lundi 19 janvier 2026
اقتصاد

الدكتور أنور الشرقاوي: عندما تتحوّل المطالب الطبية إلى إصلاحات.. الدور الحاسم للحركة النقابية الموحدة الأهداف

الدكتور أنور الشرقاوي: عندما تتحوّل المطالب الطبية إلى إصلاحات.. الدور الحاسم للحركة النقابية الموحدة الأهداف أنور الشرقاوي

 اليوم في المغرب، تؤدي كثرة وعدد النقابات المختلفة ، وتباين الخيارات الاستراتيجية، وصراعات الزعامة، والانقسامات الجيلية، إلى صورة جبهة متشظية لتقابات ممثلي اطباء القطاع الخاص ، غالبًا ما تبدو ضعيفة التأثير وغير مسموعة لدى صناع القرار.

على مدى عقود، كان يُنظر إلى مطالب الأطباء والممرضين وباقي مهنيي الصحة على أنها ردود فعل ظرفية أو نزعات فئوية ضيقة. 
غير أن التاريخ المعاصر يثبت عكس ذلك تمامًا.

فعندما تكون الحركة النقابية الطبية منظمة، ومسؤولة، ومسنَدة بحجج مهنية متينة، فإنها تنجح في تحويل إنذارات متكررة إلى إصلاحات ملموسة ودائمة، تُحسّن شروط عمل المهنيين وجودة الرعاية المقدّمة للمرضى في آن واحد.

في أوروبا، جاءت عدة مكاسب كبرى نتيجة نضالات نقابية طويلة النفس.

في فرنسا، أدّت إدانة الإرهاق المهني ونوبات الحراسة المفرطة إلى فرض تأطير صارم لزمن العمل داخل المستشفيات :  تقليص ساعات العمل، والاعتراف بالاحتراق المهني، وتحسين سلامة الرعاية لم تكن هبات سياسية، بل حصيلة سنوات من التعبئة والتفاوض مع النقابات.

وقد غيّرت هذه المكاسب بعمق تنظيم العمل الاستشفائي، وكرّست حقيقة أن إرهاق الأطر الطبية خطر صحي قائم بذاته.

في المملكة المتحدة، شكّلت تعبئة الأطباء الشباب منعطفًا حاسمًا.
أمام إصلاحات فُرضت دون تشاور، أجبرت الاحتجاجات السلطات على مراجعة العقود، وتحسين تعويضات الحراسات الليلية، وإعادة سلامة المهنيين والمرضى إلى صلب النقاش العمومي.
وهكذا أثبت النظام الصحي العمومي البريطاني أن الحوار الاجتماعي، حتى حين يكون صداميًا، يمكن أن يتحول إلى أداة لحماية مرفق عام مهدد.

في الأميركيتين الشمالية والجنوبية، جرى النضال النقابي غالبًا في سياق أكثر عدائية.

في الولايات المتحدة، حيث يسود منطق السوق، اضطرت التنظيمات الطبية إلى الكفاح من أجل الاعتراف بحقوق الأطباء المقيمين والمتدربين، والحد من بعض تجاوزات شركات التأمين، والدفاع عن أخلاقيات المهنة في مواجهة منطق الربح.

وقد كانت المكاسب تدريجية وأحيانًا غير لافتة، لكنها أرست ضوابط أساسية داخل نظام شديد التسليع.

كندا تقدم نموذجًا مغايرًا.
هناك، شددت المطالب النقابية باستمرار على مبدأ بسيط وقوي: حماية الطبيب هي حماية للمريض.
وقد أسهم هذا التوجه في ترسيخ الولوج الشامل إلى العلاج، وضبط الممارسات التعريفية، وتعزيز الدور المحوري لطبيب الأسرة.
إنه انتصار أقل صخبًا، لكنه بنيوي بالنسبة لمنظومة الصحة ككل.

في آسيا، وجدت الحركة النقابية الطبية نفسها أمام ثقافات مهنية تمجّد التضحية والانضباط.
في اليابان، تجرأت النقابات على مساءلة تمجيد ساعات العمل المفرطة.
وأفضى هذا النضال إلى اعتراف رسمي بالعلاقة بين ضغط العمل والأخطاء الطبية، وإلى تقليص تدريجي لساعات العمل في المستشفيات الجامعية.

وفي كوريا الجنوبية، دفعت تعبئة الأطباء ضد إصلاحات اعتُبرت أحادية الجانب السلطات إلى تعليق بعض القرارات، وفتح نقاش وطني حول التوزيع الديمغرافي للأطباء وحوكمة النظام الصحي.

في العالم العربي، كانت الوتيرة أبطأ، لكنها واقعية..في تونس، وبعد مرحلة الاضطرابات السياسية، نجحت النقابات الطبية في انتزاع تحسينات في الأجور، وتعزيز شروط السلامة داخل المستشفيات، وترسيخ اعتراف مؤسساتي بدور طبيب القطاع العمومي.
وقد أسهمت هذه المكاسب في استقرار منظومة هشة وإعادة الاعتبار للحوار الاجتماعي.

في المغرب، شاركت الحركة النقابية الطبية، رغم انقساماتها وإكراهاتها، في عدد من الإصلاحات المهمة. تحسين وضعية أطباء القطاع العام، وتطور التكوين التخصصي، والإدماج التدريجي للتشاور في السياسات الصحية، كلها تحمل بصمة عمل تراكمي طويل.
قد لا تكون النتائج دائمًا لافتة، لكن كل تقدم هو ثمرة مثابرة جماعية وتوازن قوى بُني عبر الزمن.

غير أن المغرب اليوم، وهو منخرط في تحول عميق لقطاعه الصحي - تعميم الحماية الاجتماعية، إعادة تنظيم المستشفيات، خصاص الموارد البشرية، تنامي دور القطاع الخاص، وارتفاع انتظارات المواطنين - يواجه حركة نقابية طبية أكثر تشتتًا من أي وقت مضى.
تكاثر النقابات، وتباين الرؤى، وصراعات الزعامة، والانقسامات الجيلية، ترسم صورة جبهة مفككة، غالبًا ما تفتقد الوزن اللازم للتأثير في القرار.
وهذا التشظي يُضعف ميزان القوة في لحظة تحتاج فيها الوحدة إلى أقصى درجاتها.

ومع ذلك، يعلّمنا تاريخ النقابية الطبية أن الخروج من هذا المأزق يمر عبر تحالف واعٍ بين «النقابيين القدامى» و«النقابيين الشباب».
الأولون يحملون ذاكرة النضالات، ومعرفة دهاليز المؤسسات، وحسّ الزمن الطويل.
والثانيون يجسدون إلحاح الميدان، وهشاشة الواقع اليومي، وثقافة الرقمنة، والشفافية، والتعبئة السريعة.
تعاونهما ليس رمزيًا ولا اختياريًا، بل خيارًا استراتيجيًا. من دون نقل للتجربة، تتصلّب النقابة. ومن دون تجديد، تتهمّش. 
إن التحدي الحقيقي في المغرب لا يقتصر على إصلاح المنظومة الصحية، بل يتعداه إلى مصالحة الأجيال النقابية لإعادة بناء خطاب موحّد، ذي مصداقية، وموجّه نحو المصلحة العامة.

ومن خلال هذه التجارب الدولية، تفرض حقيقة واحدة نفسها.
فالإصلاحات الطبية الكبرى لا تولد من الارتجال ولا من حسن النوايا وحدها. 
إنها نتاج التزام نقابي جاد، موثّق، ومسؤول. 
وعندما يتجنب المزايدات وتتراكم المصداقية، تصبح الحركة النقابية الطبية فاعلًا محوريًا في قطاع  الصحة، قادرًا على التأثير المستدام في السياسات الصحية.

وخلف كل تحسّن في شروط العمل، وكل إصلاح استشفائي دائم، وكل تقدم في سلامة الرعاية، بل وحتى في استمرارية القطاع الطبي الليبرالي القريب من المواطن في المغرب، تختبئ غالبًا مطالبة نقابية وازنة. 

 

 الدكتور أنور الشرقاوي 
خبير في التواصل الطبي والإعلام الصحي