مع حلول شهر رمضان من كل عام، يتجدد الجدل حول جودة الإنتاجات الدرامية التلفزيونية ، وخاصة تلك التي تُعرض على القنوات العمومية. غالبًا ما توصف هذه الأعمال بـ : الرداءة والنمطية، على الرغم من التطور التقني والميزانيات الضخمة المرصودة لها. يثير هذا الوضع تساؤلات جوهرية حول الأسباب الكامنة وراء هذا التراجع المستمر في جودة المحتوى، ومن يقف وراء تغييب الوعي الجمعي واستبداله بـ "تهريج" لا يرقى إلى تطلعات الجمهور.
أزمة السيناريو: الغائب الأكبر
تُجمع أغلب الانتقادات على أن المشكلة الأساسية تكمن في (السيناريو). فالمسلسلات التلفزيونية المغربية، تدور في حلقة مفرغة من القصص المستهلكة، مثل صراعات الإرث، وقصص الخادمات، والعائلات المخملية المزيفة، والزواج، والطلاق، والخيانة الزوجية، والعلاقات غير الشرعية المبررة، مع استخدام كلمات بذيئة.
ويفتقر أسلوب أغلب السيناريوهات للعمق النفسي والحبكة الدرامية الحقيقية، مع وجود استسهال واضح في الكتابة يعتمد على "الوجوه" بدل "النصوص". وتُبنى الأحداث على مواقف ارتجالية تهدف إلى "تمطيط" ممل لملء الحيز الزمني المخصص للإعلانات.
يؤكد بعض النقاد أن الدراما المغربية حققت بعض التطور، لكنه يظل غير مكتمل في ظل استمرار "أزمة السيناريو"، حيث تكرار القصص، وافتقار الحوارات للعمق، مع غياب البناء الدرامي المحكم .
كواليس الصناعة: رسائل موجهة.. لطعن الشعائر والروابط الأسرية
لا يقتصر الخطر على ضعف المستوى الفني، بل يمتد إلى "المضمون الإيديولوجي" الذي يمرر رسائل ممنهجة:
تنميط التدين: تصوير الشخصيات المتدينة في قوالب (الغدر، الجهل، أو التزمت)، بينما يتم تمجيد الأنماط الحياتية البعيدة عن قيم المجتمع.
تفكيك الروابط الأسرية: التركيز على الصراعات الدائمة بين الآباء والأبناء، الخيانة الزوجية، والتمرد على سلطة العائلة، بأسلوب يجعل من "الشذوذ الاجتماعي" قاعدة عامة.
من يقف وراء هذا الوضع الكارثي
خلف الشاشة، تقبع شبكة تسعى، في أغلبها، إلى هدم الدين الإسلامي وما تبقى من الحشمة، والوقار: وتتحكم في "صناعة الرداءة". يمكن تلخيص هذه الشبكة في النقاط التالية:
لوبيات شركات الإنتاج المتنفذة: تسيطر شركات محدودة على أغلب "طلبات العروض". وفي سعيها لرفع هامش الربح، تلجأ هذه الشركات إلى تقليص مدة التصوير، واعتماد ميزانيات تقشفية في الملابس والديكور، وفرض ممثلين "مؤثرين" (Influencers) لا علاقة لهم بالفن، فقط لأنهم يملكون "متابعين" يضمنون نسب المشاهدة .
سياسة "تعبئة الفراغ" في القنوات الرسمية: حيث تعطي القنوات العمومية الأولوية لـ "كم الإنتاج" على حساب "الكيف". وغالبًا ما تخضع معايير لجان الانتقاء لمنطق "المحسوبية" و"الولاءات"، وربما سياسة " دهن السير ..." مما يُقصي الكفاءات الحقيقية والمبدعين الذين يرفضون الانحناء لمنطق السوق.
تتفيه الذوق العام وتمرير بعض المشاهد الجريئة
لا يمكن عزل الرداءة الفنية عن سياقها المجتمعي. إن الإصرار على تقديم محتوى يكرس "النمطية" ويغيب النقد البناء لقضايا المجتمع الشائكة، ويخدم جهات تريد بقاء المشاهد في حالة "تخدير فني .
فالفن الحقيقي هو الذي يسائل الواقع، بينما الإنتاج الرمضاني الحالي يكتفي بـ "تزجيج" الواقع ومحاولة صناعة فقاعات من الضحك المصطنع .
وقد أشعلت بعض المسلسلات الرمضانية المعروضة على القنوات المغربية موجة غضب واسعة بين المشاهدين بعدما تضمنت مشاهد اعتبرت جريئة وغير ملائمة لحرمة الشهر الفضيل. وعبر الكثيرون عن استيائهم مما وصفوه بتجاوز للقيم والتقاليد المغربية، متسائلين عن الدافع وراء إدراج لقطات تثير الجدل في أعمال يفترض أن تراعي خصوصية رمضان وطبيعة الجمهور. وقد امتد هذا الجدل ليطرح تساؤلات حول دور القنوات التلفزيونية والجهات الوصية على الإعلام التي التزمت الصمت رغم تزايد الانتقادات، واعتبر متابعون أن غياب الرقابة الصارمة يعكس خللاً في معايير اختيار الأعمال الدرامية.
أمثلة على مسلسلات أثارت الجدل:
مسلسل "رحمة"" (Rahma): أثار هذا المسلسل المغربي جدلاً واسعاً بسبب ما وُصف بـ "المشاهد الجريئة" و"الوضعيات الحميمية" التي تضمنها، خاصة تلك التي جمعت بين ممثلين (كاف. وهاء )وقد اعتبر العديد من المشاهدين أن هذه المشاهد لا تتناسب مع قيم المجتمع المغربي وخصوصية شهر رمضان.
مسلسل "بنات لالة منانة" (الجزء الثالث): أثارت الحلقة الأولى من الجزء الثالث من هذا المسلسل المغربي، الذي عُرض على القناة العمومية المغربية تفاعلاً واسعاً واستياءً من قبل المتابعين. تضمنت الحلقة مشاهد رأى منتقدوها أنها تُطبع مع علاقات خارج إطار الزواج أو تحمل إيحاءات غير ملائمة، مثل لقطات لرجل يغادر غرفة بعد وجوده مع امرأة أجنبية، ومشهد لفتاة تبرّر مرافقة شاب إلى منزلها بكونه زميل دراسة، إضافة إلى حوار تضمّن تعبيرات اعتبرها البعض خادشة للذوق العام. كما أثير جدل سابق حول استخدام كلمة بذيئة في مسلسل على قناة العيون المغربية .
"ذباب" الأدسنس والترويج المزيف
دخل على الخط ــ ما يسمون زوراــ "مؤثرون" ومواقع إخبارية تقتات على "البوز"، حيث يتم الترويج لمسلسلات فاشلة على أنها "طفرة فنية"، ويُجيش "الذباب الإلكتروني" في التعليقات لإيهام الرأي العام بأن العمل ناجح، بينما الحقيقة هي أن النجاح يُقاس ما بـ "الضجيج" لا بـ "القيمة" . حيث يرى الكثير من المشاهدين أن مشاركة المؤثرين قد تساهم في زيادة نسب المشاهدة وانتشار الأعمال الدرامية، خاصة وأنهم يمتلكون قاعدة جماهيرية كبيرة عبر منصات التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، يرى آخرون أن ظهور هؤلاء المؤثرين في أدوار تمثيلية، يفتقر إلى الخبرة والموهبة اللازمة، وأن دخولهم جاء بدافع الشهرة أكثر من الفن، مما يؤثر سلبًا على الإنتاج .
نحو ثورة حقيقية في "دفاتر التحملات"
إن إنقاذ الدراما التلفزيونية لا يمر عبر "المكياج" التقني، والبحث عن وجوه شابة وجميلة نوعا ما أو استعمال الفلترات لتحسين هيئة الممثلين. بل لابد من ثورة حقيقية في بداية من الصرامة عبر دفاتر تحملات حقيقية، وفتح المجال أمام شباب المعاهد والمبدعين المستقلين، وإبعاد "تجار الفن" الذين حولوا شهر رمضان إلى موسم للربح السريع على حساب الذوق العام الرفيع.
لقد حان الوقت لتتوقف الشاشات عن استغباء المشاهد المغربي خاصة من فرض عليه مشاهدة القطب العمومي لظروف قاهرة.
أما من خاصم هذه القنوات ونسي وجودها من عدمها، وتابع أرقى الأعمال العالمية عبر المنصات، وأصبح لديه حرية الاختيار عبر ألاف القنوات العالمية، لم يعد تنطلي عليه حيل الكوميديا الباردة والدراما البئيسة.
لوبيات الإنتاج.. احتكار "الرداءة" بالأرقام
تكشف البيانات أن سوق الإنتاج الدرامي ليس مفتوحاً أمام الإبداع، بل هو محكوم بقبضة حديدية لشركات بعينها. منذ عام 2015، استحوذت 10 شركات إنتاج فقط على حوالي 193 حصة إنتاجية من أصل 509. وقد بلغت تكلفة إنتاجات رمضان لعام 2024 وحده أكثر من 12.4 مليار سنتيم، تقاسمتها شركات "محظوظة" تكرر نفس الوجوه ونفس الأساليب الدرامية.
لجان الانتقاء أو"الصندوق الأسود"
تُطرح علامات استفهام كبرى حول المعايير التي تعتمدها لجان اختيار البرامج بالقنوات القطب العمومي، حيث يصفها النقاد بـ "الصندوق الأسود" الذي تحكمه المحسوبية والولاءات بدل القيمة الفنية. هذا النظام يضمن إقصاء المبدعين الحقيقيين الملتزمين بالقيم الأصيلة، ويمهد الطريق للشركات التي تتبنى أجندات "تغريبية" أو "تجارية" بحتة.
*المراجع
[1]مقال حول المسلسلات الرمضانية المغربية النمطية من يقف وراء "الرداءة" في المسلسلات المغربية الرمضانية؟ عبد العزيز رجاء
[2] عبدالكريم واكريم ونقد في الدراما الرمضانية في المغرب : "بين التطور التقني وأزمة السيناريو" - مونت كارلو الدولية / MCD
[3] هل يضر المؤثرون بجودة الإنتاجات الرمضانية؟ – الجريدة 24
[4] الدراما الرمضانية 2025: مشاهد جريئة تثير غضب المغاربة وتطرح علامات استفهام حول الرقابة - الجديدة وان- eljadidaone.
[5] المغرب.. مسلسل "رحمة" يثير الجدل بسبب مشاهد "جريئة".
.