رغم أن ولاية "ساوباولو" لا تمثل سوى 21% من مجموع سكان البرازيل، فإنها الولاية الأكثر تمركزا لعناصر الشرطة العسكرية، إذ تحتضن "ساوباولو" 130.000 فرد من جهاز الشرطة العسكرية من أصل 500 ألف شرطي عسكري بالبرازيل ككل، أي ما يمثل 26% من المجموع العام.
هذا العدد الهائل من الشرطة العسكرية لا يرتبط بكون "ساوباولو" هي الحاضن لعاصمة البلاد الاقتصادية، أو لكونها الولاية الأكبر ديمغرافيا مقارنة مع الولايات 26 الأخرى المكونة للاتحاد الفيدرالي، أو لكون معظم الحكام الذين تعاقبوا على تدبيرها يميلون لليمين أو لليمين النيوليبرالي. بل يرتبط بالأساس بكون مدينة"ساوباولو" كانت هي المدينة التي طبعت تاريخ الإجرام والعنف بالبرازيل منذ النصف الثاني من القرن العشرين إلى اليوم.
في الأدبيات الحضرية وعلم الإجرام، يتم إشهار مؤشرين بارزين لتفسير هذا المعطى:
المؤشر الأول: مرتبط بالانقلاب العسكري الذي أطاح بالحكومة الشرعية عام 1964وأرخ لبداية الحكم العسكري العنيف بالبرازيل. إذ في الحقبة الديكتاتورية التي امتدت إلى عام 1985، تم حقن جهاز الشرطة العسكرية بجرعات دموية لإخماد التوترات والاحتجاجات المدنية ضد العسكر من جهة، ولمطاردة الشيوعيين واليساريين من جهة أخرى. إذ استلهم العسكر آنذاك، روح المؤسسين الأوائل لجهاز الشرطة العسكرية عام 1831، وهي الروح التي جسدها الحق في إخماد الإضرابات التي كانت تشهدها البرازيل الصاعدة حينها، وبالتالي تم إعطاء الشرطة العسكرية في بدايات التأسيس،"لاكارت بلانش" لسحق كل صوت يتمرد على السلطة العمومية.
المؤشر الثاني: ( وهنا المفارقة): يتمحور حول تداعيات دمقرطة البرازيل بعد الإطاحة بالعسكر عام 1985، حيث أفرزت الدمقرطة تشظي في المجتمع البرازيلي، وبروز تفاوتات صارخة بين الفئات الاجتماعية من جهة، وبين أحياء باذخة الثراء وأحياء حاطة بكرامة الإنسان التي تفتقر إلى أبسط مقومات العيش الكريم من جهة أخرى.
فأنتج هذا الوضع انزلاقات إجرامية خطيرة بمدن البرازيل عامة و"بساوباولو" تحديدا، خاصة مع مطلع التسعينيات من القرن الماضي، حيث ارتفع منحنى القتل والسرقة والاختطاف والاعتداءات العنيفة.
فظهرت تنظيمات إجرامية وعصابات منظمة، أبرزها التنظيم الإجرامي المعروف باسم "PCC" الذي يعد دولة داخل دولة، ويتواجه مع جهاز الشرطة بعدد كبير من المنتسبين للتنظيم والمجهزين بأسلحة متطورة وبعتاد عصري، ويكبد الشرطة قتلى بالعشرات ( مثلا في أحداث 2001 و2006 و2012 و2015)، أبرزها ماحدث في سنة 2006، حيث تم قتل 45 شرطيا في المواجهة بين الشرطة العسكرية وعصابة PCC ، بينما قتلت الشرطة 493 فردا ينتمون لهذا التنظيم.
وهذا ما يفسر لماذا أن سؤال الأمن، مازال يؤطر النقاش العمومي بالبرازيل إلى اليوم، سواء لدى النخب أو لدى الفئات الاجتماعية العادية، مع فارق يتجلى في أن النخب( خاصة اليسارية والديمقراطية) تميل نحو المطالبة بالمزيد من تأطير تدخلات الشرطة العسكرية بأبعاد حقوقية وتلطيف التدخلات الأمنية العنيفة، بينما رجل الشارع العادي كلما رمق فردا من جهاز الشرطة العسكرية إلا ويحس بالأمان والاعتزاز لأنه يعتبر أفراد هذا الجهاز بمثابة جنود مسخرين في "مهمة مقدسة" و"مهمة سامية"، ألا وهي محاربة الإجرام والعصابات المنظمة.
لهذا السبب، ورغم خلق جهاز الشرطة البلدية(شرطة القرب) وتطعيمه بحوالي 7000 فرد بساوباولو لوحدها، مع وجود 30.000 شرطي مدني مختصين بالأساس في التحقيقات الجنائية وفي الأبحاث، ورغم لجوء المجمعات السكنية والشركات والأبناك والفنادق وباقي المرافق الخدماتية بساوباولو، إلى توظيف أزيد من 120.000 فرد في الأمن الخاص (بالبرازيل يوظف قطاع الأمن الخاص 432.000 فردا)، وتجهيز المدينة بآلاف الكاميرات وتسييج البنايات والميل نحو الأبواب المصفحة، فإن ذلك لم يدفع العديد من البرازيليين إلا إلى رفع الطلب على الأمن وعلى الحاجة لتقوية جهاز الشرطة العسكرية بالخصوص لمده بالمزيد من الموارد البشرية والسيارات المصفحة وبالسلاح والمعدات التقنية، مسنودين بالأرقام الرسمية التي تشير إلى خفض معدلات الجريمة في السنوات الخمس الأخيرة.
الاعتزاز بخدمات الشرطة العسكرية يرتكز إلى حجتين يشهرهما المواطن بساوباولو:
أولا: أن البرازيل حطمت رقمها القياسي في استقبال السياح. إذ في عام 2025 توافد على أرض السامبا 9 ملايين سائح (بارتفاع قدره 40% مقارنة مع السنة الماضية)، مما ضخ في اقتصاد البلاد 7 ملايير دولار. والمستفيد الأول كانت هي "ساوباولو" التي حج إليها 2،5 مليون سائح، متبوعة بمدينة "ريو ديجانيرو" التي استقبلت 1،4 مليون سائح، والباقي توزع على مدن وولايات أخرى.
ثانيا: أن البرازيل استقطبت في عام 2024 حصة الأسد من الاستثمارات الأجنبية.إذ بلغت 65 مليار دولار، وهو ما يمثل 40% من مجموع الاستثمارات الأجنبية التي تدفقت على مجموع أمريكا اللاتينية ومنطقة الكارايبي.