من الملاعب إلى الشاشات، ومن الرباط إلى باريس وبروكسيل ومونتريال وبرلين وكل بقاع العالم، توحدت نبضات مغاربة العالم في لحظة شعورية كثيفة، جعلت من الأمة تجربة معيشة لا شعارًا سياسيًا.
كرة القدم كرافعة للانتماء الوطني
بطولة الأمم الإفريقية، التي نظمها المغرب على مستوى رياضي عالٍ، بانضباط كبير وتحت معايير احترافية عالية، انتهت بالنسبة للعديد من المراقبين بهزيمة في المباراة النهائية يُنظر إليها على أنها صعبة الفهم وغير عادلة.
كانت هذه الهزيمة مؤلمة بشكل خاص لأنها جاءت رغم اعتبار المغرب أحد المرشحين القويين للفوز، بالنظر للأداء المتميز والإمكانيات الهائلة التي يتوفر عليها المنتخب المغربي. ومع ذلك، فإن هذا الإحباط الرياضي أحدث تأثيرات تتجاوز الشعور بفقدان اللقب. فغياب التتويج كشف عن واقع اجتماعي هام: ففي الوقت الذي ضاع فيه اللقب على المستوى الرياضي، تحققت مكاسب حاسمة على مستوى آخر – وهو تعزيز ملموس للشعور الجماعي بالانتماء. في هذا السياق، لعبت كرة القدم دورًا كبيرا كأداة قوية لتعزيز اللحمة الوطنية، متجاوزةً الحدود الإقليمية. لقد عملت البطولة كعامل محفز اجتماعي عابر للفروق بين الجنسين، والطبقات الاجتماعية والمجالية والجيلية، مشكلة بذلك لحظة تكثيف للانتماء الوطني.
الأمة كمجتمع متخيَّل
وقد ردد العديد من المواطنين والمواطنات النشيد الوطني بحماس واضح، وتحولت الأماكن العامة إلى فضاءات للمشاعر المشتركة، وحصلت الرموز الوطنية على دلالات جديدة محملة بالعواطف. في هذه اللحظات، لم يُنظر إلى المغرب كدولة فقط، بل كهوية مشتركة. وفقًا لعالم السياسة والمؤرخ الإيرلندي ـ الأمريكي بنديكت أندرسون، يمكن فهم الأمة هنا على أنها "مجتمع متخيل" (imagined community)، أي كجماعة مشتركة عاطفيًا لا تقوم على القرب المكاني، بل على التزامن الرمزي. لا يعني أندرسون بذلك أن الأمم "مختلقة" بشكل عشوائي، بل لها بنية اجتماعية. لا يعرف أفراد الأمة بعضهم البعض بشكل شخصي، لكنهم يشتركون في تصور أنهم جزء من "نحن" الجماعي. خلال البطولة، تم تحديث هذا التصور وتعزيزه. إذ أسهم النشيد الوطني، والحماس الجماعي المتزامن، والتزامن الإعلامي في توليد إحساس بالحضور الوطني طغى مؤقتًا على الفوارق الاجتماعية، والجهوية، والجيلية. ففي تلك اللحظات، لم تكن الأمة موضوعًا للإدارة أو التنظيم، بل كانت تجربة معيشة تُختَبَر شعوريًا وجماعيًا. لقد جعلت كرة القدم هذه الجماعة المتخيلة ملموسة جسديًا – في الملاعب، وأمام الشاشات ومن خلال المشاعر الجماعية المتزامنة. لم تُفهم الهوية الوطنية هنا بوصفها فكرة ذهنية فحسب، بل جرى الإحساس بها وتجسيدها جسديًا.
مغاربة العالم والهوية السائلة
ففي كرة القدم، تتكثف الأمة باعتبارها نظامًا رمزيًا، حيث لا تُشرح مشاعر الانتماء أو تُبرَّر عقلانيًا، بل تُنتَج وتُعاد صياغتها أدائيًا من خلال الممارسة، والطقوس، والمشاركة الجماعية. كان الأثر على مغاربة العالم، خصوصًا الأطفال والشباب من الجيل الثاني والثالث وحتى الرابع الذين نشأوا في مجتمعات الهجرة، بارزًا للغاية. العديد منهم ولدوا في أوروبا أو أمريكا الشمالية ولا يتحدثون غالبًا العربية الفصحى، بل الدارجة المغربية، والأمازيغية، ولغة بلد الميلاد. ومع ذلك، أبدوا خلال البطولة ارتباطًا عاطفيًا قويًا ببلد أصول والديهم وأجدادهم، وقد ظهر هذا الانتماء بغض النظر عن الكفاءة اللغوية أو الجنسية التي يحملونها. إذ لوحظ أن شباب مغاربة العالم قاموا بكتابة كلمات النشيد الوطني بالحروف اللاتينية ليتمكنوا من ترديده – وهو عمل رمزي عالي القيمة للتملك والانتماء.
حيث يُبرز هذا المعطى إحدى الخلاصات المركزية في سوسيولوجيا الهجرة : مفادها أن الانتماء لا يُختزل في نقاء ثقافي أو تطابق معياري، بل يُنتَج ويُعاد إنتاجه أدائيًا عبر الممارسة الاجتماعية. فدور المدرب جدير بالذكر، فهو الآخر ينتمي للجيل الثاني، نشأ في أوروبا ويتحدث الدارجة فقط. تعكس سيرته الشخصية الديناميات العابرة للحدود للدياسبورا المغربية. ورغم نشأته في فرنسا، يظهر ارتباطًا عاطفيًا ورمزيًا واضحًا بوطن أصول والديه. وظهر ذلك بشكل جلي في كأس العالم 2022، وتعزز في بطولة إفريقيا.
نفس الشيء بالنسبة للعديد من اللاعبين ذوي البيوغرافيات المشابهة الذين فضلوا اللعب مع المنتخب المغربي بدلًا من منتخبات بلدان ميلادهم. هذا يوضح، رياضيًا ورمزيًا، أن الانتماء والولاء لا يتحدد فقط بمكان الولادة أو اللغة أو الجنسية. بل تصبح الهوية الوطنية عابرة للحدود، تنتج عبر التفاعل بين عدة أوطان وهويات وتجارب حياة فردية.
كرة القدم كرأسمال رمزي
من منظور سوسيولوجي، يمكن تفسير هذا الظاهرة على أنها هوية سائلة. تتحرك الأجيال المعنية عبر الحدود بين بلدان أصول الآباء والأجداد ومجتمعات مسقط رأسهم، بين أنظمة مرجعية ثقافية ولغوية وولاءات مختلفة. وقد وصف في الماضي هذا الانتماء المتعدد غالبًا كعائق أو صراع، تحت تسمية "الهوية المزدوجة".
يصف العالم الاجتماعي الأمريكي ستيفن فيرتوفك هذا الوضع من خلال مفاهيم عابرة للحدود (Transnationalism) والتنوع الفائق (Super-Diversity) . إن الهوية والممارسات الاجتماعية والولاءات تتجاوز الحدود الوطنية ولا يمكن اختزالها في إطار وطني واحد. يظهر الفرد هنا ككيان سائل، يتطور باستمرار في اتجاهات جديدة. وقد أظهر كأس الأمم الإفريقية هذه الترابطات العابرة للحدود بوضوح. فالأمة لم تظهر على شكل إما هذا أو ذاك، بل كـ "كلاهما معًا"، متوافقة مع عوالم حياة متعددة، على غرار "قلبان في صدر واحد".
من منظور بورديو، يمكن فهم كرة القدم هنا كفضاء لرأس المال الرمزي. إن الأعلام الوطنية، والمشاعر الجماعية والتمثيل الرياضي يولد الاعتراف، والانتماء والمعنى الاجتماعي. بالنسبة لمغاربة العالم، تمثل هذه المشاركة الرمزية شكلًا مشروعًا من التملك الهوياتي، لا يتطلب الانصهار أو الاقصاء.
المشاركة في السردية الوطنية تصبح موردًا، وإثراءً، وكفاءة، وليس صراع ولاءات. تُظهر التجربة الجماعية لكأس الأمم الأفريقية أن الهوية الهجينة ليست مجرد تحدٍ، بل مصدر اجتماعي. فهي تمكّن من الانتماء عبر الحدود وتخلق جسورًا عاطفية بين الدولة الوطنية، والدياسبورا والواقع الحياتي الفردي. كما يبرز هذا الحدث من منظور سياسي، القوة التكاملية للرياضة.
إن كرة القدم تعمل كفضاء تواصل عابر للحدود ومنخفض العتبة، حيث تُعاد صياغة السردية الوطنية وتتمطط بشكل شامل. كما يبرز سفر العديد من مغاربة العالم خصيصًا لحضور نصف النهائي والنهائي عمق هذا الارتباط العاطفي والسياسي، متجاوزًا تصنيفات المواطنة الكلاسيكية أو الإتقان اللغوي.
حتى وإن لم يفز المغرب بكأس الأمم، تحقق مكسب اجتماعي وسياسي جوهري: وهو تعزيز الوعي الوطني العابر للحدود الذي يعتبر الدياسبورا جزءًا أساسيًا من الأمة وليس هامشيًا. ففي زمن تزايد الحركة والتنقل وتعدد الانتماءات، يقدم هذا النموذج إجابة مستقبلية حول كيفية التفكير في الأمة، والمشاركة والانتماءات المتعددة بشكل جماعي.
د صورية موقيت: باحثة في علم الاجتماع وخبيرة في قضايا اللامساواة العالمية. تشتغل على موضوعات الهجرة، وديناميات ما بعد الاستعمار، والعدالة الاجتماعية، مع التزام واضح بمناهضة العنصرية. وتدافع عن شراكات دولية قائمة على المساواة، والتضامن، والاعتراف بالخبرات المحلية. وبفضل التزامها من أجل الديمقراطية وتعزيز المشاركة، مُنحت وسام الاستحقاق للجمهورية الألمانية سنة 2016.