تُعد الاستثمارات المباشرة لدولة الإمارات العربية المتحدة في المغرب من بين أكثر الاستثمارات الأجنبية حضوراً من حيث الحجم والتأثير الاستراتيجي، ليس فقط على مستوى التدفقات السنوية، بل خصوصاً على مستوى الرصيد التراكمي وطبيعة القطاعات المستهدفة. تحتل الإمارات موقعاً متقدماً ضمن هرم المستثمرين الأجانب في المغرب، وتُصنَّف باستمرار ضمن الخمس دول الأولى عالمياً من حيث مخزون الاستثمارات المباشرة، وضمن أكبر مستثمر غير أوروبي في عدد من السنوات.
على مستوى التدفقات، عرفت الاستثمارات الإماراتية نحو المغرب تذبذباً سنوياً واضحاً، وهو تذبذب يرتبط بطبيعة المشاريع المنجزة أكثر مما يعكس تغيراً في التوجه الاستثماري. فخلال الفترة الممتدة تقريباً بين 2015 و2024، تراوحت تدفقات الاستثمارات الإماراتية المباشرة بين أقل من مليار درهم في بعض السنوات، وأكثر من 6 إلى 8 مليارات درهم في سنوات أخرى تزامنت مع إطلاق أو توسعة مشاريع كبرى. هذا النمط يميز الاستثمار الإماراتي عن الاستثمارات الأوروبية الصناعية المنتظمة، ويؤكد أنه استثمار قائم على قرارات استراتيجية كبيرة تُحتسب على مدى زمني طويل.
غير أن المؤشر الأكثر دلالة يظل هو رصيد الاستثمارات المباشرة. فالمخزون التراكمي للاستثمارات الإماراتية في المغرب يُقدَّر، حسب أحدث البيانات المتاحة، بما يفوق 35 إلى 40 مليار درهم، وهو ما يضع الإمارات في المرتبة الرابعة أو الخامسة ضمن أكبر الدول المستثمرة في المغرب إلى جانب فرنسا وإسبانيا، ومتقدمة في كثير من السنوات على دول صناعية كبرى كالولايات المتحدة الأمريكية او الصين. وعلى مستوى المستثمرين العرب، تحتل الإمارات المرتبة الأولى بلا منازع من حيث حجم الرصيد الاستثماري.
هذا الموقع المتقدم في هرم الاستثمار الأجنبي يعكس طبيعة الاستثمارات الإماراتية، التي تتركز في قطاعات ذات وزن هيكلي. فالقطاع العقاري والسياحي يستحوذ تاريخياً على الحصة الأكبر من هذا الرصيد، من خلال مشاريع حضرية وسياحية كبرى ساهمت في إعادة تشكيل أقطاب اقتصادية في مدن مثل الرباط، الدار البيضاء، مراكش وطنجة. وتُقدَّر حصة هذا القطاع بما يفوق ثلث الرصيد الإماراتي الإجمالي، وهو ما يفسر الطابع طويل الأمد لهذه الاستثمارات المرتبطة بالدورة العقارية والطلب السياحي.
في المقابل، شهد العقد الأخير تحولاً نوعياً في بنية الاستثمار الإماراتي، حيث برز قطاع الطاقة، خصوصاً الطاقات المتجددة، كأحد أهم مجالات التوسع. وتشير البيانات إلى أن الاستثمارات الإماراتية في مشاريع إنتاج الكهرباء والبنيات الطاقية تمثل اليوم ما بين 20 و25 في المائة من الرصيد التراكمي، في انسجام تام مع الاستراتيجية المغربية للانتقال الطاقي، ومع الرؤية الإماراتية لتنويع استثماراتها الدولية خارج قطاع المحروقات التقليدية.
كما تحتل البنيات التحتية واللوجستيك موقعاً متزايد الأهمية في الخريطة الاستثمارية الإماراتية بالمغرب. فالمملكة تُنظر إليها كمنصة إقليمية ذات موقع استراتيجي يربط أوروبا بإفريقيا، ويتيح ولوجاً مباشراً إلى الواجهتين المتوسطية والأطلسية. وتكتسي هذه الاستثمارات بعداً يتجاوز السوق المغربية، إذ تُوظَّف في كثير من الأحيان كقاعدة للتوسع نحو أسواق إفريقية أخرى.
أما على المستوى المالي والمؤسساتي، فتتسم الاستثمارات الإماراتية بكونها صادرة في الغالب عن صناديق سيادية ومجموعات استثمارية كبرى تعتمد منطق الشراكة طويلة الأمد. وتشير معطيات مكتب الصرف إلى أن الإمارات تحتل مراتب متقدمة أيضاً من حيث رصيد الاستثمارات في شكل مساهمات ورؤوس أموال مقارنة بالاستثمارات القائمة على القروض أو الأدوات المالية قصيرة الأجل، ما يعزز طابعها الهيكلي.
ويُظهر ترتيب الإمارات في هرم الاستثمار الأجنبي بالمغرب بوضوح أنها ليست مستثمراً ظرفياً، بل شريكاً اقتصادياً من الوزن الثقيل. ففي سنوات عديدة، احتلت الإمارات المرتبة الثالثة أو الرابعة من حيث رصيد الاستثمارات المباشرة، وفي بعض الفترات صعدت إلى المرتبة الثانية بعد فرنسا، متقدمة على إسبانيا وإيطاليا وألمانيا من حيث المخزون التراكمي.
على الجهات المعنية بالاستثمارات الخارجية الاهتمام بهذا البلد كمستثمر اساسي عبر صناديقه السيادية وهو مستثمر ذو موثوقية عالية ، ويواكب فعلا المغرب في تطوره.