vendredi 23 janvier 2026
كتاب الرأي

موسى المالكي: المغرب ليس جزيرة بل دولة متجذرة إفريقيا وبوابة على الفضاءين الأورومتوسطي والأطلنتي

موسى المالكي: المغرب ليس جزيرة بل دولة متجذرة إفريقيا وبوابة على الفضاءين الأورومتوسطي والأطلنتي موسى المالكي

يروج مؤخرا على وسائل التواصل الاجتماعي، سيل من التدوينات التي قد تدفعها عاطفة طارئة، تستعيد نشر مقولة مفادها بأن المغرب عبارة عن "جزيرة" ويفترضون عن حسن نية بأن عليه أن يتعامل وفق هذا المنطق الضيق الأفق. لكن هذه المقولة تمثل في الحقيقة مغالطة، تعاكس تماما حقائق الجغرافيا والتاريخ والروابط الحضارية والدينية والديمغرافية للدولة المغربية مع محيطها المغاربي والإفريقي والعربي الإسلامي. 
وبعيدا عن إغراءات المعنى المجازي لتوصيف المجال الجغرافي الفاصل ما بين البحر وجنوب الصحراء الكبرى الذي يتوسطه المغرب، "كجزيرة"، إلا أنه يحمل دون قصد بصمة لطالما روجت لها القوى الاستعمارية وكتاباتها، والتي وظفت على إثرها مقص التقسيم لتمزيق الإمبراطورية العلوية الشريفة، وتطويقها جيوسياسيا، وما نتج عنه من تشويه خرائط الجغرافيا السياسية للمنطقة ككل.
إن نظرة سريعة على خرائط نفوذ الدول المتعاقبة على حكم المغرب تفند هذا التشبيه المجازي، فالامتداد الجغرافي لحكم الأدارسة والمرابطين والموحديين والوطاسيين والسعديين والعلويين، شاهدة على التجذر المغربي في إفريقيا والبناء الحضاري المشترك. لقد خلفت العلاقات المغربية الممتدة جغرافيا مع أجزاء واسعة من شمال إفريقيا والسودان الغربي، وزمنيا على مئات السنين، تاريخا موثقا وهوية مشتركة وإرثا حضاريا وعمرانيا عريقا، ومزيجا ديمغرافيا ووجدانيا ودينيا لا يمكن محوه أو تجاوزه في لحظة انفعال.
إن الموقع الجغرافي الجيواستراتيجي للمغرب، أتاح له عبر التاريخ أن يشكل حلقة وصل ومنطقة ربط وعبور بين عمق إفريقيا والفضاءين الأورومتوسطي والأطلنتي، ولا أدل على ذلك من إسهام حاضرة سجلماسة شرق المغرب، التي تعتبر بالمناسبة أول إمارة مستقلة عن المشرق بالمغرب الأقصى، وثاني حاضرة مغاربية بعد القيروان، في هيكلة ورسم مسارات الطرق البرية للقوافل التجارية الصحراوية التي لم تحمل تدفقات السلع فقط، وإنما لتيارات الأفكار والثقافات والتقاليد والسكان، وقد لعبت المناطق الواحية المغربية دورا هاما أيضا كنقط استراحة وتعميق لهذ الروابط العميقة. 
ورغم تحرر المغرب تدريجيا من الاستعمار الأجنبي ضمن مسار استكمال وحدته الترابية المستمر لغاية اليوم، إلا أن أطرافا إقليمية تعمل جاهدة على تقمص نفس الدور محاولة إحداث تطويق جيوسياسي للمغرب، لعزله عن جذوره الإفريقية بجميع الطرق غير الأخلاقية، حاملة رؤية جيوسياسية تعمل باستماتة على تحويله إلى "جزيرة مطوقة ومعزولة". لكنها عبثا تحاول ذلك، لأن ملوك المغرب يتوارثون الإيمان العميق والقوي بهوية المغرب الإفريقية والمغاربية، فقد ترافع السلطان الراحل محمد الخامس للدفاع عن استقلال ووحدة الدول الإفريقية الشقيقة، داعما مقاومة الجيران للتحرر من بوتقة الاستعمار الأجنبي تمهيدا منه للبناء المغاربي، ومثله في ذلك خلد وريثه الملك الحسن الثاني رحمة الله عليهما مقولته المأثورة "المغرب شجرة جذورها في إفريقيا وأغصانها في أوروبا"، ملخصا الرؤية الاستراتيجية للدولة المغربية في محيطها الجغرافي والحضاري.
وقد استكمل الملك محمد السادس مسار التاريخ، حيث جعل إفريقيا منذ توليه العرش، في مقدمة أولويات المغرب فقد شهد حكمه دسترة علاقاته بها (دستور 2011)، والانخراط في تجسيد رؤية التعاون جنوب – جنوب وفق معادلة رابح رابح، بمعية أشقائه رؤساء وقادة الدول الإفريقية ونخبها الجديدة المتطلعة للاستقلال والسيادة. انخراط توج بإطلاق مشاريع استراتيجية مثل المبادرة الأطلسية للبلدان الإفريقية المطلة على المحيط الأطلنتي، وربط بلدان الساحل الحبيسة جغرافيا بالواجهة البحرية المغربية، ومشروع الغاز الاستراتيجي نيجيريا – المغرب – أوروبا، ناهيك عن تعزيز المعبر البري مع الشقيقة موريتانيا وصولا للصديقة السينغال، بمعبر ثاني طور التشييد (السمارة أم كرين ومنه نحو الشقيقة مالي). 
لقد جعل دستور المغرب، من العمل على بناء الاتحاد المغاربي خيارا استراتيجيا؛ والتزم بتعميق أواصر الانتماء إلى الأمة العربية والإسلامية، وتوطيد وشائج الأخوة والتضامن مع شعوبها الشقيقة؛ مثلها في ذلك مثل بقية الشعوب والبلدان الإفريقية، ولاسيما مع بلدان الساحل والصحراء.
وهكذا نسجل تصاعد وعي النخب الإفريقية بخطورة أجندات التقسيم والتفرقة وبث بذور النزاعات والاختلاف، بعيدا عن المصالح العليا المشتركة لشعوب المنطقة وحقها في الاستقرار والازدهار والتنمية، ضمن عالم شديد المخاطر وسياق دولي متسارع المتغيرات الجيوسياسية والجيواقتصادية العاصفة بالدول، ولن تنجو فيه إفريقيا إلا بالاتحاد والتعاون والاندماج الإقليمي.
إن المغرب يقدم فعلا لا قولا كل ما يتوفر عليه من تجارب وبنيات تحتية وعلاقات دولية وموقع جغرافي استراتيجي عند ملتقى البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلنتي، في سبيل تحقيق هذا الهدف الأسمى كبوابة إفريقيا على الفضاءين الأورومتوسطي والأمريكي.
ويبقى دورنا كنخب أكاديمية هو الإسهام في ترسيخ الوعي بهذا البناء الحضاري المتجدد، منطلقين من التاريخ المشترك والجوار الجغرافي، ووحدة المصير وتكامل المؤهلات، وأيضا حذرين ومتيقظين من أجل تحصين السيادة الفكرية والمعرفية والوعي الإفريقي من بث بذور التفرقة وأطروحات الانفصال، ومحاولات عزل الدول وتحويلها إلى جزر منغلقة على ذاتها يسهل التحكم فيها غارقة ومتعثرة في مشاكلها الداخلية رغم ثرواتها الطبيعية والبشرية الغنية.

 موسى المالكي، رئيس المنتدى الإفريقي للتنمية والأبحاث الجغرافية والاستراتيجية