بدايةً، أعتقد أن هناك خللاً وازناً في المفاهيم السائدة بين السلطة التعليمية والأسرة التربوية، يعود منشأه إلى أنّ كلاًّ من هذين المكوِّنيْن، اللذين يشكّلان عنصريْن متكامليْن في البنية الأساسية لهذه المنظومة، يتعاملان كما لو كان كل منهما منتمياً إلى معسكرٍ مُقابل، أو معسكرٍ خصم، ويتخندق بالتالي في الجهة المعاكسة، وربما زادت في تعميق هذا المفهوم، تلك الأدبيات التي تقوم عليها العلاقة بين الإدارة التعليمية من جهة، والنقابات، وكذلك التنسيقيات، من جهة ثانية، وهي العلاقة المنقولة اعتباطاً من نظيرتها القائمة في عالم الشغل، بين أرباب العمل والطبقة العاملة!!!
إنّ طبيعة مهنة التربية والتكوين تقتضي تصنيفاً مختلِفاً تمام الاختلاف، تكون فيه الإدارة التعليمية والأسرة التربوية في جهة واحدة، وأجيال المتمدرسين على اختلاف مستوياتهم وأسلاكهم في الجهة الثانية...
ولكي لا يفهم القارئ هذا التصنيف فهما مخالِفاً لما أودّ توضيحه، أؤكد على أن هذيْن الطرفين، ليسا متقابليْن تمام التقابل كما في معادلة أرباب العمل والبروليتاريا، بل تربطهما بالطرف الآخر علاقة شبه أبوية، تنوب فيها السلطة التعليمية وهيأة التدريس العاملة تحت إمرتها عن آباء التلاميذ وتقوم مقامهم، فيما يكون التلاميذ بمثابة المستفيد الفريد من الخدمات التي يقدمها ذلك الطرف المزدوج والمندمج...
إنّ هذا ليس له سوى مفهوم واحد، وهو أن الإدارة التعليمية والأساتذة ينبغي أن يتفاهما ويتكاملا لخدمة أهداف التربية والتكوين وغاياتهما النبيلة، والتي ينبغي الكد والاجتهاد بكل الطرق والوسائل على صعيديْهما معاً حتى لا يقع أيّ غبن للتلاميذ في حقهم الحيوي والمصيري في التعلّم والتدرُّب والتأهّل...
حسناً، فكيف وصل الحال بنا إلى حدوث هذا الشرخ، الذي يتسع يوماً بعد يوم بين مكوّنَيْ الطرف الأوّل، الإدارة التعليمية وموظفيها، مما يهدّد بحرمان الطرف الثاني، التلاميذ، من حقه الإنساني والعالمي والكوني في التعلّم، علماً بأن هذا الطرف لا ناقة له ولا جملَ فيما يشجر بين مكونات الطرف الآخر، وإنما تقع الفأس على رأسه في كل مرة يحدث فيها مثل ذلك الشرخ؟!!
دعونا نسمي الأشياء بمسمياتها:
هناك، في بداية الأمر، مسألتا التوظيف والتعيين والتدبير الإداري والبشري على المستوى الجهوي، بعد أن ظل ذلك منذ الاستقلال مسؤولية حصرية في يد السلطة التعليمية المركزية...
هناك، في بداية الأمر، مسألتا التوظيف والتعيين والتدبير الإداري والبشري على المستوى الجهوي، بعد أن ظل ذلك منذ الاستقلال مسؤولية حصرية في يد السلطة التعليمية المركزية...
إن هذا الإجراء القانوني لا يمكن ولا يجوز الطعن فيه لارتكازه على أساس دستوري لا يُعلى عليه، وهو الأساس المتعلق بالانتقال تدريجيا إلى النظام الجهوي المتقدّم، الذي جعله الدستور من جهة، والنصوص التشريعية المتعلقة بالتقسيم الإداري والترابي للمملكة من جهة ثانية، ذا وزنٍ تنظيميٍّ لا يقل إلاّ بالنزر القليل عن وضعية "الحكم الذاتي".
إن الأمر يتعلق هنا بانتقال المملكة المغربية إلى ما يشبه "المملكة المتحدة"، المتميّزة جهاتها بزخم من الحرية والاستقلالية يكاد يعادل وضعية "الحكم الذاتي"، بما يضعه في أيدي الإدارات الجهوية من دعامات في التشريع والتنظير، وأخرى في التنظيم والتنفيذ، تجعلها تقطع جزئيا، ثم بعد ذلك كلّياً، مع كل صِيَغ التدبير المركزي للشؤون العامة. ومن بين هذه الشؤون، بل في طليعتها بلا منازع، الشأن التربوي والتكويني، الذي يرتهن به مستقبل الأجيال الصاعدة على مستوى الجهات، ثم على صعيد الوطن بتحصيل الحاصل...
إننا حين نُقرّ ونستوعب بأن هذا التوجّه دستوري، وبالتالي لا يمكن تجاوُزُهُ إلاّ على سبيل تطويره وتقويته، فإننا بذلك، ندعو كل مكونات هذا التنظيم الجديد إلى تطوير فهمها للشأن العام، بمنظوره الجهوي، بالشكل الذي يجعلنا جميعاً نقطع مع كل المفاهيم التي كانت سائدةً بيننا عندما كان تدبيرنا لشؤوننا العامة ممركزاً وخاضعاً لقطبية أُحادية أثبتت التجارب التي مرت بها بلادنا أنها لم تعد صالحةً إلاّ لأخذ أماكنها فوق رفوف متحف التاريخ الإداري المغربي، الذي آن الأوان منذ سنة 2011، أي منذ إقرارنا للدستور الحالي، أن نطوي سِجِلَّهُ بكل أريحية، وننظر إلى الأمام، في إطار صِيَغِنا التشريعية والتنظيمية المتجدّدة...
نعني بهذا، أن مسألة التوظيف الجهوي، وما يتبعه من نُظُم التعيين والتقييم والتنقيط والترقية، ومن الحركات الانتقالية داخل كل جهة على حدة، وبين مختلف الجهات إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك، وما يتبع كل ذلك من الإحالة على التقاعد، وتحديد النسب القانونية لرواتب المعاش... كل ذلك وغيره، ينبغي أن نُقرّ بصفة نهائية بانتقاله كُلاًّ وليس بعضاً إلى إطار التنظيم الجهوي المتقدّم، تشريعاً وتنظيراً وتقنيناً وتنظيماً وتطبيقاً بكل متعلّقاته...
بيد أن السلطة التعليمية وهي مقبلة على التكريس الكلّي والقطعي لهذا التدبير الجهوي الموسّع، لا يسعها إلاّ أن تضمن تحرّك المسارات القانونية والإدارية، الوظيفية والمهنية، للأسرة التربوية المحاطة بكل مشاعر الاحترام والتقدير التي هي أهل لها بكل المعايير، وبكلّ لغات العالم، دون أن يُنقص هذا التدبير الجهوي المتقدّم قيد شعرةٍ مما كانت تتمتع به من الامتيازات والاعتبارات في ظل التدبير المركزي العتيق، والذي سيتم القطع معه بصورة نهائية... وهذا واقع لم يعد لأحد أي سلطة أو صلاحية لمنع حدوثه كما ينص على ذلك دستور البلاد، وكما تكرِّسُ له النصوص التشريعية والتنظيمية والتطبيقية الصادرة في شأنه...
ماذا بقي بعد هذا التوجه الدستوري، فيما يشجر بين أطر التدريس والإدارة التربوية والوزارة المختصة، سوى أن نعود جميعاً إلى تأمّل ما بدأ العمل عليه لحلحلة وضعية الجمود الراهنة، والتي لن يَنْضَرَّ منها إلاّ أطفالُنا، لنرى كيف أن هناك محاولات جادة لمراجعة الذات، من لدن السلطة التعليمية، ينبغي أخذها بعين الرَّعْيِ والاعتبار، وخاصةً ما يتعلق منها بمسألة المهام الإضافية، ودروس الدعم، والتعويضات، وبالزيادة في الرواتب والأجور... وغير ذلك مما يدخل في نطاق نظام أساسي فد وقع فعلاً سحبه أو تجميده في انتظار التباحث حوله من جديد بشراكة فاعلة بين جميع أطراف الهمّ التعليمي...
إنّ هذه الأمور، وغيرها مما يطول حصره وتفصيله، ينبغي علينا جميعاً أن نتخذها مبرِّراً لمراجعة مواقفنا من مختلف جوانبها، واضعين نصب أعيننا، قبل كل شيء وبعده، إنقاذ هذه السنة الدراسية من الهدر، والضياع، ومن البياض القاتل، لأن ذلك إن وقع لا قدّر الله فسيكون بمثابة ضربةٍ قاتلة لفلذات اكبادنا، الذين يبدو للأسف الشديد أن أطراف هذه الخصومة الوقتية، العابرة وغير المعقولة، لا يضعونهم في مكانهم اللائق، من قلوبنا وعقولنا جميعاً، وبلا أدنى استثناء...
وللموضوع صلة...
محمد عزيز الوكيلي، إطار تربوي