ماذا يعني نشر إعلان الرباط بشأن نـزع السلاح والتسريح وإعادة إدماج الأطفال المجندين كوثيقة مشتركة لمجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة؟
يشكّل يوم 12 فبراير من هذا العام منعطفًا نوعيًا يميّزه بوضوح عن سابقاته. ففي شهر نونبر من سنة 2025، وبعد أربع سنوات من العمل المتواصل، والتحقيقات الميدانية التي أنجزها المركز الدولي للأبحاث حول الوقاية من تجنيد الأطفال في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا الوسطى، اجتمعت أكثر من أربعين دولة إفريقية في مدينة الرباط، عاصمة المملكة المغربية، وقد شكّل هذا اللقاء لحظة مفصلية جرى خلالها الارتقاء بآليات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج من تدابير استجابية ظرفية إلى أداة سياسات عمومية مُهيكلة ومستدامة. والتقى في هذا الإطار قادة سياسيون، ودبلوماسيون، وباحثون، وممثلو المجتمع المدني الإفريقي لاعتماد ما بات يُعرف بـ إعلان الرباط.
انعقد هذا الاجتماع الرفيع المستوى تزامنًا مع اليوم العالمي للطفل، ما أتاح فرصة محورية لتجديد الالتزام الجماعي بحماية حقوق الأطفال، ومنع تجنيدهم واستخدامهم من قبل الجماعات المسلحة، وتعزيز إعادة إدماجهم المستدام داخل مجتمعاتهم المحلية.
واعتمد إعلان الرباط في 20 نونبر 2025، ليُنشر رسميًا في 1 دجنبر 2025 كوثيقة مشتركة لكلٍّ من مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.
ما دلالة أن يُنشر إعلان الرباط بشأن نزع السلاح والتسريح وإعادة إدماج الأطفال المجندين كوثيقة مشتركة صادرة عن كلٍّ من مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة؟
إعلان الرباط الدولي بشأن نزع السلاح والتسريح وإعادة إدماج الأطفال المجندين نُشر إعلان الرباط باللغات الرسمية الست للأمم المتحدة بوصفه وثيقة مشتركة لمجلس الأمن والجمعية العامة. وقد أُدرج تحت البند 67 من جدول أعمال الجمعية العامة المعنون بـ "تعزيز وحماية حقوق الطفل"، كما سُجّل بوصفه وثيقة رسمية صادرة عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
ويُكرّس هذا الاعتراف المتعدد الأطراف المكانة والقيمة المؤسسية، داخل منظومة الأمم المتحدة، لمسارٍ يهدف إلى مكافحة استغلال الأطفال في النزاعات المسلحة. كما يؤكد الأهمية المركزية للبحث العلمي والعمل الميداني المتواصلين منذ تأسيس المركز الدولي للأبحاث حول الوقاية من تجنيد الأطفال بمدينة الداخلة في مارس 2022
تموقع إعلان الرباط الدولي:
يتمثل التحول الحاسم الذي شهده إعلان الرباط في انتقاله من مجرد تعبير عن نية أخلاقية إلى أداة راسخة من حيث الأساس المعياري، والمؤسسي داخل منظومة الأمم المتحدة، فلم يعد إعلانًا ذا طابع تصريحي فحسب، بل أصبح اليوم مدمجًا صراحة في البنية المؤسسية للأمم المتحدة، عند نقطة التقاء الجمعية العامة ومجلس الأمن، ويمنحه هذا الارتكاز المزدوج وزنًا سياسيًا ومعياريًا ملموسًا، ويُدرجه في آن واحد ضمن مجالي حقوق الطفل والسلم والأمن الدوليين.
ومن خلال عمله عند هذا التقاطع، يؤكد إعلان الرباط أن منع تجنيد الأطفال، وضمان إعادة إدماجهم المستدامة لا يُعدان قضايا إنسانية هامشية، بل مرتكزات أساسية للسلم والأمن، كما يعزز هذا التموضع مبدأ عدم قابلية الفصل بين الحماية والوقاية والمساءلة في سياقات النزاع وما بعد النزاع المعاصرة.
وتتمثل إحدى الإسهامات الجوهرية للإعلان في بعده الإفريقي، لا بوصفه تكييفًا إقليميًا لمعايير عالمية، بل باعتباره مصدرًا للمبادرة الاستراتيجية وإنتاج المعايير. فالتجارب الإفريقية، المتجذرة في وقائع ميدانية موثقة على نطاق واسع، تُقدَّم بوصفها مساهمة في إغناء المعايير العالمية وتطويرها، لا مجرد الامتثال لها.
ويُسهم هذا النهج في مساءلة الاختلالات التقليدية في إنتاج المعايير، ويؤكد دور إفريقيا كـمنتِج للمعرفة الاستراتيجية ذات الصلة بالسياسات العامة الدولية.
وتستمد الوثيقة مصداقيتها الكاملة من التماسك الذي تقيمه بين الوقاية، والمسؤولية الجماعية وإعادة الإدماج المستدامة، إذ ترسم مسارًا متصلًا يربط جهود الوقاية المبكرة بأهداف بناء السلام على المدى الطويل، مع الاعتراف بإعادة الإدماج بوصفها عاملًا حاسمًا في التماسك الاجتماعي والشرعية المؤسسية ومنع العنف.
الارتكاز المؤسسي والشرعية الدولية:
إن إعلان الرباط، وتموقعه الآن في صميم ركائز الأمم المتحدة لا على هامشها، يعمل عند نقطة الالتقاء بين:
الجمعية العامة للأمم المتحدة، من خلال ارتكازه على الأطر المتعلقة بحقوق الطفل وحقوق الإنسان؛
ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، من خلال اتساقه مع ولايات السلم والأمن، بما في ذلك أجندة الأطفال والنزاعات المسلحة.
ويضمن هذا الارتكاز المزدوج أن يكون الإعلان:
ذا شرعية معيارية (الجمعية العامة)، ذا أثر سياسي ملموس (مجلس الأمن)، ومولِّدًا للمعايير، وقادرًا على الإسهام في توجيه تطورات سياسية وقانونية مستقبلية.
إعلان الرباط الدولي كأداة لتوجيه السياسات العامة:
يُقدَّم إعلان الرباط الدولي بشأن منع تجنيد الأطفال وإعادة إدماجهم المستدامة بوصفه أداة توجيه استراتيجي تهدف إلى تعزيز وتفعيل الأطر القائمة للأمم المتحدة المتعلقة بالأطفال والنزاعات المسلحة، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج. (DDR) وكذلك بناء السلام في مرحلة ما بعد النزاع.
وبدلًا من استحداث التزامات قانونية جديدة، يعمل الإعلان على توحيد وتنسيق وتطوير المعايير القائمة، من خلال تقديم إطار متكامل قائم على الوقاية، يربط بين الحماية الإنسانية ومتطلبات الأمن واستراتيجيات إعادة الإدماج المستدامة. ويعزز تموضعه الصريح عند تقاطع حقوق الطفل والسلم والأمن الدوليين الفكرة القائلة بأن الوقاية والحماية متلازمتان ومتكاملتان ولا يمكن الفصل بينهما.
القيمة المضافة لأجندة الأطفال والنزاعات المسلحة:
في إطار أجندة الأطفال والنزاعات المسلحة، يشكل الإعلان أداة مرجعية استراتيجية من شأنها أن
تعزز البعد الوقائي لآلية الرصد والإبلاغ.
تكمن جهود المساءلة من خلال معالجة العوامل البنيوية والاجتماعية والمؤسسية التي تؤدي إلى تجنيد الأطفال،
تسهم للتدخل المبكر، ومرونة المجتمعات المحلية، ومسؤولية الدولة بوصفها ركائز أساسية لحماية الطفل.
وبذلك، يسهم الإعلان في إحداث تحول تدريجي في أجندة الأطفال والنزاعات المسلحة، من مقاربة يغلب عليها الطابع التفاعلي إلى نموذج استشرافي قائم على الوقاية وإعادة الإدماج، دون الإخلال بمعايير المساءلة القائمة.
الأهمية التشغيلية لعمليات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج والسياقات ما بعد النزاع:
يوفر إعلان الرباط توجيهات سياسية واضحة لعمليات ما بعد النزاع والإنتقال المستدام حيث تظل مخاطر إعادة التجنيد مرتفعة.
إعادة الإدماج المستدام تمثل استثمارًا طويل الأمد في السلم والأمن، لا إجراءً مرحليًا قصير الأجل لتحقيق الاستقرار؛ حيث ينبغي مواءمة استراتيجيات أنظمة التعليم، وآليات الدعم النفسي-الاجتماعي، ومسارات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج و المصالحة المجتمعية، وفرص كسب العيش المستدامة.
ويعزز هذا النهج الاتساق بين الأهداف الأمنية لعمليات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج ومعايير حماية الطفل المتمحورة حوله للإسهام في استدامة السلام والوقاية.
يشدد الإعلان على أن منع تجنيد الأطفال وضمان إعادة إدماجهم المستدامة أمران لا ينفصلان عن تحقيق سلام دائم. وتُصوَّر إعادة الإدماج بوصفها:
مسؤولية جماعية تقع على عاتق الدول والمجتمعات المحلية والشركاء الدوليين؛
عاملًا حاسمًا في تحقيق الاستقرار الاجتماعي طويل الأمد وبناء الثقة المؤسسية؛
حاجزًا وقائيًا ضد دوامات التطرف والجريمة وتجدد النزاعات.
ويتقاطع هذا التصور بشكل وثيق مع التركيز المتزايد لمجلس الأمن على الوقاية والمرونة واستدامة السلام، بما يكمل ولايات بناء السلام وتحقيق الاستقرار.
المنفعة المؤسسية والأهمية الاستراتيجية:
بوصفه أداة لتوجيه السياسات العامة، يهدف إعلان الرباط الدولي إلى:
إرشاد مداولات ومشاورات مجلس الأمن الرسمية وغير الرسمية بشأن الأطفال والنزاعات المسلحة وعمليات.
دعم عمل الممثلة الخاصة للأمين العام المعنية بالأطفال والنزاعات المسلحة، واليونيسف، وإدارات عمليات السلام. (DPO) والشؤون السياسية وبناء السلام (DPPA) وسائر الفاعلين في مجال بناء السلام؛
توجيه الدول الأعضاء نحو إدماج متماسك للوقاية وحماية الطفل ضمن الاستراتيجيات الوطنية لعمليات .DDR وإصلاح قطاع الأمن، وبناء السلام
ومن خلال صياغته إطارًا متكاملًا يربط بين الوقاية والحماية والمساءلة وإعادة الإدماج، يعمل الإعلان كـأداة وصل استراتيجية تعزز التراكمات القائمة، وتفتح في الوقت ذاته المجال أمام تطوير إطار قانوني و سياسي دولي مستقبلي مكرس خصيصًا لمنع تجنيد الأطفال وضمان إعادة إدماجهم المستدامة.
ويمثل إعلان الرباط إضافة إفريقية مُكمِّلة للأطر القانونية والمؤسساتية الدولية القائمة المتعلقة بحماية الأطفال، ويدعم الجهود المبذولة من قِبل الأمم المتحدة والتي تُجسَّد في القرارات المتتابعة الخاصة بموضوع الأطفال والنزاعات المسلحة. وقد عبّر الإعلان عن عزم الدول الإفريقية المشاركة في المؤتمر الوزاري بالرباط على إطلاق مسار لإعداد أداة إفريقية خاصة، على شكل اتفاقية بشأن منع تجنيد الأطفال الجنود وإدماجهم. ولتحقيق هذا الهدف، تم إطلاق مجموعة الأصدقاء لتجسيد هذا الطموح. وتُغني هذه المساهمة الإفريقية، التي تأتي في وقتها وبأهمية بالغة، جهود الأمم المتحدة الرامية إلى الوقاية والمكافحة على الصعيد القاري ضد تجنيد الأطفال الجنود واستخدامهم، وتعزيز التعاون الدولي الهادف إلى تقوية حمايتهم.
وتُكرّس هذه الاعترافية متعددة الأطراف، لعملية أطلقها المملكة المغربية من أجل مكافحة استغلال الأطفال في النزاعات المسلحة، قيمة ومكانة محتوى إعلان الرباط داخل الإطار الأممي.