في بعض الملاعب، يحدث أحياناً أن تتحول مباراة كرة القدم إلى قصة ولادة جديدة.
تظهر في الملعب ملامح لاعب يعرفه الجمهور جيداً، تتحرك الكرة بطريقة مختلفة، ويتسلل إلى المدرجات شعور غريب… شعور بأننا أمام عودة فنان إلى خشبة المسرح .
هذا ما يحدث اليوم مع حكيم زياش.
مباراتان فقط بقميص الوداد الرياضي…
هدفان جميلان…
لكن الأهم من الأهداف هو ذلك الأسلوب الذي لا يخطئه عشاق الكرة.
انظروا إلى طريقة قيادته للكرة…
إلى تلك اللمسة اليسرى الساحرة التي ترسم مسارات لا يتوقعها أحد…
إلى تلك التسديدة القوية التي تفاجئ الحراس وتُشعل المدرجات.
الجمهور المغربي يعيد اكتشاف لاعب يعرفه جيداً.
لاعب حمل قميص أسود الأطلس لسنوات طويلة بكل فخر وكبرياء.
لكن حكاية زياش ليست مجرد قصة لاعب كرة قدم.
إنها رحلة أوروبية عبر أكبر الملاعب وأشهر الأندية.
من ليالي التألق مع أياكس أمستردام حيث أضاء سماء أوروبا بلمساته السحرية…
إلى أمسيات دوري الأبطال مع تشيلسي…
ثم تجاربه مع غلطة سراي والدحيل…
ظل زياش يحمل معه توقيع اللاعبين الكبار: الإبداع.
لكن مسيرة كرة القدم، مثل الحياة، لا تخلو من لحظات الظل.
إصابات…
اختيارات أندية أثارت النقاش…
توترات أحياناً مع بعض المدربين…
وصفحات معقدة في العلاقة مع المنتخب الوطني.
واليوم، وهو في الثانية والثلاثين من عمره، كان بإمكانه أن يختار الطريق السهل…
أن يبتعد عن الأضواء…
أن ينهي مسيرته بهدوء في بطولة إحدى دول البترودولار
لكن زياش اختار طريقاً آخر.
اختار العودة إلى المغرب.
اختار العودة إلى بطولة وطنية لا تسلم من التعقيدات
اختار اللعب أمام جمهور يعرف كرة القدم جيداً… جمهور لا ينخدع بالأسماء بل يعشق الأداء الجميل.
ومنذ أول ظهور له بقميص الوداد، حدث شيء مميز.
عندما يلمس زياش الكرة… يتغير إيقاع المباراة.
تمريرة واحدة منه قد تفتح الطريق نحو المرمى.
وتسديدة واحدة كفيلة بإيقاظ المدرجات.
زياش ما زال كما عرفناه دائماً:
هدافاً عندما يحتاج الفريق إلى الهدف…
صانع ألعاب عندما تحتاج الهجمة إلى فكرة…
وقبل كل شيء… قائداً لإيقاع اللعب.
في كرة القدم الحديثة التي تسيطر عليها السرعة والقوة البدنية، أصبح اللاعبون القادرون على قراءة المباراة قبل الآخرين بثانية واحدة نادرين.
وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة.
هل يمكن أن تفتح هذه العودة أبواب المنتخب الوطني من جديد؟
الأفق واضح…
كأس العالم يونيو 2026.
المنتخب المغربي يملك اليوم جيلاً استثنائياً من اللاعبين.
لكن الفرق الكبيرة تعرف حقيقة مهمة: في اللحظات الحاسمة قد تصنع الخبرة والموهبة الخالصة الفارق.
وفي هذا المجال، ينتمي زياش إلى فئة خاصة…
فئة اللاعبين القادرين على تغيير مصير مباراة بلمسة عبقرية.
بالنسبة للناخب الوطني الجديد، قد لا يكون السؤال تكتيكياً فقط…
بل هو أيضاً سؤال رمزي.
فكرة القدم مليئة بقصص العودة المدهشة… لاعبون ظن الجميع أن زمنهم انتهى…
ثم عادوا أكثر نضجاً وهدوءاً… وأحياناً أكثر حسماً من أي وقت مضى.
زياش يملك الآن عدة أمسيات كروية في البطولة الوطنية ليقنع الجميع. بضع مباريات فقط ليذكّر العالم بما يعرفه المغاربة جيداً…
أن قدمه اليسرى واحدة من أكثر الأقدام إلهاماً في تاريخ كرة القدم المغربية والدولية.
وإذا تحولت تلك الأمسيات إلى عروض كروية ساحرة…
فربما لن يكون طريق مونديال 2026 مجرد حلم أو حنين للماضي…
بل فصلاً جديداً من قصة لم تنته بعد.
لأن أجمل القصص في كرة القدم…
هي دائماً قصص العودة.
.
