mardi 10 février 2026
فن وثقافة

قراءات متقاطعة بسلا لكتاب " منهجية البحث العلمي في العلوم الإنسانية" للأستاذ عبدالله أبو إياد

قراءات متقاطعة بسلا لكتاب " منهجية البحث العلمي في العلوم الإنسانية" للأستاذ عبدالله أبو إياد جانب من اللقاء

احتضنت الخزانة الصبيحية بسلا في السادس فبراير 2026، لقاء علميا خصص لتقديم وقراءة كتاب " منهجية البحث العلمي في العلوم الإنسانية" لعبدالله أبو إياد أستاذ التعليم العالي والباحث في قضايا حقوق الإنسان ، بحضور المؤلف ومشاركة عدد من الفعاليات الجامعية والجمعوية، وطلبة باحثين.  

وفي بداية اللقاء الذي حضره مؤلف الكتاب، وتولى تنشيطه العربي بنساسي الأستاذ الزائر بماستر حقوق الإنسان بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، أشاد المصطفى حدية الأستاذ  بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية بأبو ظبي فبي كلمة مقتضبة بغنى المعلومات التي تضمنها هذا الكتاب الذي يفتح كذلك آفاق بحثية ومنهجية أمام المهتمين والباحثين ويعتبر بالنسبة لهم كدليل علمي ملاحظا أن المؤلف "لم يغرق في التنظير"، وأن الكتاب يشكل إضافة نوعية في مجال الإنتاج العلمي. كما قال " ما أحوجنا للمناهج وتقنيات البحث، وأن واقعنا المعقد الذي نعيشه لا نفهمه جيدا، وهذا ما يتطلب التسلح بمناهج في البحث العلمي، للتعرف بشكل أكبر وأفضل لهذا الواقع الذي يعرف تحولات متسارعة".

و عبر كريم أزماني مطر الباحث في علم الاجتماع السياسي، في معرض قراءته للمؤلف خلال اللقاء الذي نظمته جمعية أبواب سلا للتنمية والتضامن الاجتماعي ، عن اعتقاده بأن "الأنسنة والتحرر المعرفي" (ديمقراطية البحث)، من بين أهم الإضافات النوعية التي والتي دعا فيها المؤلف إلى "تحطيم احتكار المعرفة باعتبار أن البحث العلمي ليس حكراً على النخبة الأكاديمية أو المؤسسات الكبرى، بل هو "حق إنساني" ووسيلة للتحرر الفكري.  وأثار الانتباه إلى أن المؤلف يرفض وضع "سقوف" للتفكير، ويحث الباحث على أن يكون ناقداً للمنهج نفسه لا مجرد تابع له، مع القيام بنقد "التبعية المنهجية" للمدرسة الغربية، التي تنقل معظم كتب المناهج العربية نظرياتها كما هي، كما أن هذا الكتاب يضيف رؤية نقديّة حول "خصوصية الظاهرة الاجتماعية"، كما يجادل بأن تطبيق المناهج التي صُممت لمجتمعات غربية على البيئة العربية قد يؤدي لنتائج مضللة، لأن الإنسان كائن مرتبط بثقافة وعقيدة وتاريخ نوعي، مما يستوجب "توطين" المنهج لا مجرد "ترجمته".

​كما أكد المتدخل بأن الأستاذ عبد الله أبو إياد  الذي قام في مؤلفه بالربط الجدلي بين "الفلسفة" و"التقنية"، على خلاف ما تركز أغلب الكتب على الجانب التقني (العينة، الاستبيان، التحليل الإحصائي)، تمكن من إضافة البُعد الفلسفي لكل أداة، حيث لا يقف في تعاطيه مع التعريفات عند حد التعريف الاصطلاحي، بل يشرح لماذا نختار "التعريف الإجرائي" وكيف ينعكس ذلك على وعي الباحث بالظاهرة، مع تركيزه على مستوى المفاهيم على "سيكولوجية المفهوم" وكيف يتشكل في ذهن الباحث قبل أن يتحول إلى كلمة مكتوبة.

​وفي تعامله مع فلسفة "القياس" والمعيار القيمي، أكد الأستاذ مطر بأن صاحب الكتاب، أضاف طرحاً نوعياً حول معيار "الحقيقة" في البحث العلمي. فهو لا يرى الحقيقة مجرد أرقام إحصائية، بل يربطها بمدى ملامستها للواقع المعاش. كما يطرح تساؤلات فلسفية حول: ما الذي يجعل معلومة ما "صحيحة"؟ وهل المعيار هو العلم المجرد أم توافقها مع قيم المجتمع وتطوره؟ ولا يعتقد بمقولة الثبات العلمي بل يصوغ مفهوم الصلاحية العلمية ليترك مجال تقييم وتقويم نتائج البحث العلمي مفتوحا في الزمن.

​وتشكل إعادة الاعتبار للمنهج النقدي والتحليلي احدى الإضافات التي جاء بها المؤلف، إذ في وقت تغلب فيه "النزعة الكمية" (الأرقام والجداول) على البحوث، يعيد الأستاذ عبد الله أبو إياد  الاعتبار للمنهج الجدلي والتحليلي، انطلاقا من ايمانه بأن البحث هو "عملية فكرية مستمرة" وليس مجرد ملء استمارات، ويشجع الباحث على استخدام "الشك المنهجي" للوصول إلى أعماق الظواهر الاجتماعية، فضلا التركيز على "بناء الباحث" لا "بناء البحث" فقط، وذلك عبر  تكوين شخصية الباحث (الباحث المفكر)، إذ أن  الإضافة هنا هي في تنمية قدرة الباحث على "التفسير" وليس فقط "الوصف".

إن " الكتاب يعلمك كيف تسأل "لماذا" وكيف حدث ذلك، بدلاً من الاكتفاء بسؤال "ماذا" حدث، وهذا ما يدفع المؤلف بالحديث مرارا وتكرارا عن تفضيله وترجيحه المنهج التدخلي في دراسته الظاهرة العلمية لأنه يعتقد بل يجزم أن وظيفة العلم والعالم لا تقف عند حدود الوصف والتشخيص بل يجب أن تتعداها إلى التدخل والإصلاح والمساهمة في التغيير على اعتبار أن الباحث لا يقف معزولا عن ظاهرة هو جزء منها، أي الظاهرة الإنسانية باسم الموضوعية والحياد العلمي التي باتت موضوع مراجعة حتى في العلوم الطبيعية بله العلوم الإنسانية، كما سجل الأستاذ مطر.

وخلص المتدخل إلى القول بأن كتاب أبو إياد العلوي  "مانيفستو" أو بياناً فكرياً يدعو لإعادة النظر في علاقتنا بالعلم، ويجعل من منهج البحث أداة لنهضة الأمة وليس مجرد متطلب أكاديمي لنيل درجة علمية، بينما تعتبر الكتب الأخرى "كتيبات إرشادية" (Manuals)، كما أنه لا يكتفي بسرد الخطوات الإجرائية التقليدية (كيف تكتب بحثاً)، بل يغوص في "المنطق" الكامن خلف هذه الخطوات متوقفا عند سرد  لأبرز الإضافات النوعية التي قدمها هذا الكتاب، والتي تجعله يختلف عن المؤلفات النمطية في مناهج البحث.

أما محمد شقور الباحث في حقوق الانسان، فتناول في قراءته للكتاب، شقيين رئيسيين أولهما ،خصوصية الكتاب من حيث التأليف والبناء والشكل وثانيهما الإضافات العلمية والمنهجية التي جاء بها الكتاب معتبرا أن الكتاب يؤكد بأن منهجية البحث في العلوم الإنسانية، ليست تقنية محايدة، بل مشروعا معرفيا وأخلاقيا متكاملا، يجعل من البحث أداة للفهم والتغيير في خدمة الإنسان مبرزا أن ما يمنح  هذا العمل قيمة مرجعية ويجعله جديرا بالمصاحبة العلمية حرصه على الجمع بين البعدين المعرفي والتطبيقي، وذلك اعتمادا على رصيد علمي وتجربة بحثية راسخة.

وفي هذا الصدد ذكر بأن القيام بقراءة علمية في كتاب ما، لابد للقارئ من إلمام سابق بمؤلفات أخرى في الموضوع نفسه، قصد ادراك موقع الكتاب داخل الحقل المعرفي الذي ينتمى إليه. وغالبا ما يوجه التأليف في مناهج البحث لطلبة الجامعة عبر كتب تمهيدية من قبيل الوجيز، المدخل، الشامل. غير أن كتاب عبدالله أبواياد يميز نفسه بنفسه بجمعه بين التبسيط من جهة والتعمق من جهة أخرى، إذ يقدم أمثلة في متناول القارئ، تتسم بالابتكار وخروجها عن النمط المألوف، مع تفصيل دقيق لكل نقطة، وبيان للفروق بين المفاهيم المتقاربة، وإسهاب منهجي يجعل الكتاب صالحا للمبتدئ، ومرجعا معينا للباحث الراغب في التعمق.

ولاحظ بأن عنوان  " منهجية البحث العلمي ..."، كان واضحا ومباشرا، ويحيل على الصرامة والقواعد والأدوات، مع تحديد مجال العلوم الإنسانية وذلك رفعا لأي لبس مع العلوم التجريبية، مع العلم بأن العنوان يؤدى وظيفة إخبارية تعريفية خالصة، منسجمة  مع طبيعة الكتب المنهجية.

يتضمن كتاب « منهجية البحث العلمي في العلوم الإنسانية» الواقع في أزيد من 300 من القطع المتوسط، ثمانية فصول، هي أهمية البحث العلمي في الدراسات الإنسانية والبحث في الظاهرة الإنسانية، ومناهج البحث وإعداد خطة فيها، وأهمية المعلومات ودورها في البحث العلمي وعيناته فضلا عن أدوات جمع البيانات في البحوث العلمية والعمليات الإحصائية.