نبيل عادل، أستاذ باحث في الاقتصاد والعلاقات الدولية
يطبع على السلوك المالي للمغاربة تفضيل واضح للادخار البنكي واقتناء العقار أو الذهب كخيارات آمنة ومألوفة للاستثمار، في حين تبقى بورصة الدار البيضاء خارج دائرة الاهتمام لدى فئات كبيرة من المجتمع.
لماذا لا يستثمر المغاربة في البورصة، كيف يمكن تعزيز ثقافة الاستثمار في بورصة الدار البيضاء؟ أسئلة طرحتها "الوطن الآن"، على د.نبيل عادل، أستاذ باحث في الاقتصاد والعلاقات الدولية، عضو المجلس الوطني للحركة الشعبية، فجاءت أجوبته كالتالي:
في السنوات الأخيرة، تبدو البورصة المغربية وكأنها دخلت مرحلة “الفوران”. مؤشرات ترتفع، تداولات تتزايد، أخبار اقتصادية تتكرر، وتحليلات تُوزّع يميناً ويساراً كأننا أمام موسم حصاد مالي. فجأة صار الحديث عن الأسهم والسندات حاضراً في المقاهي، وفي مجموعات الواتساب، وحتى في جلسات العائلة: “شنو وقع فالبورصة؟ شكون ربح؟ واش ندخل ولا نخاف؟”.
المفارقة أن كثيراً من المغاربة اليوم يريدون الاستفادة من هذه الدينامية. ليس حباً في المغامرة بالضرورة، بل لأنهم ببساطة يبحثون عن طريق معقول لتثمين مدخراتهم، في زمن أصبح فيه الادخار التقليدي لا يضمن شيئاً سوى الاطمئنان النفسي… وربما بعض الخسارة الصامتة أمام ارتفاع الأسعار. لكن حين يحاول المواطن الاقتراب من البورصة، يكتشف أن الأمر يشبه الدخول إلى قاعة محاضرات في الرياضيات النظرية… دون أن يكون قد مرّ أصلاً من المرحلة الابتدائية.
هنا يبدأ السؤال الحقيقي: إذا كانت البورصة “تشتغل” وتتحرك، لماذا يبقى جزء كبير من المغاربة خارجها؟ ولماذا تتحول الرغبة إلى تردد، والحماس إلى خوف، والفضول إلى انسحاب؟
السوق المالي… ببساطة: عرض وطلب، لكن على سلعة من نوع خاص
السوق المالي، في جوهره، ليس شيئاً خارقاً للطبيعة. هو مثل أي سوق: مكان يلتقي فيه العرض والطلب. الفرق الوحيد أنه لا يبيع الطماطم ولا السيارات، بل يبيع الأوراق المالية.
العرض يأتي من طرف المقاولات والشركات التي تبحث عن التمويل لتوسيع نشاطها، وفتح مشاريع جديدة، وتحسين قدراتها الإنتاجية. والطلب يأتي من طرف المستثمرين (أي أنت وأنا) الذين يبحثون عن تثمين مدخراتهم بدل تركها مجمدة أو محدودة العائد.
يعني باختصار: هناك من يحتاج المال كي يعمل، وهناك من يملك المال ويريد أن يشغله. والوسيط بين الطرفين هو السوق المالي.
سندات وأسهم: إمّا تقرض… أو تشارك
السلعة التي تتداول في هذه السوق هي الأوراق المالية وهي نوعان أساسيان:
أولاً: سندات الديون.
هنا المستثمر لا يصبح شريكاً، بل يصبح مقرضاً. يعطي المال للمقاولة على أساس عقد واضح، ويسترجع المبلغ مع عائد متفق عليه مسبقاً سواء ربح المشروع أم خسر. الأمر يشبه أن تقول للمقاولة: “خذ المال، اشتغل به، وأعده لي مع الفائدة ولا دخل لي في نتائج استثمارك”.
ثانياً: الأسهم.
هنا المستثمر لا يقرض المقاولة، بل يشاركها. يصبح مالكاً لجزء من الشركة، صغيراً كان أو كبيراً. وإذا حققت الشركة أرباحاً، يستفيد من جزء منها. وإذا ارتفعت قيمة الشركة في المستقبل، يرتفع معها سعر السهم. لكن إذا تراجعت النتائج أو ضعف الأداء، ينخفض السعر. أي أن الربح والخسارة يصبحان جزءاً من اللعبة.
البورصة: مرآة للتوقعات… لا للأمنيات
البورصة هي الجزء الأكثر شهرة في السوق المالي، لأنها المكان الذي تُطرح فيه الأسهم والسندات أمام المستثمرين. الشركات تلجأ إليها لاستقطاب رؤوس الأموال، والمستثمرون يلجأون إليها بحثاً عن فرص.
غير أن سعر السهم ليس ثابتاً. إنه يتغير حسب توقعات المستثمرين حول أرباح الشركة المستقبلية. فإذا كانت التوقعات إيجابية ارتفع السعر، وإذا كانت سلبية انخفض. لذلك فالسوق المالية حساسة للمعلومة، وللثقة، وللإشارات الاقتصادية، وأحياناً حتى للشائعات.
وهنا بالضبط تظهر المشكلة المغربية: الناس تريد الربح… لكنها لا تفهم “كيف ولماذا”.
البورصة ليست معقدة… لكن الثقافة المالية هي العقدة
على الورق، كل شيء واضح. لكن على أرض الواقع، نجد أن هذه الآلية البسيطة لا تزال بعيدة عن شريحة واسعة من المواطنين. لماذا؟ لأن الثقافة المالية ضعيفة. والبورصة، في نظر كثيرين، ليست أداة استثمار عقلانية، بل شيء غامض بين “القمار” و“المؤامرة” و“الربح السريع”.
وهنا يظهر نوع من التفكير الشائع:
إذا ربحت في البورصة فأنت “عندك جداك في العرس”، وإذا خسرت فأنت “ضحية نصب”، وفي كلتا الحالتين لا أحد يريد الاعتراف بأن الاستثمار يحتاج معرفة وصبراً، لا فقط حماساً أو خوفاً.
الثقافة المالية ليست مجرد حفظ مصطلحات مثل “سهم” و”سند”. إنها القدرة على فهم الفرق بين الادخار والاستهلاك والاستثمار، وعلى تقييم المخاطر والعوائد، وعلى اختيار أدوات مناسبة للأهداف، وعلى حماية النفس من القرارات العشوائية.
وحين تغيب هذه الثقافة، يصبح المواطن رهينة قرارات غير رشيدة: إما تجميد الأموال دون عائد، أو الدخول في مشاريع بلا دراسة، أو مطاردة “فرصة العمر” التي غالباً ما تكون فرصة شخص آخر للربح… على حسابه.
المدرسة لا تدرّس المال… ثم نستغرب لماذا لا نحسن التعامل معه
من أكبر أسباب الضعف المالي في المغرب أن المدرسة لا تُعامل المال كمهارة حياتية. الطالب يتخرج وهو يعرف نظريات كثيرة وقد درس مواد أكثر، لكنه لا يعرف:
كيف يضع ميزانية شخصية،
ما معنى الفائدة المركبة،
ما الفرق بين السهم والسند،
كيف يعمل صندوق الاستثمار،
كيف يقرأ مؤشرات مالية بسيطة.
وهكذا نُخرج جيلاً يدخل الحياة العملية دون أدوات لفهم الاقتصاد الحقيقي الذي يعيش داخله، ثم نطالبه بأن يكون ”مستثمراً ذكياً” في سوق تتحرك كل يوم بسرعة المعلومات التي تتداول من خلاله.
بين “العقار أمان” و”الذهب ضمان”… تضيع فرص التنويع و التثمين
ثم تأتي الثقافة الاستثمارية التقليدية: المغربي يميل إلى الادخار النقدي، أو الحساب البنكي دون عائد حقيقي، أو الذهب، أو العقار باعتباره “اللي تلف يشد الأرض”. وقد تكون هذه الخيارات منطقية في حالات معينة، لكن المؤسف هو أن تتحول إلى احتكار نفسي للاستثمار، ورفض مطلق لأي أدوات أخرى.
والنتيجة أن المواطن لا ينوّع مدخراته، ويضع كل شيء في أصل واحد، ويصبح مستقبله المالي مرتبطاً بمسار واحد. بينما البورصة تتيح التنويع بين قطاعات وشركات، بل وحتى الاستثمار عبر صناديق تخفف المخاطر.
حين يغيب المستثمر الواعي… يحضر الواقعي
ضعف الثقافة المالية لا يعني فقط أن المواطن لا يدخل البورصة، بل يعني أيضاً أنه يتركها للمضاربين. وعندما يغيب المستثمر طويل الأجل، يصبح السوق أكثر حساسية للانفعالات، وأقل ارتباطاً بالاقتصاد الحقيقي. وتظهر مفارقة عجيبة: البورصة موجودة، والشركات تُدرج وتجمع التمويل، لكن المشاركة الشعبية تبقى محدودة.
وفي ظل هذا الفراغ، يصبح المواطن أيضاً أكثر عرضة للاحتيال: التسويق الهرمي، منصات تداول وهمية، ووعود بعوائد خيالية. لأن من لا يفهم الاستثمار الحقيقي، سيصدق بسهولة الاستثمار الوهمي، الذي سيجعل منك مليونيراً في بعض أسابيع.
الحل ليس في “تطبيق جديد”… بل في عقل جديد
من الناحية التقنية، الدخول للبورصة لم يعد معقداً: شركات وساطة، خدمات رقمية، بيانات متاحة، وهيئات تنظيمية. لكن المشكلة ليست تقنية، بل ثقافية. المواطن لا يشعر أن البورصة “تخصه”.
والحل يبدأ من مكان واضح: التعليم. ثم الإعلام. ثم تبسيط المنتجات المالية، وتشجيع الاستثمار التدريجي بمبالغ صغيرة، وتطوير صناديق مناسبة للمبتدئين. والأهم: أن تتحمل المؤسسات المالية مسؤولية التوعية لا مسؤولية البيع فقط.
خاتمة: الثقافة المالية ليست رفاهية… بل ضرورة اقتصادية
ضعف الثقافة المالية في المغرب ليس نقصاً بسيطاً في المعرفة، بل حرمان اقتصادي غير معلن. فحين لا يعرف المواطن كيف يستثمر، يبقى خارج اللعبة، ومدخراته ضعيفة النمو، ومستقبله المالي هش.
البورصة ليست سوقاً للنخبة فقط. يمكن أن تكون أداة لبناء الثروة لدى الطبقة المتوسطة وتمويل الاقتصاد الحقيقي، شرط أن يمتلك المواطن مفاتيح الفهم والقرار. وإلا ستظل البورصة “كتفور”… والمغاربة كيتفرّجو.