من أي زاوية يمكن مقاربة قرار الرئيس الأمريكي إنشاء ما أسماه "مجلس السلام العالمي" الذي ربما يسعى إلى أن ينسخ آلية هيئة الأمم المتحدة، دون الإساءة إلى حقيقة الوقائع العالمية في العقد الثالث من القرن 21؟.
لننطلق تحليليا من سؤال آخر:
هل هناك ضرورة وحاجة إلى قرار مماثل؟.
صعب جدا التموقع أمام أسئلة مماثلة.
ما هو مؤكد هو أن "آلية منظمة الأمم المتحدة" أصبحت متجاوزة فعليا منذ مدة (أقله منذ انهيار المعسكر الشرقي وما تلاه من حرب الخليج الأولى في بداية تسعينيات القرن 20).. حيث دخلت العلاقات الدولية مرحلة نظام عالمي جديد يبحث لنفسه عن "هوية"، عن "إطار تدبيري جديد"، أي عن "مرجعية". كانت من نتائجه الكبرى دخول العالم مرحلتين كبيرتين من أشكال "التنظيم الدولي" يمكن توصيفهما ب:
- مرحلة "القطبية الوحيدة" (مرحلة حكم الرئيس بوش الأب حتى مرحلة بوش الإبن، ما بين 1989 و2009، أي حوالي 20 سنة). التي حللتها بعمق عدد من الدراسات الأكاديمية الرصينة، مهم التذكير ببحث أمريكي لواحد من صناع الإستراتيجية الأمريكية، من ضمنها، هو زبغينو بريجنسكي من خلاله كتابه "الإختيار" المتضمن لسؤال مركزي "هل على واشنطن أن تتعاون مع العالم أم أن تقود العالم؟".
- مرحلة "القطبية المتعددة"، التي بدأت ملامحها الأولى ما بعد أحداث 11 شتنبر 2001 بنيويورك وواشنطن، وأصبحت راسخة وواضحة منذ 2020 مع تحدي مواجهة جائحة كورونا، التي دشنت لانعطافة بروز القارة الآسيوية بزعامة صينية في مقابل تسجيل تراجع ملموس للمنظومة الأروبية. التراجع الذي جاءت حرب أوكرانيا لتعززه أكثر، بالتوازي مع عودة روسيا القومية (بروح زمن القياصرة مع قيصرها الجديد بوتين).
نحن إذن بإزاء واقع عالمي جديد منذ انهيار جدار برلين، من تطوراته الكبرى أن البشرية أصبحت أمام واقع قطبية متعددة، اختلافها كامن في أنها "قطبية صاعدة من الجنوب" (الصين والهند والبرازيل). والأهم أن منظومة القيم العالمية لم تعد تصدر فقط عن "المركزية الغربية الأروبية" (كما ظل يحدث ما بين القرن 19 والقرن 20)، بل أصبح يصنعها في أجزاء حاسمة منها "الجنوب" (هنا الرهان قادم مثلا على إفريقيا في أفق 2050).
إن هذا التطور غير المسبوق هو الذي جعل أسئلة وجود مُتحَدِّية تَطرحُ نفسها على المنظومة الأمريكية، دفعها إلى بلورة أجوبة جديدة على ذاتها وعلى العالم. بالتالي سيكون من الوهم اعتبار "الترامبية" مزاجا شخصيا للرئيس دونالد ترامب، بل هي تيار وتوجه أمريكي لها سنده المرجعي فكريا وله قاعدته المجتمعية والمؤسساتية.
بصيغة أكثر دقة (تحليليا)، إن البشرية أمام مرحلة إعادة تدوير لأشكال التدافع المصالحية متجاوز عمليا لمنظومة الأمم المتحدة كما بلورتها القوى الغربية الأروبية والأمريكية ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. أي أن عالم القرن 20 انتهى وأننا بإزاء تبلور آليات تنظيم عالمية جديدة بمنطق القرن 21.
مهم الإنتباه هنا إلى مركزية الدور الأمريكي في محطات تطور مفصلية مماثلة عالميا.. يمكن التوقف عند ثلاثة منها:
1- شكلت مبادئ الرئيس الأمريكي ويلسون سنة 1918، الإطار المرجعي التنظيمي والقانوني في منظومة العلاقات الدولية ما بعد الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918)، المفضية إلى تأسيس تجربة "عصبة الأمم" بباريس سنة 1919. وهي المبادئ المتأسسة على خيارات مركزية في مقدمتها إلغاء "منهجية الإتفاقيات السرية" بين القوى الغربية الأروبية وأن تكون كل الإتفاقيات علنية مؤطرة بنظام جديد للسوق وبمنظومة حقوقية تتأسس على مبدأ "حق الشعوب في تقرير مصيرها" بأفق إنهاء "العهد الإستعماري".
2- لعبت الإدارة الأمريكية على عهد الرئيس فرانكلين روزفلت دورا حاسما في تطوير منظومة "عصبة الأمم" الأروبية، تأسيسا على نتائج الحرب العالمية الثانية، التي أفضت إلى نتيجتين كبيرتين. الأولى تأسيس "هيئة الأمم المتحدة" (ومركزية مجلس الأمن بقواه الخمسة الدائمة العضوية فيما بعد المالكة لحق النقض الفيتو). ثم تأسيس صندوق النقد الدولي بعد مؤتمر بريتون وودز بأمريكا سنة 1944 وجعل عملة الدولار الأمريكية سلة التعامل المرجعية في السوق العالمية. كل ذلك تأسيسا على فكرة إنشاء "الحلف الأطلسي" كإطار تنظيمي سياسي واقتصادي وأمني منذ معاهدة بروكسيل سنة 1948 (قبل أن يتحول إلى إطار عسكري سنة 1950 مع الحرب الكورية المدشنة للحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي). مع التسطير على أن الفكرة الجنينية للحلف ولدت في قمة أنفا بالدار البيضاء المغربية سنة 1943 التي جمعت الرئيس الأمريكي روزفلت برئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل.
حققت واشنطن حينها مكسبا تاريخيا استراتيجيا يتمثل في نقل قيادة المركزية الغربية من أروبا صوب نيويورك (مقر هيئة الأمم المتحدة) وواشنطن (مقر صندوق النقد الدولي والبنك العالمي). حيث أصبحت الولايات المتحدة قائدة المعسكر الغربي وحاميته والمتحكمة فيه أيضا. بل أكثر من ذلك برزت أمريكا كقوة عالمية كبرى سيدة البحار، عسكريا وتجاريا.
3- اليوم مع مشروع "مجلس السلام العالمي" بقيادة الرئيس دونالد ترامب، كما لو أن واشنطن تعيد ترتيب منظومة العلاقات العالمية عبر خلق آلية جديدة بحسابات القرن 21.
إن الخلاصة هنا هي أن واشنطن لا تزال تهيكل آليات تنظيم العلاقات الدولية منذ أكثر من 100 سنة، أي منذ سنة 1918 (مع مبادئ الرئيس ويلسون) إلى 2026 (مع مبادئ الرئيس ترامب).
صحيح تغير ميزان القوى العالمي، لكن قوة الأثر الأمريكي لا تزال وازنة وفعالة.
إننا عمليا أمام مرحلة جديدة لميلاد إمبراطوريات كبرى ستصنع قدر البشرية فيما تبقى من القرن 21، هي:
- الإمبراطورية الأمريكية بأبعادها الجغرافية من أمريكا الجنوبية حتى القطب الشمالي وجزيرة غرينلاند (بحر الشمال)، مع امتداد استراتيجي نحو المحيط الهادئ (يتجاوز منظومة الأطلسي الأروبية ويتخلى عنها بالتدريج، في مقابل تعزيز منظومة واشنطن الأطلسية مع القارة الإفريقية ومع بريطانيا).
- الإمبراطورية الصينية بأبعادها الآسيوية الكبرى (طريق الحرير الجديدة) وبعمقها البحري بالمحيط الهادئ الذي للصينيين طموح تحويله إلى "بحر الصين". ضمن هذا الأفق ستستعيد بكين قريبا تايوان بقوة السلاح وباتفاق مع واشنطن. بالتوازي مع إعادة ترتيب لعلاقاتها مع كامل محيطها الأسيوي من اليابان حتى السعودية وفلسطين (مع إعادة ترتيب للتنافس مع الهند وروسيا).
- الإمبراطورية الروسية، أساسا في أفق ما سيبرز من ممر محوري بحري استراتيجي ببحر الشمال مع ذوبان ثلج القطب الشمالي، وكذا إعادة ترتيب مع عمقها الأروبي عبر البوابة الأوكرانية (التحكم في معابر البحر الأسود).
المغرب، إفريقيا والمجال العربي الإسلامي
إن التحديات التي يطرحها مشروع "مجلس السلام العالمي" الأمريكي الذي يقوده الرئيس ترامب على بلدان الجنوب المتوسطي (ضمنها المغرب) كبيرة وكبيرة جدا. فهي أكبر من مجرد بلورة حل لتعقد القضية الفلسطينية، بل إنها مندرجة ضمن صناعة خرائط عالمية جديدة، بالخلفية التحليلية التي حاولنا عرضها فوق.
بصيغة أكثر دقة، إن خبراء الإستراتيجية الأمريكية يبلورون رؤية متقدمة للمجال المتوسطي والشرق أوسطي والإفريقي، يؤكد أن التوجه "الترامبي" ليس مزاجيا ولا جنونيا ولا أحمقا. بل إنه محطة تطورية كانعطافة في مسار السياسة القومية الأمريكية، بذات الشكل الذي تحقق مع الرئيس ويلسون بحسابات 1918 وتحقق مع الرئيس روزفلت بحسابات 1944.
لابد من الإنتباه إلى أن الرئيس دونالد ترامب يمثل نموذجا مختلفا جديدا للنخبة الأمريكية مسنود برؤية فكرية تنتج خطابها التواصلي الإقناعي، المتأسس على:
- فكرة "إعادة مركزية الرجل الأبيض"
-على قناعة مذهبية دينية يبلورها التيار المسيحي الإنجليلي (تيار العنصرة)، الذي له نزوع راديكالي متطرف. غايته الكبرى ليس فقط تجاوز المذهب الكاثوليكي ضمن المنظومة المسيحية، بل نقل "القيادة الدينية المسيحية" من أروبا ومن روما البابوية صوب القارة الأمريكية وصوب واشنطن (البابوية الجديدة). إنه صراع مذهبي ديني قليلا ما ننتبه إليه في مجالنا المغربي والعربي والإسلامي. وأنه تيار مذهبي مسيحي يغزو أمريكا الجنوبية (خاصة البرازيل) والقارة الإفريقية والمجال الآسيوي. بل وأن له موقفا متطرفا من حق إسرائيل في الوجود.
- استعادة الرأسمال الأمريكي بخلفية قومية وطنية (شعار "أمريكا أولا")، متجاوز لمخطط "نظام السوق الليبرالي المتوحش" كما بلوره الرئيس الأمريكي ريغان في بداية الثمانينات.. وهو خيار اقتصادي وسياسي يتأسس على فكرة "عودة الدولة" في مواجهة "تغول السوق"، مسنود برؤية كينزية ترى أن الرأسمال الأمريكي لا يمكنه مواجهة "القوة الصينية التجارية" سوى بإعادة تنظيم منظومة السوق العالمية بالإعلاء من القدرة الشرائية للمستهلكين عبر العالم عبر حماية الأجور. لأنه بذلك يعاد ترتيب آلية الإنتاج العالمية بذات الشكل الذي تحقق في العقود الثلاثة المجيدة للإقتصاد الغربي ما بعد الحرب العالمية الثانية. أي أن سلاسل الإنتاج يجب أن يعاد تغييرها بما يعيد للعملة الأمريكية "الدولار" مكانة وازنة عالميا، وأن من مداخل ذلك اليوم هي التحكم في الصناعة التكنولوجية للإتصالات ومنظومة شبكات الأنترنيت وفي منظومة الذكاء الإصطناعي.
هي إذن منظومة تدبيرية أمريكية متكاملة يقودها تيار الرئيس ترامب، كثيرا ما يحجب مراميها اعتماده تقنية تواصلية صدامية مسنودة بمنطق الإثارة (SHOW) التي يتقنها ويتعمدها زعيم أمريكا الجديد، التي يُعْتَقَدُ خطأ أنها عنوان عجرفة وجنون عظمة (هذا على كل حال هو توجه خطاب الإعلام "الفرنسي"، خاصة الأروبي، الذي نقع نحن ضحايا له من حيث لا نحتسب).
بالتالي من الوهم الإعتقاد أن ترامب أحمق.. ترامب توجه أمريكي جديد..
هذا يفرض علينا شكلا جديدا لقراءة تعامل المغرب مع هذه الخلطة العالمية المدوخة، مما يجعلنا نتساءل:
كيف يمكننا التعامل مغربيا معه؟
نحن مطوقون للأسف بأسباب عطب مركبة، فيها "تنطع مرضي" لجوارنا الجزائري يُعطل ممكناتنا المغاربية كطوق نجاة جماعي لشعوبنا كلها بشمال إفريقيا. مثلما أننا مرتبطون بمصير تطور أروبا والإتحاد الأروبي، بكل ما يفرضه علينا ذلك من نتائج. وأننا مطوقون بأزمة مركبة أمنية خطيرة بمنطقة الساحل، ونواجه تحديا وجوديا في عمقنا الإفريقي عبر ملف وحدتنا الترابية بصحراءنا الغربية. دون إغفال غياب منظومة حمائية مؤسساتية عربية أو إسلامية (موت جامعة الدول العربية وضعف منظمة المؤتمر الإسلامي).
ما الحل بمنطق الدولة؟.
إنه تعزيز المناعة الوطنية الداخلية مؤسساتيا وتنمويا وهوياتيا وأمنيا وعسكريا، مع تعزيز عمقنا الإفريقي والمتوسطي والأطلسي. دون التفريط بالتوازي في خيار تنويع الشركاء الدوليين الجدد (الإمبراطوريات الجديدة). مما يجعل بالتالي الأفق القوي لتعزيز العلاقات المغربية مع المنظومة الأمريكية رهانا استراتيجيا لنا كمغاربة بمنطق مصالحنا القومية العليا، إلى أن يسجل تطور منتج إيجابي في فضاءنا الشمال إفريقي والمغاربي، حينها لكل حادث حديث.