نظم مركز ابن خلدون للدراسات والأبحاث الإدارية والمالية بالشراكة مع الشبكة الدولية للباحثين أولى حلقاته النقاشية الرمضانية يوم السبت 21 فبراير 2026، حول موضوع: "ظاهرة تشغيل الأطفال بالمغرب: مقاربة قانونية واجتماعية". وقد تم بث الحلقة مباشرة عبر الصفحات الرسمية للهيئتين على فيس بوك، تحت إشراف كل من يونس مليح، أستاذ القانون العام ومدير مركز ابن خلدون، وبدر بوخلوف، أستاذ القانون العام ومنسق الشبكة الدولية للباحثين، فيما تولى نبيل الكط، أستاذ القانون الخاص بكلية العلوم القانونية والسياسية بالقنيطرة، تنشيط النقاش.
تميزت الحلقة بمشاركة عدد من الأساتذة والباحثين، إلى جانب مفتشي الشغل، الذين أضفوا بعداً عملياً على النقاش من خلال إبراز التحديات اليومية التي تواجههم أثناء محاولاتهم لمحاصرة الظاهرة على أرض الواقع.
التعقيد القانوني والاجتماعي لتشغيل الأطفال
افتتح النقاش صلاح الدين عياش، مفتش الشغل وعضو المكتب الوطني للنقابة الوطنية المستقلة، مؤكداً أن تشغيل الأطفال يمثل قضية معقدة من الناحية الاجتماعية والقانونية والحقوقية. وأوضح أن هناك جهوداً كبيرة تبذل على مستوى الجهات الرسمية والمجتمع المدني لمحاصرة الظاهرة، لكن التطبيق العملي يواجه صعوبات كبيرة بسبب ضعف الإمكانات المادية واللوجستية لجهاز التفتيش، حيث يقوم بعض المفتشين بزيارات تفتيشية على نفقتهم الخاصة ومن دون تعويض. وأشار إلى أن مراجعة النظام الأساسي لمفتشي الشغل ومرسوم التعويض عن الجولان وتوفير وسائل العمل الملائمة تعتبر خطوات ضرورية لضمان فاعلية الرقابة على تشغيل الأطفال.
وأضاف عياش أن تقارير المندوبية السامية للتخطيط تشير إلى أن نحو 100 ألف طفل يلجون سوق الشغل، بينهم أكثر من 78 ألف طفل في العالم القروي، ما يزيد من الضغط على جهاز التفتيش ويؤكد الحاجة إلى تعزيز الدعم المادي واللوجستي والاستقلالية الوظيفية والحماية القانونية للمفتشين.
البعد الاقتصادي لتشغيل الأطفال
من جانبه، ركز مروان بوسيف، أستاذ القانون الخاص، على البعد الاقتصادي للظاهرة، موضحاً أن تشغيل الأطفال غالباً ما يرتبط بنقص اليد العاملة في المصانع. إلا أن الواقع المغربي مختلف، حيث تتوفر اليد العاملة البالغة بينما تواجه بعض المصانع والشركات تحديات في التوظيف. وأكد أن تشغيل الأطفال في سياق البطالة المرتفعة للكبار لا يعتبر منطقياً اقتصادياً، وأن النصوص القانونية بحاجة إلى تعزيز زجري واضح لقطع الطريق على هذه الممارسات.
الصعوبات الميدانية لمفتشي الشغل
سلط فهد حجو، مفتش الشغل وعضو المكتب الجهوي، الضوء على التحديات العملية التي تواجه المفتشين، مشيراً إلى نقص الموارد البشرية واللوجستية، والعمل في أماكن خطرة، وصعوبة إقناع المشغلين بضرورة إخراج الأطفال من العمل. كما أوضح أن بعض الأطفال يرفضون الانسحاب من العمل قبل حضور أولياء أمورهم، بينما يضع بعض الآباء أطفالهم في ورشات خطرة لأغراض التدريب أو المساعدة المالية، ما يزيد من تعقيد الظاهرة ويبرز الحاجة إلى حلول متكاملة تشمل جميع الجهات المعنية.
التحديات القانونية
أما مريم خراج، أستاذة القانون الخاص، فقد تناولت التعقيدات القانونية المرتبطة بحقوق الأطفال، مؤكدة التناقض بين السن المدني و"سن الرشد الشغلي" الذي يسمح للقاصر بعقد العمل. وأوضحت أن عقد الشغل للقاصر يعتبر من قبيل "التصرفات النافعة" لكن قد يحمل مخاطر على التعليم وحرية الطفل، مما يطرح تساؤلات حول مدى شرعية هذا التمييز بين السن المدني وسن التشغيل. وأكدت خراج على ضرورة تبني مقاربة براغماتية لتقنين تشغيل الأطفال في حدود حماية خاصة، مع ضمان استمرار التعليم والتدرج المهني الطبيعي، لتقليل المخاطر القانونية والاجتماعية.
الأبعاد المجتمعية لتشغيل الأطفال
اختتمت الحلقة بمداخلة عزيز فاز، عضو اللجنة الإدارية للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، الذي أبرز أن تفشي تشغيل الأطفال مرتبط بالأبعاد التالية :
البعد المدرسي: ضعف المدرسة العمومية وارتفاع الهدر المدرسي، إذ يغادر نحو 300 ألف تلميذ مقاعد الدراسة سنوياً.
البعد الاقتصادي: انتشار الاقتصاد غير المهيكل، ما يوفر فرص عمل للأطفال في ظروف خطرة وغير آمنة.
البعد الاجتماعي: الهشاشة والفقر متعدد الأبعاد، بما يشمل الصحة، السكن، مستوى المعيشة وغياب الخدمات الأساسية، وهو ما يزيد من تعرض الأطفال للاستغلال.
وقد خلصت الحلقة إلى أن معالجة ظاهرة تشغيل الأطفال تتطلب جهداً متكاملاً يجمع بين الجانب القانوني، الرقابي، الاجتماعي والاقتصادي، مع ضمان حماية الأطفال وحقهم في التعليم والحياة الكريمة، وتوفير الإمكانات المادية واللوجستية لمفتشي الشغل لتفعيل دورهم على أرض الواقع بفاعلية.