬في‭ ‬الطلب‭ ‬يتراوح‭ ‬بين‭ ‬15‭ ‬و25 في‭ ‬المائة،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬أسعارها‭ ‬تتجاوز‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المدن‭ ‬100‭ ‬درهم‭ ‬للكيلوغرام‭. ‬

 

ثالثا‭:‬‭ ‬عوامل‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬سلوك‭ ‬التبضع:‭ ‬تراوح‭ ‬معدل‭ ‬التضخم‭ ‬الغذائي‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬تراوح‭ ‬بين‭ ‬8‭ ‬و12% في‭ ‬بعض‭ ‬الفترات،‭ ‬مع‭ ‬تسجيل‭ ‬زيادات‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المواد‭ ‬الطازجة‭ ‬كالخضر‭ ‬والفواكه‭. ‬سعر‭ ‬الطماطم،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬قفز‭ ‬في‭ ‬مواسم‭ ‬معينة‭ ‬من‭ ‬3‭ ‬دراهم‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬10‭ ‬دراهم‭ ‬للكيلوغرام،‭ ‬بينما‭ ‬ارتفع‭ ‬سعر‭ ‬البيض‭ ‬بنسبة‭ ‬تقارب‭ ‬30‭ ‬في‭ ‬المائة‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬الضغط‭ ‬الموسمي‭. ‬ورغم‭ ‬ذلك،‭ ‬تشير‭ ‬معطيات‭ ‬مهنية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬حجم‭ ‬المشتريات‭ ‬الإجمالي‭ ‬يرتفع‭ ‬في‭ ‬رمضان،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الزيادة‭ ‬السعرية‭ ‬لم‭ ‬تؤد‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬الكميات‭ ‬المقتناة،‭ ‬بل‭ ‬دفعت‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬النفقات‭ ‬داخل‭ ‬السلة‭ ‬الاستهلاكية‭.‬
 

رابعا‭:‬‭ ‬منطق‭ ‬التخزين:‭ ‬تسجل‭ ‬المراكز‭ ‬التجارية‭ ‬الكبرى‭ ‬خلال‭ ‬الأسبوع‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬رمضان‭ ‬ارتفاعا‭ ‬في‭ ‬رقم‭ ‬معاملاتها‭ ‬يتراوح‭ ‬بين‭ ‬35‭ ‬و50 في‭ ‬المائة‭ ‬مقارنة‭ ‬بالأسبوع‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬عادي‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬سلاسل‭ ‬التوزيع‭ ‬تعلن‭ ‬عن‭ ‬بيع‭ ‬آلاف‭ ‬الأطنان‭ ‬من‭ ‬السكر‭ ‬والدقيق‭ ‬في‭ ‬ظرف‭ ‬أيام‭ ‬معدودة،‭ ‬مع‭ ‬تسجيل‭ ‬ذروة‭ ‬في‭ ‬اليومين‭ ‬السابقين‭ ‬لبداية‭ ‬الصوم‭. ‬بل‭ ‬إننا‭ ‬نلاحظ‭ ‬أن‭ ‬عربات‭ ‬التسوق‭ ‬تمتلئ‭ ‬بمنتجات‭ ‬تتجاوز‭ ‬الحاجة‭ ‬اليومية،‭ ‬ويصل‭ ‬متوسط‭ ‬عدد‭ ‬المواد‭ ‬في‭ ‬العربة‭ ‬الواحدة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬40‭ ‬و60 منتجا‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الفترات،‭ ‬مقابل‭ ‬معدل‭ ‬يتراوح‭ ‬بين‭ ‬20‭ ‬و30 منتجا‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬العادية‭. ‬

 

خامسا‭:‬‭ ‬الطقس‭ ‬الغذائي‭ ‬الثابت:‭ ‬يقدر‭ ‬مهنيون‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى‭ ‬زيادة‭ ‬المبيعات‭ ‬اليومية‭ ‬من‭ ‬الحلويات‭ ‬بنسبة‭ ‬60‭ ‬في‭ ‬المائة‭ ‬خلال‭ ‬الأيام‭ ‬العشرة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬رمضان‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬باعة‭ ‬الشباكية‭ ‬والحلويات‭ ‬التقليدية‭ ‬يحققون‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬أحيانا‭ ‬30‭ ‬في‭ ‬المائة‭ ‬من‭ ‬مداخيلهم‭ ‬السنوية،‭ ‬ويتراوح‭ ‬سعر‭ ‬كيلوغرام‭ ‬"الشباكية"‭ ‬بين‭ ‬35‭ ‬و70 درهما‭ ‬حسب‭ ‬الجودة‭ ‬والمنطقة‭ ‬(وفي‭ ‬حالات‭ ‬استثنائنية‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬150‭ ‬درهم‭ ‬للكيلو)،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬تقتني‭ ‬الأسر‭ ‬كميات‭ ‬قد‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬2‭ ‬أو‭ ‬3‭ ‬كيلوغرامات‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬سعر‭ ‬سلو‭ ‬قد‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬150‭ ‬درهم‭ ‬للكيلو‭ ‬الواحد‭.‬

 

سادسا‭:‬‭ ‬الهدر‭ ‬الغذائي:‭ ‬تشير‭ ‬تقارير‭ ‬وطنية‭ ‬حول‭ ‬النفايات‭ ‬المنزلية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬كمية‭ ‬النفايات‭ ‬العضوية‭ ‬ترتفع‭ ‬في‭ ‬رمضان‭ ‬بنسبة‭ ‬تقارب‭ ‬20‭ ‬إلى‭ ‬30‭ ‬في‭ ‬المائة‭ ‬مقارنة‭ ‬بباقي‭ ‬السنة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تقديرات‭ ‬غير‭ ‬رسمية‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬15‭ ‬و25 في‭ ‬المائة‭ ‬من‭ ‬الطعام‭ ‬المعدّ‭ ‬للإفطار‭ ‬ينتهي‭ ‬في‭ ‬سلال‭ ‬القمامة‭. ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬الرقم‭ ‬يعكس‭ ‬فجوة‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يُقتنى‭ ‬ويُحضّر‭ ‬وبين‭ ‬ما‭ ‬يُستهلك‭ ‬فعليا،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬رغبة‭ ‬الأسر‭ ‬في‭ ‬تنويع‭ ‬المائدة‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬هذا‭ ‬الفائض،‭ ‬الذي‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬بيئي‭ ‬واقتصادي‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬

 

سابعا‭:‬‭ ‬القروض‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمدخرات:‭ ‬لتحمل‭ ‬العبء‭ ‬الاستهلاكي،‭ ‬تتوجه‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة‭ ‬إلى‭ ‬القروض‭ ‬الصغرى،‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬ضغطا‭ ‬فعليا‭ ‬على‭ ‬الميزانيات‭ ‬المنزلية‭. ‬فإذا‭ ‬علمنا‭ ‬أن‭ ‬متوسط‭ ‬الدخل‭ ‬الشهري‭ ‬لهذه‭ ‬الفئة‭ ‬يتراوح‭ ‬بين‭ ‬5000‭ ‬و9000 درهم‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى،‭ ‬ومع‭ ‬تخصيص‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬40‭ ‬و50 في‭ ‬المائة‭ ‬من‭ ‬الدخل‭ ‬للغذاء‭ ‬خلال‭ ‬رمضان،‭ ‬فإن‭ ‬الهوامش‭ ‬المخصصة‭ ‬لباقي‭ ‬النفقات‭ ‬تتقلص‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭. ‬كما‭ ‬تلجأ‭ ‬بعض‭ ‬الأسر‭ ‬إلى‭ ‬الادخار‭ ‬المسبق‭ ‬خلال‭ ‬شهرين‭ ‬أو‭ ‬ثلاثة‭ ‬قبل‭ ‬رمضان،‭ ‬حيث‭ ‬تدخر‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬500‭ ‬و1000 درهم‭ ‬شهريا‭ ‬لتغطية‭ ‬المصاريف‭ ‬الإضافية‭. ‬

 

ثامنا‭:‬‭ ‬الإعلانات‭ ‬التجارية:‭ ‬يسهم‭ ‬إمطار‭ ‬المشاهدين‭ ‬المغاربة‭ ‬بالإعلانات‭ ‬(شاشات‭ ‬التلفاز،‭ ‬ولوحات‭ ‬الشوارع)‭ ‬في‭ ‬تضخيم‭ ‬النزعة‭ ‬الاستهلاكية،‭ ‬ذلك‭ ‬أنها‭ ‬إعلانات‭ ‬تعرض‭ ‬كلها‭ ‬صور‭ ‬موائد‭ ‬فاخرة‭ ‬وعروض‭ ‬ترويجية‭ ‬مغرية‭ ‬ورسائل‭ ‬تحفّز‭ ‬على‭ ‬الشراء‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬اللغة‭ ‬الإعلانية‭ ‬تستثمر‭ ‬في‭ ‬القيم‭ ‬العائلية‭ ‬والروحانية،‭ ‬وتربط‭ ‬بين‭ ‬المنتج‭ ‬وبين‭ ‬لحظة‭ ‬الإفطار‭ ‬الدافئة،‭ ‬مما‭ ‬يخلق‭ ‬بيئة‭ ‬رمزية‭ ‬تحفّزعلى‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬وتغذي‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬محاكاة‭ ‬الصور‭ ‬المعروضة‭. ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬العروض‭ ‬التي‭ ‬تقدمها‭ ‬الأسواق‭ ‬الكبرى‭.‬

 

تاسعا‭:‬‭ ‬التفاعل‭ ‬الافتراضي:‭ ‬تساهم‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬تغذية‭ ‬النزعة‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬عبر‭ ‬صناعة‭ ‬نموذج‭ ‬بصري‭ ‬للمائدة‭ ‬المثالية‭.  ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬مقاطع‭ ‬الفيديو‭ ‬الخاصة‭ ‬بالوصفات‭ ‬الرمضانية‭ ‬تحقق‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الصفحات‭ ‬المغربية‭ ‬ما‭ ‬يفوق‭ ‬مليون‭ ‬مشاهدة‭ ‬خلال‭ ‬أيام‭ ‬قليلة،‭ ‬كما‭ ‬تتحول‭ ‬بعض‭ ‬المؤثرات‭ ‬والمؤثرين‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الطبخ‭ ‬إلى‭ ‬علامات‭ ‬تجارية‭ ‬تحقق‭ ‬مداخيل‭ ‬إعلانية‭ ‬معتبرة،‭ ‬وتتحول‭ ‬إلى‭ ‬محفز‭ ‬واقعي‭ ‬لاقتناء‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬المكونات‭ ‬وتوسيع‭ ‬لائحة‭ ‬المشتريات،‭ ‬مما‭ ‬يخلق‭ ‬معيارا‭ ‬جماليا‭ ‬جديدا،‭ ‬حيث‭ ‬ترتبط‭ ‬جودة‭ ‬التجربة‭ ‬الرمضانية‭ ‬بتنوّع‭ ‬الأطباق‭ ‬وجاذبية‭ ‬عرضها‭. ‬

 

عاشرا‭:‬‭ ‬العمل‭ ‬التضامني‭ ‬الخيري:‭ ‬تستقبل‭ ‬موائد‭ ‬الإفطار‭ ‬الجماعي‭ ‬يوميا‭ ‬مئات‭ ‬الأشخاص‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المدن،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬وجها‭ ‬تضامنيا‭ ‬موازيا‭ ‬للنزعة‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬الفردية،‭ ‬كما‭ ‬توزع‭ ‬آلاف‭ ‬القفف‭ ‬الغذائية‭ ‬سنويا‭ ‬عبر‭ ‬جمعيات‭ ‬محلية‭ ‬ووطنية‭ ‬تراكم‭ ‬سلعا‭ ‬غذائية‭ ‬بالأطنان،‭ ‬وتتراوح‭ ‬قيمة‭ ‬القفة‭ ‬الواحدة‭ ‬بين‭ ‬150‭ ‬و300 درهم،‭ ‬وتضم‭ ‬مواد‭ ‬أساسية‭ ‬تكفي‭ ‬أسرة‭ ‬صغيرة‭ ‬لأسبوع‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭. ‬

 

تأسيسا‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ذلك،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬هوس‭ ‬الاستهلاك‭ ‬في‭ ‬رمضان‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬بنية‭ ‬ثقافية‭ ‬واجتماعية‭ ‬ونفسية‭ ‬متجذرة،‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬الرمزية‭ ‬الدينية‭ ‬مع‭ ‬التمثيل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والضغط‭ ‬الاقتصادي‭.  ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يضيف‭ ‬طبقة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التعقيد‭ ‬ويزيد‭ ‬الطين‭ ‬بلة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الهوس‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬هو‭ ‬المنحى‭ ‬التصاعدي‭ ‬للتبضع‭ ‬أمام‭ ‬تقلبات‭ ‬السوق‭ ‬وغلاء‭ ‬الأسعار،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬ارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬اللحوم‭ ‬بأنواعها‭ ‬والأسماك‭ ‬والخضر‭ ‬والفواكه‭ ‬والزيوت،‭ ‬مما‭ ‬يفرض‭ ‬ضغطا‭ ‬حقيقيا‭ ‬على‭ ‬ميزانيات‭ ‬الأسر،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تأتي‭ ‬مفارقة‭ ‬تزامن‭ ‬الوعي‭ ‬بغلاء‭ ‬المعيشة‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬السلوك‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬المرتفع،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يكشف‭ ‬حجم‭ ‬التفاوت‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬تحول‭ ‬الاستهلاك‭ ‬إلى‭ ‬لغة‭ ‬اجتماعية‭. ‬

 

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى‭ ‬مثل‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء‭ ‬والرباط‭ ‬ومراكش‭ ‬وفاس‭ ‬ومكناس‭ ‬وطنجة‭ ‬وأكادير‭ ‬تشهد‭ ‬ذروة‭ ‬هذا‭ ‬الهوس،‭ ‬حيث‭ ‬تتسع‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬العرض‭ ‬والطلب،‭ ‬وتتحول‭ ‬مراكز‭ ‬التسوق‭ ‬إلى‭ ‬فضاءات‭ ‬مزدحمة،‭ ‬فإن‭ ‬القرى‭ ‬وبعض‭ ‬المدن‭ ‬الصغيرة‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تحتفظ‭ ‬بإيقاع‭ ‬أكثر‭ ‬هدوءا،‭ ‬حيث‭ ‬يظل‭ ‬السوق‭ ‬التقليدي‭ ‬مركز‭ ‬الثقل،‭ ‬وتبقى‭ ‬العلاقات‭ ‬الشخصية‭ ‬بين‭ ‬البائع‭ ‬والمشتري‭ ‬حاضرة‭ ‬بقوة،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬مغاربة‭ ‬القرى‭ ‬والمدن‭ ‬الصغيرة‭ ‬ما‭ ‬زالوا‭ ‬ينتهجون‭ ‬الاقتصاد‭ ‬في‭ ‬المشتريات،‭ ‬ويمارسون‭ ‬نمطا‭ ‬استهلاكيا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬التخطيط‭ ‬المسبق‭ ‬عبر‭ ‬تحديد‭ ‬قائمة‭ ‬دقيقة‭ ‬وتجنب‭ ‬الشراء‭ ‬العفوي‭.‬

تفاصيل أوفى تجدونها في العدد الجديد من أسبوعية " الوطن الآن

رابط العدد هنا

https://anfaspress.ma/alwatan/voir/427-2026-02-24-02-28-41