lundi 19 janvier 2026
خارج الحدود

عبد الواحد غيات: جغرافيا الممرات.. قناة السويس القطبية والتوازنات الدولية الجديدة

عبد الواحد غيات: جغرافيا الممرات.. قناة السويس القطبية والتوازنات الدولية الجديدة عبد الواحد غيات باحث في العلوم السياسية متخصص في العلاقات الدولية

المقدمة: التحول من "الستار الجليدي" إلى "الساحة المفتوحة

لم يعد القطب الشمالي مجرد مساحة بيضاء على الخارطة، بل تحول إلى "قلب يابسة" (Heartland) جديد. إن ذوبان الجليد فتح آفاقاً جيواستراتيجية برز معها "طريق البحر الشمالي" [1](NSR) كبديل منافس للممرات التقليدية. هذا الممر ليس مجرد اختصار للجغرافيا، بل هو محاولة روسية لإعادة تموضعها كقوة بحرية تسيطر على "قناة سويس قطبية"، مما يضع قانون البحار أمام اختبار غير مسبوق.

المحور الأول: المعضلة القانونية والسيادية في القطب الشمالي

من "الجمود" إلى "السيولة": تحول النظرة الجيواستراتيجية

لفهم المخاطر الجيوسياسية لطريق البحر الشمالي، يجب أولاً إدراك أن المنطقة انتقلت من وضعية "الستار الجليدي" خلال الحرب الباردة، حيث كانت مجرد ساحة خلفية للغواصات النووية، إلى وضعية "الساحة المفتوحة". إن ذوبان الجليد بمعدل يتجاوز ضعف المعدل العالمي قد حول القطب الشمالي من "عائق جغرافي" إلى "ميزة جيو-اقتصادية".

يمتد طريق البحر الشمالي (NSR) من مضيق كارا إلى مضيق بيرينغ، وهو يقع بالكامل تقريباً ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة (EEZ) لروسيا. وهنا تبرز المعضلة الأولى: هل هو ممر دولي أم مياه داخلية؟

الصراع بين "مبدأ القطاعات" واتفاقية  UNCLOS[2]

يبرز الصراع القانوني في القطب الشمالي من خلال التباين الحاد بين الأعراف التاريخية والاتفاقيات الدولية الحديثة، حيث اعتمدت الدول القطبية وفي مقدمتها روسيا وكندا على ما يعرف بنظرية القطاعات التي ظهرت في أوائل القرن العشرين، وهي نظرية جيو-سياسية تقسم المنطقة القطبية مثل الفطيرة بحيث تمتد سيادة كل دولة من خطوط طول سواحلها الشمالية لتلتقي جميعاً في نقطة القطب الشمالي المركزية.

وتعتبر موسكو بناءً على هذا المبدأ أن طريق البحر الشمالي يمثل شرياناً وطنياً تاريخياً للنقل، مستندة في شرعية هذا الادعاء إلى مرسوم سوفيتي قديم يعود لعام ألف وتسعمائة وستة وعشرين يكرس سيادتها على هذا الممر، إلا أن هذا الموقف يصطدم بإشكالية قانونية معقدة بدأت منذ توقيع روسيا على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في عام ألف وتسعمائة وسبعة وتسعين، حيث وافقت ضمنياً على قواعد تنظيمية تختلف جذرياً عن مبدأ القطاعات التقليدي.

وتكمن جوهر المشكلة في أن اتفاقية قانون البحار تمنح الدول سيادة كاملة على اثني عشر ميلاً بحرياً فقط كمياه إقليمية، في حين تنص القواعد الدولية على أن الممرات الملاحية التي تربط بين بحرين عاليين تُصنف كمضايق دولية يكفل القانون للجميع حق المرور فيها، وهو ما ترفضه روسيا التي تسعى جاهدة للحفاظ على سيطرتها المطلقة على الممر القطبي باعتباره مياهاً داخلية لا تخضع للملاحة الدولية الحرة.

المادة 234: السلاح القانوني الروسي "المناطق المغطاة بالجليد"

تستخدم روسيا بذكاء استراتيجي المادة مائتان وأربعة وثلاثون من اتفاقية قانون البحار، والتي تمنح الدول الساحلية الحق في اعتماد وإنفاذ قوانين غير تمييزية لمنع التلوث البحري في المناطق المغطاة بالجليد داخل حدود منطقتها الاقتصادية الخالصة، حيث تؤول موسكو هذه المادة لتفرض شروطاً صارمة تضمن لها السيطرة الفعلية على حركة الملاحة.

وتشمل هذه القيود الروسية ضرورة الإخطار المسبق بمرور السفن قبل خمسة وأربعين يوماً، وإجبار السفن الأجنبية على استخدام كاسحات جليد وطيارين ملاحيين روس لضمان العبور، بالإضافة إلى فرض رسوم عبور مرتفعة، وهو ما يثير حفيظة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي اللذين يعتبران هذه الشروط بمثابة تجاوز للسيادة ومحاولة لتحويل ممر دولي يفترض أن يكون مفتوحاً إلى بحيرة روسية خاصة تخضع لإرادة الكرملين المنفردة.

النزاع حول الجرف القاري وسلسلة "لومونوسوف"

لا يتوقف الصراع القانوني عند حدود سطح الماء وتوجيه السفن، بل يمتد إلى أعماق المحيط حيث تحتدم المنافسة حول الجرف القاري وسلسلة جبال لومونوسوف، وهي سلسلة جبلية ضخمة تحت الماء تمتد عبر القطب وتطالب كل من روسيا والدنمارك عبر جرينلاند وكندا بالسيادة عليها. وتكمن الخطورة الجيوسياسية في أنه إذا نجحت روسيا في إثبات أن هذه السلسلة هي امتداد طبيعي لجرفها القاري، فإنها ستحصل قانونياً على حقوق حصرية لاستخراج الموارد من نفط وغاز ومعادن في مساحة إضافية شاسعة تقدر بمليون ومائتي ألف كيلومتر مربع.

هذا التداخل المعقد في المطالبات السيادية يخلق حالة من عدم اليقين الجيوسياسي تثير قلق المستثمرين الدوليين، حيث تتردد الشركات الكبرى في الاستثمار في طريق البحر الشمالي وبنيته التحتية طالما أن الحدود البحرية النهائية لم تُحسم بعد من قبل لجنة الأمم المتحدة لحدود الجرف القاري. وفي ظل هذا المشهد، تبرز قوى خارج القطب مثل الصين وألمانيا واليابان تروج لمفهوم التدويل، معتبرة أن القطب الشمالي يجب أن يُعامل قانونياً وفق نموذج القطب الجنوبي كإرث مشترك للبشرية مخصص للبحث العلمي والسلام، وهو طرح تعتبره روسيا تهديداً وجودياً لأمنها القومي ولحقوقها في موارد تمثل خمس ناتجها المحلي الإجمالي.

تدويل القطب: "الإرث المشترك للبشرية"

في المقابل، تبرز قوى "خارج القطب" مثل الصين وألمانيا واليابان، تروج لمفهوم "التدويل". يرى هؤلاء الفاعلون أن القطب الشمالي يجب أن يُعامل قانونياً مثل القطب الجنوبي، كمنطقة مخصصة للبحث العلمي والسلام، بعيداً عن السيادات الوطنية. بالنسبة لروسيا، هذا الطرح يمثل "تهديداً وجودياً" لأمنها القومي ولحقها في استغلال مواردها الشمالية التي تمثل حوالي 20% من ناتجها المحلي الإجمالي.

المحور الثاني: "عسكرة القطب" وتوازنات القوى (روسيا مقابل الناتو)

العودة إلى العقيدة الأمنية الصلبة

بعد عقود من الهدوء النسبي الذي أعقب الحرب الباردة، استعادت منطقة القطب الشمالي مكانتها كأولوية قصوى في العقائد الأمنية للدول الكبرى، حيث لم يعد طريق البحر الشمالي مجرد ممر تجاري في نظر روسيا، بل أصبح حصناً سيادياً يحمي عمقها الاستراتيجي وخط الدفاع الأول في مواجهة التهديدات الخارجية. ومن منظور جيوسياسي، تدرك القوى العظمى أن القطب الشمالي يمثل أقصر مسار للصواريخ البالستية العابرة للقارات بين موسكو وواشنطن، مما يجعل السيطرة على هذا الطريق الحيوي مسألة أمن قومي بامتياز تتجاوز في أهميتها المكاسب الاقتصادية المباشرة.

وقد شرعت روسيا تحت قيادة الرئيس بوتين في إعادة عسكرة القطب بشكل منهجي عبر إنشاء القيادة الاستراتيجية المشتركة للأسطول الشمالي، وهي قيادة عسكرية مستقلة ومخصصة حصراً لتأمين المنطقة القطبية، بالتزامن مع إعادة فتح وترميم أكثر من خمسين قاعدة سوفيتية سابقة. ومن أبرز هذه المنشآت قواعد البرسيم المتطورة في أرخبيل فرانز جوزيف، المزودة بأنظمة دفاع جوي وصاروخي من طرازي "إس أربعمائة وباستيون "، القادرة على فرض منطقة منع وصول كاملة وحظر الملاحة على أي سفينة أجنبية تعبر الطريق دون إذن مسبق.

يتجلى التفوق الروسي بوضوح في امتلاك أسطول يضم أكثر من أربعين كاسحة جليد، منها كاسحات عملاقة تعمل بالطاقة النووية من فئة أركتيكا الجديدة، مما يمنح موسكو القدرة على فرض سيادة فيزيائية وميدانية على المسار طوال العام، في وقت تعاني فيه الولايات المتحدة من فجوة كبيرة بامتلاكها كاسحة جليد ثقيلة واحدة فقط قيد الخدمة. وفي المقابل، أحدث انضمام فنلندا والسويد إلى حلف شمال الأطلسي زلزالاً جيوسياسياً أدى إلى تطويق روسيا جغرافياً، حيث أصبح سبعة من أصل ثمانية أعضاء في المجلس القطبي ينتمون للناتو، مما دفع موسكو نحو حالة من العزلة القطبية وزاد من مخاطر الاحتكاك العسكري المباشر في حال قيام واشنطن بعمليات حرية الملاحة لتحدي المطالب الروسية.

بعد عقود من الهدوء الذي أعقب الحرب الباردة، استعادت منطقة القطب الشمالي مكانتها كأولوية في العقائد العسكرية للقوى الكبرى. إن "طريق البحر الشمالي" ليس مجرد ممر تجاري بالنسبة لروسيا، بل هو "حصن سيادي" يحمي عمقها الاستراتيجي.

فمن وجهة نظر جيوسياسية، يمثل القطب الشمالي أقصر طريق للصواريخ البالستية العابرة للقارات بين موسكو وواشنطن. لذا، فإن السيطرة على هذا الطريق تعني السيطرة على "خط الدفاع الأول".

الاستراتيجية الروسية: "المنع والوصول" (A2/AD)[3]

قامت روسيا تحت قيادة الرئيس بوتين بإعادة عسكرة القطب الشمالي بشكل منهجي عبر خطوات استراتيجية شملت:

إنشاء القيادة الاستراتيجية المشتركة للأسطول الشمالي: وهي قيادة عسكرية مستقلة مخصصة حصراً للقطب.

تطوير القواعد العسكرية: إعادة فتح وترميم أكثر من 50 قاعدة سوفيتية سابقة، بما في ذلك قواعد "البرسيم" [4]المتطورة في أرخبيل "فرانز جوزيف"، المزودة بأنظمة دفاع جوي وصاروخي مثل "س-400 وباستيون" القادرة على فرض منطقة منع وصول (A2/AD) على أي سفينة أجنبية تعبر طريق البحر الشمالي دون إذن.

التفوق في كاسحات الجليد: تمتلك روسيا حالياً أسطولاً يضم أكثر من 40 كاسحة جليد، منها كاسحات تعمل بالطاقة النووية (مثل فئة "أركتيكا" الجديدة)، وهو ما يمنحها القدرة على فرض "السيادة الفيزيائية" على المسار طوال العام، في حين تعاني الولايات المتحدة من فجوة كبيرة بامتلاكها كاسحة جليد ثقيلة واحدة فقط قيد الخدمة حالياً.

توسع الناتو وتحول "البحيرة الشمالية"

كان انضمام فنلندا والسويد إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) بمثابة زلزال جيوسياسي في القطب.

تطويق جغرافي: أصبح سبعة من أصل ثمانية أعضاء في "المجلس القطبي" ينتمون الآن إلى حلف الناتو، مما يترك روسيا في حالة "عزلة قطبية".

تغيير قواعد اللعبة: هذا التوسع يعني أن الناتو بات يمتلك عمقاً جغرافياً وقدرات استخباراتية ومطارات قريبة جداً من القواعد الروسية الحيوية في "شبه جزيرة كولا"، حيث ترسو الغواصات النووية الروسية (القدرة على الضرب الثانية).

المخاطر المرتبطة بحرية الملاحة [5](FONOPs)

تتمثل إحدى أكبر نقاط الاحتكاك في احتمال قيام الولايات المتحدة بعمليات "حرية الملاحة"  في طريق البحر الشمالي، على غرار ما تفعل في بحر الصين الجنوبي.

واشنطن تعتبر مطالب روسيا بالسيطرة على المضايق في هذا الطريق "غير قانونية".

أي محاولة أمريكية لإرسال سفينة حربية عبر هذا الطريق دون إذن روسي قد تؤدي إلى صدام مباشر، مما يحول الممر التجاري إلى ساحة حرب ملاحية.

"الأمننة" وأثرها على الاستثمار

هذه العسكرة المتزايدة تؤدي إلى ظاهرة "أمننة" طريق البحر الشمالي؛ حيث تتراجع الجدوى الاقتصادية أمام الهواجس الأمنية.

1. ارتفاع تكاليف التأمين: شركات الشحن العالمية مثل Maersk أو MSC تخشى الانخراط في طريق قد يتحول إلى ساحة نزاع في أي لحظة.

2. ازدواجية الغرض: البنية التحتية التي تبنيها روسيا (موانئ، محصنات) تخدم الغرضين التجاري والعسكري معاً، مما يجعل أي استثمار أجنبي فيها يبدو وكأنه دعم للآلة العسكرية الروسية، وهو ما يقع تحت طائلة العقوبات الغربية.

المحور الثالث: "طريق الحرير القطبي" والشراكة الصينية الروسية

الصين كقوة "شبه قطبية": كسر الحصار الجغرافي

تمثل الصين اللاعب الأكثر إثارة للجدل في القطب الشمالي. فبالرغم من عدم امتلاكها لأي حدود جغرافية مباشرة مع المنطقة، إلا أنها أعلنت في "الكتاب الأبيض" لعام 2018 أنها "دولة شبه قطبية" (Near-Arctic State).

الدوافع الجيوسياسية: تسعى بكين لتنويع طرق تجارتها العالمية لتقليل اعتمادها على "مضيق مالاقا"[6] الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة وحلفاؤها (ما يعرف بمعضلة مالاقا).

طريق الحرير القطبي: يمثل هذا الطريق الضلع الشمالي لمبادرة "الحزام والطريق"، حيث يوفر للصين مساراً آمناً يربط موانئها في شنغهاي وداليان بأوروبا الشمالية، بعيداً عن مناطق النفوذ الأمريكي التقليدية.

"زواج الضرورة" بين الدب الروسي والتنين الصيني

أدت العقوبات الغربية الصارمة على روسيا بعد عام 2014، وتصاعدها في 2022، إلى دفع موسكو نحو أحضان بكين. هذا التحالف في القطب الشمالي يقوم على مقايضة استراتيجية:

1. التمويل والتكنولوجيا من الصين: روسيا تفتقر إلى السيولة المالية والتكنولوجيا المتطورة (خاصة في تسييل الغاز الطبيعي وحفر الآبار العميقة) بسبب العقوبات. هنا تدخلت الصين عبر مؤسساتها مثل "صندوق طريق الحرير" والبنك الصيني للتنمية لتمويل مشاريع ضخمة مثل "يامال للغاز المسال"  و"القطب الشمالي للغاز المسال".

2. السيادة والشرعية من روسيا: مقابل المال، تمنح روسيا للصين موطئ قدم في المنطقة، وتسمح لشركات الشحن الصينية مثل COSCO بتجربة المرور عبر طريق البحر الشمالي.

حدود التوافق: هل هي شراكة استراتيجية أم تبعية؟

بالرغم من مظاهر التعاون، هناك "توتر صامت" بين الطرفين، وهو ما يضيف تعقيداً للمخاطر الجيوسياسية:

الهواجس الروسية: تاريخياً، تنظر روسيا إلى القطب الشمالي كمنطقة نفوذ حصرية. هناك تيار في الكرملين يخشى من أن يؤدي التوغل الصيني المالي إلى فقدان روسيا لسيطرتها الفعلية على الطريق.

الطموحات الصينية للتدويل: بينما تدعم الصين سيادة روسيا "تكتيكياً" الآن، إلا أنها تفضل بعيد المدى أن يكون القطب الشمالي "منطقة دولية" تضمن لها حرية الملاحة والوصول للموارد دون قيود روسية، وهو ما يتصادم مع رؤية موسكو لـ "سياسة الاحتكار الوطني".

الاستثمارات القطبية كأداة "للقوة الناعمة" و"الحادة"

لا تكتفي الصين بالاستثمار في الطاقة، بل وسعت نشاطها ليشمل:

البحث العلمي: إنشاء محطات بحثية في "سفالبارد" (النرويج) واهتمامها بالاستثمار في المطارات والموانئ في "جرينلاند" و"آيسلندا".

كاسحات الجليد الصينية: تمتلك الصين حالياً كاسحتي جليد متطورتين[7] وتعمل على بناء كاسحة جليد نووية، مما يعزز قدرتها على العمل المستقل في طريق البحر الشمالي دون الاعتماد الكلي على الخدمات الروسية.

القلق الغربي من "المحور الأوراسي" في الشمال

يرى حلف الناتو والولايات المتحدة أن التحالف الصيني الروسي في القطب يغير قواعد اللعبة:

ازدواجية الاستخدام: يخشى الغرب من أن البنية التحتية العلمية والتجارية الصينية قد تُستخدم لأغراض استخباراتية أو عسكرية (تتبع الغواصات، رصد الأقمار الصناعية).

إعادة تشكيل التجارة العالمية: إذا نجحت الصين وروسيا في جعل طريق البحر الشمالي ممرًا تجاريًا مستقرًا، فإن ذلك سيضعف فاعلية العقوبات الغربية كأداة ضغط سياسي، حيث سيخلق نظاماً اقتصادياً "موازياً" خارج السيطرة الغربية.

المحور الرابع: الجيواقتصاد والمعضلة البيئية

مفارقة القطب الشمالي: "لعنة الذوبان" كميزة تنافسية

يمثل القطب الشمالي حالة فريدة في التاريخ المعاصر؛ فالظاهرة التي تهدد استقرار الكوكب (الاحتباس الحراري) هي ذاتها التي تفتح آفاقاً اقتصادية بمليارات الدولارات.

الغاز والنفط: تشير تقديرات هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية إلى وجود نحو 13% من النفط و30% من الغاز الطبيعي غير المكتشف في العالم داخل الدائرة القطبية.

المعادن الاستراتيجية: المنطقة غنية بمعادن الأراضي النادرة، والنيكل، والبلاتين، وهي عناصر حيوية لصناعات التكنولوجيا العالية والبطاريات الكهربائية. بالنسبة لروسيا، يمثل طريق البحر الشمالي "الممر اللوجستي" الضروري لإيصال هذه الموارد إلى الأسواق الآسيوية المتعطشة للطاقة.

"السلاح البيئي" في الصراع الجيوسياسي

لقد تحول ملف حماية البيئة في القطب الشمالي إلى أداة ضغط سياسي دولي. تستخدم القوى الغربية والمنظمات الدولية "المعايير البيئية" لعرقلة السيطرة الروسية على الطريق:

قانون الوقود الثقيل [8](HFO): تبنت المنظمة البحرية الدولية [9](IMO) حظراً على استخدام وحمل الوقود الثقيل في مياه القطب الشمالي. هذا القرار، رغم دوافعه البيئية، يرفع تكاليف التشغيل على السفن الروسية ويحد من قدرة ناقلات النفط القديمة على عبور الطريق.

الضغوط على الممولين: تمارس جماعات الضغط البيئي ضغوطاً هائلة على البنوك العالمية وشركات التأمين للتوقف عن تمويل مشاريع التنقيب في القطب الشمالي، مما يعمق عزلة روسيا المالية ويجبرها على الارتهان أكثر للتمويل الصيني.

المخاطر التشغيلية والبيئية لطريق البحر الشمالي

لا تقتصر المخاطر الجيوسياسية على الصراعات العسكرية، بل تمتد إلى مخاطر الكوارث الطبيعية التي قد تؤدي إلى أزمات دولية:

1. هشاشة النظام البيئي: أي تسرب نفطي في المياه المتجمدة سيكون تنظيفه مستحيلاً تقريباً باستخدام التقنيات الحالية، مما قد يثير احتجاجات دولية تطالب بوضع الطريق تحت "الوصاية الدولية" لسحب السيادة من روسيا بحجة "حماية الكوكب".

2. التلوث بالكربون الأسود: تزايد حركة السفن يؤدي إلى انبعاث "الكربون الأسود" الذي يسقط على الجليد، فيقلل من قدرته على عكس أشعة الشمس، مما يسرع الذوبان أكثر، وهي حلقة مفرغة تزيد من التوترات العلمية والسياسية.

الجدوى التجارية بين الواقع والمبالغة

بالرغم من اختصار المسافة، يواجه طريق البحر الشمالي تحديات اقتصادية هيكلية تضعف موقفه أمام طريق قناة السويس:

عدم القدرة على التنبؤ: بالرغم من ذوبان الجليد، تظل حركة الجليد المنجرف غير متوقعة، مما يجعل الجداول الزمنية لشركات الشحن "غير منضبطة"، وهو أمر لا تتحمله سلاسل التوريد الحديثة.

عمق المياه: تعاني بعض أجزاء الطريق (خاصة في مضايق سانييكوف ولابتيف) من أعماق ضحلة لا تسمح بمرور ناقلات الحاويات الضخمة (Mega-Ships) التي تعتمد عليها التجارة العالمية لخفض التكاليف.

غياب الموانئ اللوجستية: على عكس مسار "سنغافورة-سويس-روتردام"، يفتقر المسار القطبي إلى موانئ وسيطة كبرى لتبادل الحاويات، مما يجعله ممرًا "من نقطة إلى نقطة" فقط، وليس شبكة تجارية متكاملة.

مستقبل "الهيدروكربونات" في ظل التحول الأخضر

تتمثل أكبر مخاطرة جيوسياسية لروسيا في أن طريق البحر الشمالي قد يصبح "أصلاً عالقاً". فإذا نجح العالم في التحول السريع نحو الطاقة المتجددة بحلول 2040-2050، فقد يتراجع الطلب العالمي على الغاز والنفط الذي يبرر الاستثمارات الهائلة في هذا الطريق، مما يحول الطموح الروسي إلى عبء مالي ضخم.

المحور الخامس: السيناريوهات المستقبلية لطريق البحر الشمالي (2035 - 2050)

تتأرجح المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بهذا الطريق بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية، يتوقف تحقق أي منها على طبيعة العلاقات الدولية العامة، وليس فقط الوضع في القطب الشمالي.

السيناريو الأول: سيناريو التوتر العالي

هذا السيناريو هو "الامتداد المنطقي" للوضع الراهن، حيث يستمر العداء بين روسيا والغرب.

الملامح: تحول طريق البحر الشمالي إلى منطقة عسكرية مغلقة (A2/AD). تزايد الاحتكاكات البحرية نتيجة قيام الولايات المتحدة بعمليات "حرية الملاحة" لكسر الاحتكار الروسي.

النتائج: عزوف شركات الشحن العالمية تماماً عن الطريق خوفاً من الوقوع في فخ النزاعات العسكرية. يصبح الطريق مقتصراً فقط على ناقلات الطاقة الروسية المتجهة للصين، مما يحول روسيا إلى "محطة وقود عملاقة" لبكين، ويفقد الطريق صفته كـ "ممر عالمي" ليصبح "ممراً ثنائياً" خاضعاً لإملاءات القوة الصينية.

السيناريو الثاني: "التدويل القسري أو التوافق الهش

يفترض هذا السيناريو وقوع كارثة بيئية كبرى (تسرب نفطي ضخم) أو ضغوط اقتصادية عالمية غير مسبوقة تجبر روسيا على القبول بنوع من الإدارة الدولية.

الملامح: تشكيل "منظمة دولية لإدارة الملاحة القطبية" تشرف على معايير السلامة والبيئة والرسوم، مما يحد من السيادة المطلقة لروسيا وكندا.

النتائج: انخفاض المخاطر السياسية وزيادة الاستثمارات الدولية. لكن هذا السيناريو يواجه عقبة "القومية الروسية"، حيث يعتبر الكرملين أي تدخل دولي في شؤون الطريق الشمالي مساساً بالسيادة الوطنية، مما يجعل هذا المسار محفوفاً بالمخاطر السياسية الداخلية في موسكو.

السيناريو الثالث: "الازدواجية والكتل القطبية

ظهور نظام قطبي ثنائي القطبية يشبه الحرب الباردة، لكن بملامح اقتصادية.

الملامح: انقسام القطب الشمالي إلى كتلتين؛ كتلة الناتو المسيطرة على ممر الشمال الغربي (عبر كندا وجرينلاند)، والكتلة الأوراسية (روسيا والصين) المسيطرة على طريق البحر الشمالي.

النتائج: نشوء معايير تقنية ولوجستية وملاحية مختلفة بين الكتلتين، مما يعطل عولمة التجارة القطبية. سيتحول الطريق إلى "أداة جيوسياسية" تستخدمها موسكو وبكين لفرض نفوذهما على سلاسل التوريد العالمية في مواجهة الغرب.

خاتمة وتوصيات استراتيجية

في ختام هذا التحليل الموسع، يمكن القول إن "طريق البحر الشمالي" ليس مجرد ممر مائي أوجده ذوبان الجليد، بل هو مختبر لنظام عالمي جديد. إن المخاطر الجيوسياسية المرتبطة به تتجاوز مسألة الملاحة لتشمل الصراع على السيادة، والطاقة، والمعايير البيئية الدولية.

التوصيات للباحثين وصناع القرار:

1. ضرورة الفصل بين الملف التقني والسياسي: يجب السعي نحو إطار تعاوني تقني (عبر مجلس القطب الشمالي) بعيداً عن الصراعات العسكرية لضمان سلامة الملاحة.

2. مراقبة التحولات الصينية: إن الانخراط الصيني في القطب هو "تغير بنيوي" طويل الأمد يتطلب استراتيجيات استباقية من الدول العربية ودول قناة السويس للحفاظ على تنافسية الممرات التقليدية.

3. الاستثمار في الدبلوماسية العلمية: يظل العلم والبحث البيئي المدخل الأقل كلفة سياسياً للتواجد في القطب الشمالي والتأثير في سياساته المستقبلية.

المحور السادس: ثنائية "طريق البحر الشمالي" و"قناة السويس": منافسة أم تكامل؟

الحسابات اللوجستية: لغة الأرقام والمسافات

تعتمد الجدوى الاقتصادية لأي ممر ملاحي على مثلث: الزمن، التكلفة، الأمان

الزمن: يقلص طريق البحر الشمالي المسافة بين شرق آسيا (ميناء يوكوهاما مثلاً) وشمال أوروبا (ميناء روتردام) من حوالي 11 200 ميل بحري (عبر السويس) إلى 6,500 ميل بحري فقط. هذا يعني توفيراً في الوقت يصل إلى  10-15 يوماً.

الوقود: نظرياً، يعني اختصار المسافة توفيراً هائلاً في استهلاك الوقود والانبعاثات الكربونية، وهو ما يغري شركات الشحن التي تسعى لخفض تكاليفها التشغيلية والالتزام بالمعايير البيئية الجديدة.

التكاليف الخفية: لماذا تظل قناة السويس الخيار الأول؟

بالرغم من اختصار المسافة، يواجه طريق البحر الشمالي "تكاليف خفية" تجعل كفة قناة السويس لا تزال أرجح في الميزان الجيوسياسي والاقتصادي:

1. رسوم كاسحات الجليد: تفرض روسيا رسوماً مرتفعة مقابل مرافقة كاسحات الجليد النووية، وهي تكلفة قد تفوق في أحيان كثيرة رسوم العبور في قناة السويس.

2. أقساط التأمين: تصنف شركات التأمين العالمية مثل منطقة القطب الشمالي كمنطقة عالية المخاطر بسبب مخاطر الاصطدام بالجليد المنجرف، وغياب مراكز الإنقاذ والإصلاح، مما يرفع أقساط التأمين بشكل باهظ مقارنة بالمسارات التقليدية.

3. السرعة والانتظام: في قناة السويس، تسير السفن بسرعة ثابتة وجدول زمني دقيق. أما في الطريق الشمالي، فإن سرعة السفن تتغير بناءً على كثافة الجليد، مما يجعل نظام "التسليم في الوقت المحدد مستحيلاً حالياً.

التخصص السلعي: تقسيم العمل الدولي

من الناحية الجيوسياسية، لن يحل طريق البحر الشمالي محل قناة السويس كلياً، بل سيخلق "تخصصاً ملاحياً":

قناة السويس: ستظل الممر الرئيسي للحاويات التي تحمل سلعاً استهلاكية تتطلب جداول زمنية صارمة، وتربط مراكز الإنتاج في جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط بأوروبا وأمريكا.

طريق البحر الشمالي: سيتحول إلى ممر للطاقة والمعادن، وسيُخصص لنقل الغاز المسال والنفط والنيكل من سيبيريا إلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية.

الأثر على الأمن القومي لمصر ودول المنطقة

يمثل تطور الطريق الشمالي مخاطرة استراتيجية متوسطة إلى بعيدة المدى لمصر، فكل طن من الشحن ينتقل إلى الشمال هو خصم محتمل من إيرادات قناة السويس.

الاستجابة المصرية: يتطلب هذا التحدي من هيئة قناة السويس الاستمرار في استراتيجية "التحول إلى مركز لوجستي عالمي" وعدم الاكتفاء بكونها "ممر عبور"، من خلال تطوير المناطق الصناعية حول القناة وتقديم خدمات القيمة المضافة (تزويد السفن بالوقود الأخضر، الإصلاحات، التخزين).

سيناريو "الانسداد" والبدائل الاستراتيجية

أثبتت حادثة السفينة "إيفر غيفن"[10] في عام 2021 هشاشة سلاسل التوريد العالمية التي تعتمد على ممر واحد. هذه الحادثة كانت بمثابة "هدية جيوسياسية" لروسيا، التي روجت فوراً لطريق البحر الشمالي كبديل آمن ومستقر في حال وقوع انسدادات في الممرات المائية الضيقة[11]  في الجنوب.

المحور السابع: التحول الرقمي والملاحي في القطب الشمالي: إعادة تشكيل جيوسياسية من المنظور العربي والمغربي

"يتجاوز الصراع في القطب الشمالي حدود الملاحة البحرية ليصل إلى أعماق المحيط، حيث تبرز المبادرة الروسية بمد كابل الألياف البصرية العملاق «بولار إكسبريس» الممتد لمسافة 12,600 كم. يحمل هذا المشروع أبعاداً جيوسياسية خطيرة؛ إذ يمنح موسكو قدرة فائقة على التحكم في تدفق المعلومات بين قارتي آسيا وأوروبا. وفي ظل التوترات الراهنة، تتصاعد المخاوف الغربية من تحول هذا الممر الرقمي إلى أداة للتجسس أو وسيلة لتعطيل الاتصالات الدولية في الأزمات، مما يضيف صبغة سيبرانية للصراع القطبي."

الانعكاسات على الأمن القومي والاستراتيجية المغربية

لا يمكن فصل الأمن القومي العربي والمغربي عن التحولات الجيوسياسية في القطب الشمالي، إذ أن بروز طريق البحر الشمالي كشريان تجاري عالمي يفرض تحديات مباشرة على التوازنات الجيو-اقتصادية في حوض المتوسط وشمال أفريقيا. وبالنسبة للمملكة المغربية، التي تتبنى استراتيجية واعدة كصلة وصل بين أفريقيا وأوروبا وعمقاً أطلسياً حيوياً، فإن أي إعادة تشكيل لخرائط الملاحة الدولية تستوجب يقظة استراتيجية لمواكبة التغير في سلاسل التوريد. إن تطوير الموانئ الكبرى مثل "طنجة المتوسط" و"الداخلة الأطلسي" يجب أن يُقرأ في سياق التكامل مع هذه المسارات الجديدة، حيث يمكن للمغرب أن يلعب دوراً محورياً كمنصة لوجستية خلفية للمواد الأولية والمعادن الاستراتيجية القادمة من الشمال نحو العمق الأفريقي، مما يعزز من مكانته كلاعب لا غنى عنه في الجيوسياسية البحرية العالمية.

رؤية استشرافية: آفاق 2030-2040 والتموقع المغربي

تُشير التوقعات الجيوسياسية والمناخية إلى أن العقد القادم، وتحديداً بحلول عام 2035، سيشهد تحولاً جذرياً مع ذوبان الجليد الصيفي الذي سيجعل "طريق البحر الشمالي" صالحاً للملاحة لفترات أطول، وبالتوازي مع اكتمال البنية التحتية الرقمية لـ "بولار إكسبريس". هذا الجدول الزمني يضع المغرب أمام فرصة تاريخية؛ فبينما يعاد رسم خرائط التجارة العالمية، سيكون على المملكة تسريع وتيرة تكامل موانئها مع الطرق القطبية قبل حلول عام 2030. إن هذا التموقع لن يجعل من المغرب مجرد معبر تجاري، بل سيحوله إلى "رئة لوجستية" تربط التدفقات الطاقية والرقمية القادمة من القطب الشمالي بالأسواق الواعدة في أفريقيا جنوب الصحراء، مما يضمن استدامة السيادة البحرية المغربية في نظام دولي جديد يتشكل من أقصى الشمال.

الخاتمة: القطب الشمالي كمرآة للنظام العالمي الجديد

يمثل "طريق البحر الشمالي" في جوهره أكثر من مجرد مسار ملاحي أفرزته التغيرات المناخية؛ إنه إعادة ترسيم للجغرافيا السياسية العالمية في القرن الحادي والعشرين. فبينما كانت القوى العظمى تتصارع تاريخياً على المضايق الدافئة والممرات التقليدية، ينتقل ثقل التنافس اليوم نحو "الشمال السائل" الذي يختزل في طياته ثلاث صراعات كبرى:

1. صراع السيادة: بين الرؤية القومية الروسية/الكندية (التقسيم القطاعي) والرؤية العولمية (التدويل وحرية الملاحة).

2. صراع الطاقة: بين الحاجة لاستغلال كنوز الهيدروكربونات القطبية والالتزامات المناخية الدولية التي تجعل من هذا الطريق سلاحاً ذا حدين.

3. صراع النظام الدولي: بين القطبية الأحادية المتراجعة وبين تحالف أوراسي (روسي-صيني) يسعى لاتخاذ القطب الشمالي منصة لكسر الهيمنة البحرية الغربية.

إن المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بهذا الطريق تظل مرتبطة بمدى قدرة المجتمع الدولي على إيجاد "حوكمة قطبية" توازن بين الحقوق السيادية للدول الساحلية والمصالح الجمعية للبشرية. وإذا لم يتم التوصل إلى إطار قانوني توافقي يتجاوز التفسيرات المتضاربة لاتفاقية (UNCLOS)، فإن القطب الشمالي مرشح ليتحول من "منطقة تعاون علمي" إلى "بؤرة صدام صلبة" قد تعيد صياغة مفهوم الحرب والاتصال في العصر الحديث.

 

قائمة المراجع والمصادر (أكاديمية وتخصصية)

·غيات عبد الواحد. (2024). المخاطر الجيوسياسية للطرق البحرية الجديدة. جريدة أنفاس بريس  https://anfaspress.com/news/voir/154023-2025-07-06-06-53-14

·مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. (2022). التنافس الدولي في القطب الشمالي: الأبعاد الاستراتيجية والاقتصادية. . https://ecssr.ae/ar/research-products/periodic-studies-1/3/198969

·مجلة السياسة الدولية (مصر). تقارير حول "أثر ذوبان الجليد القطب الشمالي على قناة السويس" (أعداد مختلفة 2021-2023).

· Lasserre, F. (2020). Géopolitique des passages maritimes polaires. Presses de l'Université du Québec. https://journals.openedition.org/vertigo/29603

·Hervé Baudu (2019). La route maritime du Nord, réalité et perspectives

 https://www.polar-navigation.com/pdf/NSR_article%20CQEG_Baudu_Herve_2019.pdf

·Humpert, M. (2021). The Future of the Northern Sea Route - A Strategic Assessment. The Arctic Institute. https://www.thearcticinstitute.org/future-northern-sea-route-golden-waterway-niche/

·  Byers, M. (2013). International Law and the Arctic. Cambridge University Press. https://www.cambridge.org/core/books/international-law-and-the- arctic/265D5C6A622AA5BA421633BD6B67A055

· Katarzyna Zysk. (2020) Russia’s Military Build‐Up in the Arctic: to What End? Norwegian Institute for Defence Studies. https://apps.dtic.mil/sti/trecms/pdf/AD1145694.pdf

· The Arctic Council. (2023). Arctic Marine Shipping Assessment (AMSA) Report.

· The State Council of the People's Republic of China. (2018). China’s Arctic Policy (White Paper).

·  The Kremlin. (2020). Basic Principles of Russian Federation State Policy in the Arctic to 2035.


 

[1] Northern Sea Road

[2] United Nations Convention on the Law of the Sea

 

[3] Anti-Access / Area Denial

[4] Trefoil

[5] Freedom of Navigation Operations

[6] ممر مائي يقع في جنوب شرق آسيا بين شبه جزيرة ماليزيا وجزيرة سومطرا الأندونيسية

[7] Xuelong 1&2

[8] HydroFluoro-Oléfines

[9] International Maritime Organisation

[10] Ever Given

[11] Choke Points