تتقدم الحكامة الاجتماعية في التجربة المغربية باعتبارها أحد المرتكزات الكبرى لتدبير السياسات العمومية ذات البعد الإنساني، حيث إن قضايا التضامن والإدماج الاجتماعي لم تعد ملفات إدارية تقليدية تُدار بمنطق التدخل الظرفي أو المقاربة الجزئية، وإنما تحولت إلى ورش وطني واسع يستند إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تتداخل فيها أبعاد التنمية البشرية مع رهانات العدالة الاجتماعية والاستقرار المجتمعي… ومن ثم فإن إدارة هذا المجال الحيوي تقتضي شخصية سياسية تجمع بين الخبرة المؤسساتية والرؤية الإصلاحية والقدرة على التنسيق بين مختلف الفاعلين.
وفي هذا السياق تبرز الوزيرة نعيمة بن يحيى بوصفها إحدى الشخصيات التي تسعى إلى ترسيخ نموذج متجدد للحكامة الاجتماعية داخل قطاع التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، حيث إن مقاربتها التدبيرية تنطلق من تصور يقوم على تعزيز النجاعة المؤسساتية وتوسيع مجالات الشراكة الاجتماعية… كما أن هذا التوجه يندرج ضمن الدينامية العامة التي تعرفها السياسات الاجتماعية بالمملكة، والتي تسعى إلى الارتقاء ببرامج الحماية الاجتماعية وتطوير آليات الإدماج الاقتصادي للفئات التي تعيش أوضاعاً صعبة.
ومن الثابت أن تولي الوزيرة نعيمة بن يحيى مسؤولية هذا القطاع جاء في سياق سياسي وإداري دقيق، حيث تم تعيينها في إطار التعديل الحكومي الذي قاده رئيس الحكومة عزيز أخنوش، وهو تعديل حمل في طياته دلالات متعددة تعكس رغبة في تجديد النخب الحكومية وتعزيز حضور الكفاءات القادرة على مواكبة التحولات الاجتماعية المتسارعة. كما أن انتماء الوزيرة إلى حزب الاستقلال يندرج ضمن تقليد سياسي عريق عرف باهتمامه بالبعد الاجتماعي والسياسات التضامنية.
ولا شك أن الحكامة التي يتطلبها قطاع التضامن تتجاوز حدود التدبير الإداري البسيط… إذ إنها تقوم على رؤية شمولية تستحضر تعقيدات الواقع الاجتماعي وتعدد الفاعلين المؤسساتيين والمدنيين. ولذلك فإن المقاربة الحديثة للحكامة الاجتماعية تقوم على مبادئ التنسيق المؤسسي والتخطيط الاستراتيجي والشفافية في تدبير البرامج الاجتماعية، إضافة إلى ترسيخ ثقافة التقييم المستمر لقياس أثر السياسات العمومية على الفئات المستهدفة.
وفي هذا الإطار، برز توجه واضح نحو تطوير برامج موجهة لدعم الفئات الهشة، حيث إن السياسات الاجتماعية الجديدة تقوم على تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية وتوسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات الاجتماعية. كما أن الوزارة تعمل على تأهيل مؤسسات الرعاية الاجتماعية وتحسين جودة الخدمات المقدمة داخلها… وهو مسار يهدف إلى الانتقال من المقاربة التقليدية للرعاية إلى مقاربة أكثر حداثة ترتكز على الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان.
وعلاوة على ذلك، يظل ملف الأشخاص في وضعية إعاقة أحد المحاور الأساسية التي تحظى باهتمام متزايد ضمن السياسات الاجتماعية المعاصرة. فمن المؤكد أن الإدماج الحقيقي لهذه الفئة يتطلب برامج متعددة الأبعاد تشمل التعليم والتكوين المهني وفرص الشغل والخدمات الصحية… وبالتالي فإن المقاربة المعتمدة تسعى إلى بناء منظومة متكاملة تضمن لهذه الفئة المشاركة الكاملة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
كما أن قضايا الأسرة والمرأة تحتل مكانة محورية في هذا المشروع الاجتماعي، حيث إن تمكين المرأة وتعزيز حضورها داخل مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية يمثلان ركيزة أساسية لأي مشروع تنموي متوازن. ومن ثم فإن السياسات التي تشرف عليها الوزارة تتجه نحو دعم المبادرات الرامية إلى تعزيز استقلالية النساء اقتصادياً واجتماعياً، إضافة إلى تقوية برامج الحماية الموجهة للأسرة باعتبارها الخلية الأساسية داخل المجتمع.
ومن زاوية أخرى، فإن الحكامة الاجتماعية الحديثة تقوم على بناء شراكات مؤسساتية متعددة المستويات… إذ إن نجاح البرامج الاجتماعية يظل رهيناً بتكامل جهود الدولة مع المجتمع المدني والمؤسسات الدولية. ولذلك فإن الوزارة تسعى إلى توسيع مجالات التعاون مع مختلف الشركاء، سواء على المستوى الوطني أو الدولي، من أجل تطوير برامج اجتماعية أكثر نجاعة وأكثر قدرة على الاستجابة للتحولات المجتمعية المتسارعة.
كما أن الرؤية الاستشرافية التي تواكب عمل هذا القطاع تركز على الانتقال من التدبير الظرفي إلى التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى… حيث إن التحولات الاجتماعية الراهنة تفرض تطوير أدوات جديدة لتحليل الظواهر الاجتماعية ورصد التحولات الديموغرافية والاقتصادية التي تؤثر في بنية المجتمع. ومن المؤكد أن هذه المقاربة التحليلية تتيح إمكانية صياغة سياسات عمومية أكثر دقة وفعالية.
وإذا كانت الحكامة الاجتماعية تقوم أساساً على النجاعة في التدبير، فإنها تقوم كذلك على تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات… إذ إن نجاح أي سياسة اجتماعية يظل رهيناً بقدرتها على إقناع المجتمع بجدواها وفعاليتها. ولذلك فإن الانفتاح على الفاعلين الاجتماعيين وتعزيز الحوار المؤسساتي يشكلان أحد المداخل الأساسية لترسيخ هذه الثقة.
ومن ثم يمكن القول إن التجربة التي تقودها الوزيرة نعيمة بن يحيى داخل قطاع التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة تعكس توجهاً متنامياً نحو إعادة صياغة فلسفة العمل الاجتماعي بالمغرب… فلسفة تقوم على الحكامة الرشيدة وعلى التخطيط الاستراتيجي وعلى تعزيز ثقافة التضامن داخل المجتمع. وهي مقاربة تسعى إلى جعل السياسات الاجتماعية أكثر قدرة على مواكبة التحولات الكبرى التي يعرفها المجتمع المغربي.
وفي المحصلة، فإن الرهان الحقيقي أمام السياسات الاجتماعية المعاصرة يتمثل في بناء نموذج تنموي يوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي وضرورات العدالة الاجتماعية… حيث إن التنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق دون منظومة تضامنية قوية قادرة على حماية الفئات الهشة وتعزيز فرص الإدماج الاجتماعي. ومن المؤكد أن الحكامة الاجتماعية تظل الأداة الأكثر فاعلية لتحقيق هذا التوازن الدقيق… وبالتالي فإن مستقبل السياسات الاجتماعية بالمغرب سيظل مرتبطاً بقدرة المؤسسات على تطوير آليات تدبيرية مبتكرة تستجيب لتطلعات المجتمع وتستشرف تحولات الغد.
.
