حين قرر الجنيرال ليوطي نقل عاصمة المغرب من فاس إلى الرباط، لم يكن ذاك القرار حبا في سواد عيون الرباطيين، أو رغبة المستعمر في تمكين المغرب من هيكلة مجالية عقلانية للتراب الوطني، بقدر ما كان القرار محكوما بهاجس ضبط المغرب بعيدا عن «صداع الراس» بفاس، بالنظر إلى أن فاس كانت عبر التاريخ هي الحاضن للنخبة الفكرية والدينية والحضرية والتجارية ذات الوعي المتقد بشكل كان يجعل مختلف السلطات تستحضر هذا المعطى، بدليل أن فاس لها ماض في الاحتجاج وفي مواجهة السلطة المركزية لاستنكار هذا القرار أو لقيادة احتجاج ضد هذا الإجراء العمومي.
نقل العاصمة الإدارية للمغرب من فاس إلى الرباط، رافقه قرار هام سيطبع تاريخ التعمير والعمران بالمغرب منذ دخول الاستعمار الفرنسي إلى اليوم، ألا وهو خلق «عاصمة اقتصادية» جديدة يكون مقرها بالدارالبيضاء
هذا الاختيار تحكمت فيه ثلاثة عوامل أساسية: الأول أن الدارالبيضاء قريبة من مركز القرار الاستعماري (أي الرباط)، أما الاعتبار الثاني فيرتبط بعمق مياه ساحل الدارالبيضاء وهو العمق (12 متر) الذي يسمح بإنشاء ميناء قادر على استيعاب السفن ذات الحمولة الكبيرة. أما الاعتبار الثالث فيكمن في رغبة المستعمر إنجاز بنية مينائية تسمح له بربط المغرب بالعالم الخارجي، ليس لتقوية المبادلات، بل لتهريب ثروات المغرب وخيراته المنجمية والفلاحية والغابوية نحو فرنسا.
نعم، كانت هناك «أنوية حضرية» بالدارالبيضاء قبل قصف المدينة عام 1907 وقبل استعمار المغرب رسميا عام 1912، لكن الولادة الحقيقية للدارالبيضاء ستتم مع قرار ليوطي لبناء الميناء، إذ كان للميناء الدور الرئيسي في نمو وتوسع وميلاد الدارالبيضاء الحديثة.
ذلك أن قرار بناء الميناء لم يكن معزولا، بل صاحبته قرارات بتوطين شركات وفتح أحياء صناعية بشرق البيضاء (من الصخور السوداء إلى البرنوصي). وهو ما استتبع بالضرورة جلب يد عاملة وهجرة الآلاف من البادية نحو الدارالبيضاء بحثا عن عمل، خاصة وأن المعمر الفرنسي سلب أراضي الفلاحين و«هرف» على غابات القرويين بشكل أدى إلى تشريد آلاف الأسر التي اضطرت إلى الرحيل، فانتفخت الدارالبيضاء وتمددت شمالا وجنوبا وشرقا وغربا بدون بوصلة.
بعد الاستقلال ورث المغرب مدينة ممتدة ومترامية بشكل عشوائى، شرط وجودها كان هو الميناء، وبدل أن يضع المغرب آنذاك الخطط الملائمة لضبط نمو الدارالبيضاء وضبط نمو مينائها، تمت «زيادة الخل على الخميرة»، وأصبح الميناء ليس فقط شرط وجود الدارالبيضاء، بل تحول إلى شرط وجود للمغرب ككل. وأضحت البلاد كلها مرهونة بنشاط ميناء الدارالبيضاء، فتم تكديس كل الأنشطة الاقتصادية (معدنية، فلاحية، سمكية، تجارة الحاويات، إلخ…) بميناء الدارالبيضاء بشكل فاقم من جودة العيش بالمدينة وضاعف من أزمة التنقل والجولان وساهم في تأزيم الاختناقات المرورية، حتى أضحى العيش في الدارالبيضاء وكأنه «قطعة عذاب في جهنم».
الآن، وقد مر قرن على بناء ميناء الدارالبيضاء (114 عاما تحديدا)، حان الوقت لتضع السلطة المركزية هذا الملف Reconversion du port على رأس الأجندة العمومية
صحيح، تم إنجاز ميناء معدني في الجرف الأصفر (بالجديدة) في أوائل ثمانينيات القرن 20، كما تم بناء ميناء «طنجة ميد» في مطلع الألفية الحالية لاستيعاب المنحنى المتصاعد لتجارة الحاويات لخلق قطب صناعي - خدماتي بشريط طنجة تطوان، لكن ذلك لم يرق إلى الحل الجذري لمعضلة ميناء الدارالبيضاء. بل على العكس لم تعمل السلطات إلا على تأزيم الوضع بالدارالبيضاء حين تبنت قرارا هندسيا غبيا يتجلى في بناء ممر خاص بالشاحنات من بوابة الميناء إلى زناتة عبر الصخور السوداء وعين السبع والبرنوصي. إذ ارتكبت السلطات جريمة في حق الساحل الشرقي للدارالبيضاء واقتطعت شاطئ عين السبع وحولته إلى مسار خاص بشاحنات الوزن الثقيل!! في الوقت الذي كان مأمولا ترحيل الأنشطة المعدنية كلها من ميناء الدارالبيضاء إلى الجرف الأصفر أو إلى المحمدية، والاستفادة من مرور 100 عام على بناء ميناء البيضاء لجعله ميناء ترفيهيا يعج بالأرصفة الخاصة بسفن النزهة والسياحة والمطاعم وبالفنادق وبالأنشطة الخدماتية
وحين برز الأمل في عام 2011 بالإعلان عن برنامج «وصال» لتأهيل ساحل البيضاء (مقطع مولاي سليمان وسيدي عبد الرحمان) مع ما يترتب عن ذاك البرنامج الطموح، دب الفتور في تنزيل هذا المشروع السياحي والساحلي المهيكل لوسط الدارالبيضاء، مما أضاع على المدينة وعلى المغرب، فرصة ذهبية لخلق الثروة وتجديد النسيج الحضري بقلب العاصمة الاقتصادية.
الخيبة تكبر ليس لانعدام الحلول أو لغياب الموارد المالية، بل لغياب إرادة مركزية لإيجاد حل لفظاعات ميناء الدارالبيضاء، بدليل أن المغرب كان يعاني من معضلة أخرى تسمى «مطار محمد الخامس» سواء من حيث ضعف طاقته أو قلة تجهيزاته أو سوء الولوج إليه، لكن لما توفرت الإرادة السياسية تم إيجاد الحلول لمشكل مطار محمد الخامس الذي سيصبح أحد أكثر المطارات استقطابا بحلول عام 2030.
فبفضل هذه الإرادة السياسية استثمرت الدولة حوالي 20 مليار درهم لتمكين المغرب من بوابة مطارية بمعايير دولية. وتوزع الغلاف على حل معضلة الولوج لمطار محمد الخامس بإنفاق 4 ملايير درهم لحل مشكل المحاور الطرقية السوداء (مفترق عين حرودة ومفترق سيدي معروف وأوطوروت تيط مليل الدروة وطريق تادارت النواصر) من جهة، وبناء محطة جوية جديدة بغلاف 15 مليار درهم بطاقة استيعابية قدرها 20 مليون مسافر، مما سيرفع طاقة مطار البيضاء إلى 35 مليون مسافر بحلول 2030، من جهة ثانية. هذا دون احتساب المبالغ الكبرى المرصودة لمحطة التيجيفي وشراء الطائرات الجديدة لشركة «لارام» التي ستعزز مكانة وقوة البيضاء كمنصة دولية (HUB).
فما المانع إذن من استنساخ وصفة مطار محمد الخامس لتطبيقها على ميناء الدارالبيضاء بالتعجيل بإنجاز مونطاج مالي ومؤسساتي لمحو آثار ليوطي من ميناء البيضاء، ولإنقاذ العاصمة الاقتصادية من السكتة القلبية؟.