الثلاثاء 6 يونيو 2023
سياسة

أحمد نورالدين: روسيا في علاقتها مع المغرب تمسك بالعصا من الوسط شـأنها شأن معظم الدول الكبرى

أحمد نورالدين: روسيا في علاقتها مع المغرب تمسك بالعصا من الوسط شـأنها شأن معظم الدول الكبرى أحمد نورالدين
بعدما استقبل المغرب وزير خارجية أوكرانيا، أكد وزير الخارجية ناصر بوريطة، بأن المغرب التزم الحياد في النزاع القائم بين أوكرانيا وروسيا، "أنفاس بريس" أجرت في هذا الإطار حوارا مع أحمد نور الدين الخبير في العلاقات الدولية ليسلط كشافات الضوء حول هذه النقطة:
 
+بعد استقبال المغرب وزير خارجية أوكرانيا، هل يغضب المغرب روسيا؟
بالرجوع إلى تصريح ناصر بوريطة مع نظيره الأوكراني يوم 22 ماي 2023، سنجد أن الموقف المغربي كان متوازنا، فمن ناحية يؤكد التزامه بالشرعية الدولية في احترام سيادة الدول ووحدتها الترابية، وهذا يعتبر دعما لأوكرانيا التي تعرضت أراضيها للغزو، ولكنه في المقابل أكد وزير الخارجية في نفس التصريح بأن المغرب ليس طرفا في هذا النزاع، بمعنى أن المغرب محايد ولا يقف ضد روسيا، وهذه إشارة واضحة باتجاه موسكو.
وهذا الموقف هو الذي عبر عنه في أكتوبر 2022 امام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث صوت المغرب مع القرار الذي يدعو روسيا إلى سحب قواتها من أوكرانيا وإنهاء القتال، بينما كان المغرب في القرار الأول في مارس 2022 قد انسحب ولم يشارك في التصويت، و تفسير ذلك باعتقادي المتواضع راجع إلى أن القرار الأول خلال شهر مارس، أي بعد شهر من بدء الحرب، كان يدين روسيا ولا يكتفي بدعوتها للانسحاب من أوكرانيا وإنهاء القتال، عكس القرار الأخير في أكتوبر، الذي يدعو روسيا للانسحاب واحترام الشرعية الدولية من خلال احترام سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة.
لذلك، لا أعتقد أن الموقف المغربي سيزعج روسيا، لأنها هي الأخرى في القرارات التي تهم الصحراء المغربية لا تزيد عن المطالبة باحترام الشرعية الدولية، وهي ترفض بشدة مشاركة الكيان الوهمي لابن بطوش في القمة الروسية الافريقية المقبلة رغم ضغوطات الجزائر عن طريق جنوب إفريقيا التي قامت وزيرة خارجيتها بزيارة خاصة إلى موسكو لإقناعها بمشاركة جمهورية تندوف الورقية، ولكن موسكو رفضت اي نقاش في الموضوع. وهذا يؤكد عمق العلاقات بين المغرب وروسيا من جهة، ويؤكد بعد النظر الاستراتيجي لروسيا التي تدرك أن الملف مفبرك من أساسه وأن مصيره إلى زوال.
+ هل حياد المغرب يخدم مصلحته وقضيته المركزية؟
لا يمكن للمغرب إلا أن يقف إلى جانب احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم استعمال القوة لحل الخلافات بين الدول، وهذا هو موقفه في القضية الاوكرانية. وهو نفس ما نطالب به في قضيتنا الوطنية المقدسة، أن تحترم الدول وحدة وسلامة أراضي المملكة التي تعرضت للتفتيت من قبل القوى الاستعمارية، وتتعرض منذ نصف قرن لمؤامرة تقودها الجزائر، وهي في الحقيقة تريد تكريس المشروع الاستعماري ضد المغرب ولو بشعارات تقرير المصير، فالمشروع الجزائري لدعم "جبهة البوليساريو" الانفصالية ضد المغرب هو نفس المشروع الكولونيالي لتفتيت أراضي الإمبراطورية الشريفة، وهو الاسم الرسمي للمغرب خلال القرن التاسع عشر وبداية العشرين.
+ ولكن ألا يؤثر ذلك سلبا على مواقف كييف وموسكو تجاه المغرب؟
أوكرانيا من خلال تصريح وزير خارجيتها في الرباط، وبالمناسبة هي أول زيارة لوزير خارجية اوكراني للمغرب على الإطلاق، أكدت دعمها لمقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب. اما الموقف الروسي فهو من ناحية يدعم مغربية الصحراء من خلال اتفاقيات الصيد البحري التي تشمل الأقاليم الجنوبية للمملكة، وهو موقف تاريخي لروسيا حتى في عهد الاتحاد السوفياتي ولكن من ناحية أخرى نجد موسكو تمتنع عادة عن التصويت على القرارات الاممية المتعلقة بالصحراء، وهذا قد يفسر برغبتها في الحفاظ على صفقات السلاح الكبرى التي تربطها بالجزائر، وهي بالمناسبة الزبون الثاني أو الثالث للسلاح الروسي على المستوى العالمي بحجم سنوي لا يقل عن 5 مليارات دولار وقد يتجاوز احيانا ضعف هذا الغلاف المالي، ومفهوم أنها لا تريد قتل الدجاجة التي تبيض ذهبا، لذلك فهي تمسك بالعصا من الوسط شانها شان معظم الدول الكبرى التي لديها مصالح تجارية وطاقية واقتصادية او حتى عسكرية تجنيها من إبقاء النزاع دون حل. كما أن عدم تصويت موسكو على القرارات المتعلقة بالصحراء يمكن تفسيره ايضا بالرغبة في مناكفة واشنطن التي تعتبر حاملة القلم في قرارات مجلس الأمن حول قضية الصحراء، أكثر منه معاكسة لمصالح المغرب. ولكن اعيد التأكيد أن وحدة المغرب وسلامة اراضيه لا تعتمد على دعم او اعتراف هذا البلد او ذاك. وإنما تعتمد على وحدة الصف الوطني للدفاع عن أرضنا وحقوقنا الشرعية والتاريخية. وأنتم تتابعون كيف تخرق الدول العظمى القانون الدولي بشكل سافر في مختلف أنحاء العالم.
واعتقد اخيرا أن المستفيد من هذه الحرب هي واشنطن التي استطاعت تحقيق عدة أهداف استراتيجية بسبب هذه الخطوة الروسية،ومنها توسيع حلف الناتو إلى دول كانت ترفض ذلك في الماضي كالسويد وفلندا، ورفع مساهمة الدول الأوربية في ميزانية حلف الناتو وهو ما كانت ترفضه سابقا، وزيادة مبيعات الاسلحة الأمريكية لألمانيا والدول الاوربية، وتعزيز تواجد قوات حلف الناتو على الحدود الروسية مباشرة، وسيطرة الولايات المتحدة تدريجيا على تزويد أوربا بالغاز الطبيعي بدل الغاز الروسي، الخ من المكاسب.
بينما روسيا تتعرض لاستنزاف اقتصادي كبير بسبب الحرب، وفقدت أوكرانيا كشريك تاريخي، وفقدت أوربا كأكبر سوق للغاز الروسي، وفرضت عليها الدول السبعة الكبرى، خلال الأسبوع الماضي، حصارا تكنولوجيا ينضاف إلى العقوبات الأمريكية والاوربية السابقة في مجالات اقتصادية ومالية مختلفة، وكلها إجراءات ستزيد من عزلة روسيا دوليا، وستضعفها اقتصاديا وتكنولوجيا.
اما اوكرانيا فالحرب تدور فوق اراضيها، وبذلك فهي خاسرة على كل المستويات، خاصة من حيث تدمير بنيتها التحتية الاستراتيجية التي كانت هدفا للضربات العسكرية الروسية منذ بداية الأزمة. ناهيك عن الخسائر البشرية وهجرة السكان نحو أوروبا. وعلى المدى البعيد ستصبح تابعة في قرارها السيادي لواشنطن..