رغم أمطار الخير التي عرفها المغرب منذ شهر دجنبر الماضي وشهر يناير 2026، والتي استبشر بها المغاربة خيرا بعد 7 سنوات من الجفاف، إلا أنها لم تؤثر بشكل واضح على عدد من المواد الغذائية الأساسية التي يقبل عليها المواطنين، خاصة قبل شهر رمضان الكريم، فباستثناء زيت الزيتون الذي عرفت أسعاره تراجعا مهما مقارنة بالسنوات الثلاث الأخيرة، فإن باقي المواد الغذائية الأساسية تعرف ارتفاعا ملحوظا، خاصة أسعار سمك السردين، والخضر، واللحوم.
في هذا السياق، أوضح ياسين اعليا، خبير اقتصادي وباحث في السياسات العمومية، ل "أنفاس بريس"، أن استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية بالرغم من التساقطات المطرية، يمكن تفسيره على أنه أمر طبيعي في المرحلة الراهنة، بحكم أن الأثمنة المرتفعة تعكس وضعية السوق التي تعرف نوعاً من الندرة. فبالنظر إلى صعوبة ولوج الحقول حالياً من أجل الجني وتوفير الخضر والمواد الغذائية، فإن عملية التزويد أصبحت معقدة، مما يجعل الأسواق تعتمد أساساً على المخزونات المتبقية من الفترات السابقة. ومع هذه الندرة، يرتفع بشكل طبيعي ثمن الخضر والفواكه.
إلى جانب ذلك، يتابع الخبير الاقتصادي، تطرح مسألة المضاربة في الأسواق نفسها بقوة، إذ إن تنظيم أسواق الخضر والفواكه في المغرب يخضع لكثير من المضاربات التي تكرّس الريع، من بينها بعض الضرائب غير المفهومة، كضريبة “المربعات” في أسواق الجملة التي قد تصل إلى 7 في المائة، والتي يستفيد منها البعض دون أن يساهموا فعلياً في خلق الثروة.
ومن جهة أخرى، يقول محاورنا، فإن تبعات الإنتاج خلال الفترات السابقة ما تزال تلقي بظلالها على السوق، غير أنه من المنتظر أن تشهد الأثمنة تراجعاً تدريجياً في الفترات المقبلة مع تحسن ظروف السقي وعودة مساحات واسعة إلى الإنتاج بعد أن كانت متضررة بفعل الجفاف، وهو ما سيساهم في رفع العرض.
غير أن إشكالاً بنيوياً يظل مطروحاً، ويتعلق بطبيعة الفلاحة المغربية التي أصبحت في جزء كبير منها فلاحة سوقية موجهة نحو التصدير أكثر من تلبية حاجيات السوق الداخلية، مما يعني أن آثار التساقطات قد يستفيد منها الخارج عبر ارتفاع الصادرات الفلاحية، أكثر مما يستفيد منها المستهلك المغربي. ويأتي ذلك في سياق التوجهات الحكومية وبرامج “المغرب الأخضر” و“الجيل الأخضر”، التي ركزت على الزراعات التسويقية الموجهة للأسواق الخارجية.
وفي ما يخص قطاع اللحوم، يبرز اعليا التناقض الواضح بين حجم الدعم العمومي الموجه إليه وبين استمرار ارتفاع الأسعار داخل السوق الوطنية، إذ لم ينعكس هذا الدعم، الذي قُدّر بحوالي 13 مليار درهم، على أثمنة اللحوم، مما جعل هذا القطاع عرضة للمضاربة والتوافقات بين الفاعلين، في ظل غياب آليات زجرية فعالة وآليات ضبط حقيقية من طرف الحكومة.
كما أن منع تشكيل لجان برلمانية لتقصي الحقائق بخصوص هذا الملف يؤشر على أنه يظل ملفاً مغلقاً ومعقداً، بفعل تداخل مصالح لوبيات اقتصادية مؤثرة داخل دوائر القرار، وهو ما ينعكس على مسار التشريع والإجراءات المتخذة لمواجهة الغلاء.
وخلص اعليا تصريحه بالقول، أنه من المرتقب أن تعرف الأثمنة بعض التراجع خلال الفترة المقبلة، غير أن العودة إلى مستويات ما قبل سنة 2022 تبقى أمراً صعباً، بحكم أن موجة التضخم التي عرفها العالم خلال السنوات الأخيرة جعلت من غير المرجح استرجاع الأسعار السابقة للمواد الغذائية.