قبل أقل من قرن، كان بمقدور الرجل أن يزج بزوجته في مستشفى للأمراض النفسية تحت ذريعة "الهستيريا" أو "الجنون"، دون أن تكون هناك أدنى حجة طبية أو مسوغ عقلاني.
هذا الحق المطلق، الذي كفله القانون والممارسات الاجتماعية في تلك الحقبة، لم يكن سوى تجسيدٍ سافرٍ لهيمنة النظام الأبوي، نظامٌ جعل من المرأة كائناً تابعاً لا يملك من أمره شيئاً، بل كانت رهينة لعالمٍ فرض عليها حدوداً لم تملك الحق في تجاوزها.
فأي خروج عن الأعراف المألوفة، وأي رفض للدور التقليدي المرسوم للمرأة داخل الأسرة، كان يمكن أن يقودها إلى مصير مأساوي، يتمثل في إدخالها قسراً إلى مستشفى للأمراض النفسية.
في تلك المجتمعات، لم يكن للمرأة أي سيطرة على صحتها العقلية أو النفسية.
إذ لم يكن يحق لها استشارة طبيب نفسي أو الحصول على علاج دون موافقة زوجها أو وليّ أمرها.
كان هذا الحق الزوجي يعزز نظاماً ينظر إلى النساء كأنهن قاصرات لا يملكن الحكمة لاتخاذ قرارات مصيرية.
والأسوأ من ذلك، كان بعض الرجال يستغلون هذا الحق، ليجعلوا من الطب النفسي أداة لإسكات أصوات زوجاتهم اللواتي تجرأن على التمرد، مختبئين خلف تشخيصات مثل "الهستيريا"، التي نُسبت بظلم إلى طبيعة الأنثى، وكأنها وصمة حتمية متأصلة في تكوينها البيولوجي.
وكان لهذه الممارسات آثار وخيمة.
فحرمان المرأة من حقها في الرعاية الطبية بسبب رفض الزوج، كان يزيد من معاناتها الجسدية والنفسية.
وعلى النقيض، كانت هناك نساء يُزج بهن في مستشفيات الأمراض النفسية لمجرد أنهن رفضن الانصياع للقيود المجتمعية، دون أي تقييم طبي جاد.
وكانت النظرة المجتمعية للأمراض النفسية تزيد من عزلتهن، حيث رُبطت هذه الأمراض بالضعف الأنثوي، مما جعل النساء عرضةً للتهميش والخوف من طلب المساعدة.
مع بدايات القرن العشرين، جاءت الحركات النسوية لتكشف عن الظلم الكامن في هذه الممارسات، مطالبة بإصلاحات تشريعية تضمن للمرأة استقلالية قراراتها الطبية، بعيداً عن الهيمنة الذكورية.
وقد بدأت ملامح التغيير تظهر تدريجياً، مع تبني نهجٍ علمي أكثر إنصافاً في مجال الطب النفسي.
ومع ذلك، تظل هذه الحقبة المظلمة شاهدة على كيفية استغلال المؤسسات الإنسانية، كالعلم والطب، لتكريس هيمنة اجتماعية جائرة.
ورغم التقدم الذي تحقق، لا تزال النساء في بعض مناطق العالم يواجهن عقبات اجتماعية وقانونية وثقافية، تجعل من المساواة في الوصول إلى الرعاية الصحية هدفاً بعيد المنال.
إن النضال من أجل تحقيق العدالة في الطب ليس مجرد قضية نسوية، بل هو واجب أخلاقي وإنساني.
فاحترام كرامة الإنسان وحريته، بغض النظر عن جنسه، يجب أن يكون حجر الزاوية لأي نظام صحي يحترم الإنسانية.