هوس الاستهلاك في رمضان بالمغرب: أرقام ودلالات في ظل غلاء الأسعار
لا يقتصر التحول في إيقاع الحياة اليومية للمغاربة، خلال شهر رمضان، على الجانب التعبدي، بل يمتد إلى بنية الاستهلاك الغذائي، فتتحول الأسواق إلى فضاءات نابضة بالحركة، كما ترتفع النفقات الغذائية، إلى درجة أن بعض المراكز التجارية تحقق زيادات في رقم معاملاتها تصل إلى 50% خلال الأسبوع الأول فقط من هذا الشهر.
ففي ظل سياق اقتصادي يتسم بارتفاع أسعار المواد الأساسية، وتضخم غذائي تراوح في فترات معينة بين 8 و12%، يبرز مشهد يبدو متناقضا في ظاهره: وعي واسع بغلاء المعيشة يقابله إقبال مكثف على التبضع والشراء، وتنوّع في الأصناف المعروضة على الموائد، مما يعكس رغبة الأسر في تحقيق "الإفطار الكامل": (الحريرة، الحليب، الشباكية، البريوات، سلو، العصائر المتعددة، أصناف التمر، السمك، اللحوم البيضاء والحمراء.. إلخ).
هذه المفارقة تكشف عن عمق البعد الثقافي والاجتماعي للاستهلاك الرمضاني لدى المغاربة، كما تطرح أسئلة عميقة حول العلاقة بين المستهلك والسوق خلال شهر رمضان. ومن هنا تنبع أهمية تفكيك هذا الهوس الاستهلاكي عبر مقاربة رقمية وتحليلية، ترصد التحولات الكمية، وتقرأ دلالاتها في سياقها الأوسع، كما يلي:
أولا: التحول في الإنفاق: يشهد شهر رمضان في المغرب تحوّلا كمّيا واضحا في بنية الاستهلاك الغذائي، حيث ترتفع النفقات الأسرية المرتبطة بالمواد الغذائية بنسب تتراوح بين 25 و40 في المائة مقارنة بباقي شهور السنة، وفق تقديرات مهنيين في قطاع التوزيع. هذا الارتفاع يرتبط بتغيّر نمط الوجبات، وتعدّد الأطباق على مائدة الإفطار، وتزايد الإقبال على مواد موسمية بعينها. الأسر التي تخصص في الأشهر العادية ما بين 1500 و2500 درهم للغذاء، ترفع ميزانيتها في رمضان إلى ما بين 2500 و4000 درهم، بينما تتجاوز بعض الأسر في المدن الكبرى سقف 6000 درهم خلال الشهر، الأمر الذي يعكس انتقالا إلى استهلاك موسمي مكثف، تتحكم فيه اعتبارات رمزية واجتماعية تتجاوز الحاجة البيولوجية المباشرة.
ثانيا: ثقل المائدة الرمضانية: تحتل المواد الأساسية صدارة لائحة المشتريات، حيث يرتفع الطلب على الدقيق بنسبة تقارب 30 في المائة، وعلى السكر بما يناهز 20 في المائة، وعلى الزيوت النباتية بما يقارب 25 في المائة خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من الشهر. كما أن استهلاك التمور يعرف قفزة لافتة، إذ يتضاعف تقريبا مقارنة بباقي الفترات، مع متوسط استهلاك يتراوح بين 3 و5 كيلوغرامات للأسرة الواحدة خلال رمضان. أما اللحوم الحمراء فتسجل بدورها ارتفاعا في الطلب يتراوح بين 15 و25 في المائة، رغم أن أسعارها تتجاوز في بعض المدن 100 درهم للكيلوغرام.
ثالثا: عوامل إعادة تشكيل سلوك التبضع: تراوح معدل التضخم الغذائي في السنوات الأخيرة تراوح بين 8 و12% في بعض الفترات، مع تسجيل زيادات أكبر في بعض المواد الطازجة كالخضر والفواكه. سعر الطماطم، على سبيل المثال، قفز في مواسم معينة من 3 دراهم إلى أكثر من 10 دراهم للكيلوغرام، بينما ارتفع سعر البيض بنسبة تقارب 30 في المائة خلال فترات الضغط الموسمي. ورغم ذلك، تشير معطيات مهنية إلى أن حجم المشتريات الإجمالي يرتفع في رمضان، ما يعني أن الزيادة السعرية لم تؤد إلى تقليص حاد في الكميات المقتناة، بل دفعت إلى إعادة توزيع النفقات داخل السلة الاستهلاكية.
رابعا: منطق التخزين: تسجل المراكز التجارية الكبرى خلال الأسبوع الأول من رمضان ارتفاعا في رقم معاملاتها يتراوح بين 35 و50 في المائة مقارنة بالأسبوع نفسه من شهر عادي. كما أن بعض سلاسل التوزيع تعلن عن بيع آلاف الأطنان من السكر والدقيق في ظرف أيام معدودة، مع تسجيل ذروة في اليومين السابقين لبداية الصوم. بل إننا نلاحظ أن عربات التسوق تمتلئ بمنتجات تتجاوز الحاجة اليومية، ويصل متوسط عدد المواد في العربة الواحدة إلى ما بين 40 و60 منتجا في بعض الفترات، مقابل معدل يتراوح بين 20 و30 منتجا في الأيام العادية.
خامسا: الطقس الغذائي الثابت: يقدر مهنيون في بعض المدن الكبرى زيادة المبيعات اليومية من الحلويات بنسبة 60 في المائة خلال الأيام العشرة الأولى من رمضان. كما أن باعة الشباكية والحلويات التقليدية يحققون في هذا الشهر ما يمثل أحيانا 30 في المائة من مداخيلهم السنوية، ويتراوح سعر كيلوغرام "الشباكية" بين 35 و70 درهما حسب الجودة والمنطقة (وفي حالات استثنائنية تصل إلى 150 درهم للكيلو)، ومع ذلك تقتني الأسر كميات قد تصل إلى 2 أو 3 كيلوغرامات دفعة واحدة. كما أن سعر سلو قد يصل إلى 150 درهم للكيلو الواحد.
سادسا: الهدر الغذائي: تشير تقارير وطنية حول النفايات المنزلية إلى أن كمية النفايات العضوية ترتفع في رمضان بنسبة تقارب 20 إلى 30 في المائة مقارنة بباقي السنة. كما أن تقديرات غير رسمية تتحدث عن أن ما بين 15 و25 في المائة من الطعام المعدّ للإفطار ينتهي في سلال القمامة. ويعكس هذا الرقم يعكس فجوة بين ما يُقتنى ويُحضّر وبين ما يُستهلك فعليا، مما يعني أن رغبة الأسر في تنويع المائدة تسهم في إنتاج هذا الفائض، الذي يتحول إلى عبء بيئي واقتصادي في آن واحد.
سابعا: القروض الصغيرة والمدخرات: لتحمل العبء الاستهلاكي، تتوجه الطبقة المتوسطة إلى القروض الصغرى، مما يعكس ضغطا فعليا على الميزانيات المنزلية. فإذا علمنا أن متوسط الدخل الشهري لهذه الفئة يتراوح بين 5000 و9000 درهم في المدن الكبرى، ومع تخصيص ما بين 40 و50 في المائة من الدخل للغذاء خلال رمضان، فإن الهوامش المخصصة لباقي النفقات تتقلص بشكل ملحوظ. كما تلجأ بعض الأسر إلى الادخار المسبق خلال شهرين أو ثلاثة قبل رمضان، حيث تدخر ما بين 500 و1000 درهم شهريا لتغطية المصاريف الإضافية.
ثامنا: الإعلانات التجارية: يسهم إمطار المشاهدين المغاربة بالإعلانات (شاشات التلفاز، ولوحات الشوارع) في تضخيم النزعة الاستهلاكية، ذلك أنها إعلانات تعرض كلها صور موائد فاخرة وعروض ترويجية مغرية ورسائل تحفّز على الشراء. كما أن اللغة الإعلانية تستثمر في القيم العائلية والروحانية، وتربط بين المنتج وبين لحظة الإفطار الدافئة، مما يخلق بيئة رمزية تحفّزعلى الاستهلاك، وتغذي الرغبة في محاكاة الصور المعروضة. أضف إلى ذلك أن العروض التي تقدمها الأسواق الكبرى.
تاسعا: التفاعل الافتراضي: تساهم وسائل التواصل الاجتماعي في تغذية النزعة الاستهلاكية عبر صناعة نموذج بصري للمائدة المثالية. ذلك أن مقاطع الفيديو الخاصة بالوصفات الرمضانية تحقق في بعض الصفحات المغربية ما يفوق مليون مشاهدة خلال أيام قليلة، كما تتحول بعض المؤثرات والمؤثرين في مجال الطبخ إلى علامات تجارية تحقق مداخيل إعلانية معتبرة، وتتحول إلى محفز واقعي لاقتناء مزيد من المكونات وتوسيع لائحة المشتريات، مما يخلق معيارا جماليا جديدا، حيث ترتبط جودة التجربة الرمضانية بتنوّع الأطباق وجاذبية عرضها.
عاشرا: العمل التضامني الخيري: تستقبل موائد الإفطار الجماعي يوميا مئات الأشخاص في بعض المدن، ما يعكس وجها تضامنيا موازيا للنزعة الاستهلاكية الفردية، كما توزع آلاف القفف الغذائية سنويا عبر جمعيات محلية ووطنية تراكم سلعا غذائية بالأطنان، وتتراوح قيمة القفة الواحدة بين 150 و300 درهم، وتضم مواد أساسية تكفي أسرة صغيرة لأسبوع أو أكثر.
تأسيسا على كل ذلك، يتضح أن هوس الاستهلاك في رمضان يكشف عن بنية ثقافية واجتماعية ونفسية متجذرة، تتداخل فيها الرمزية الدينية مع التمثيل الاجتماعي والضغط الاقتصادي. غير أن ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد ويزيد الطين بلة على هذا الهوس الاستهلاكي هو المنحى التصاعدي للتبضع أمام تقلبات السوق وغلاء الأسعار، بما فيها ارتفاع كلفة اللحوم بأنواعها والأسماك والخضر والفواكه والزيوت، مما يفرض ضغطا حقيقيا على ميزانيات الأسر، ومن هنا تأتي مفارقة تزامن الوعي بغلاء المعيشة مع استمرار السلوك الاستهلاكي المرتفع، الأمر الذي يكشف حجم التفاوت الاجتماعي بالنظر إلى تحول الاستهلاك إلى لغة اجتماعية.
وإذا كانت المدن الكبرى مثل الدار البيضاء والرباط ومراكش وفاس ومكناس وطنجة وأكادير تشهد ذروة هذا الهوس، حيث تتسع الفجوة بين العرض والطلب، وتتحول مراكز التسوق إلى فضاءات مزدحمة، فإن القرى وبعض المدن الصغيرة ما زالت تحتفظ بإيقاع أكثر هدوءا، حيث يظل السوق التقليدي مركز الثقل، وتبقى العلاقات الشخصية بين البائع والمشتري حاضرة بقوة، ما يعني أن مغاربة القرى والمدن الصغيرة ما زالوا ينتهجون الاقتصاد في المشتريات، ويمارسون نمطا استهلاكيا يقوم على التخطيط المسبق عبر تحديد قائمة دقيقة وتجنب الشراء العفوي.
تفاصيل أوفى تجدونها في العدد الجديد من أسبوعية " الوطن الآن"
رابط العدد هنا