أكد الناقد السينمائي مصطفى الطالب إن الساحة التلفزيونية، أو الأعمال الدرامية المعروضة خلال شهر رمضان، تعرف بالفعل جديداً كل موسم، خصوصاً من خلال المسلسلات التي تهيمن على الشاشة الصغيرة، وكأن رمضان أصبح “شهر الفرجة والاستمتاع” أكثر منه شهراً للارتقاء الروحي والفكري، وأخذ مسافة مع متاعب الحياة اليومية.
وأضاف الطالب في تصريح لجريدة "أنفاس بريس" أن القراءة المنصفة تقتضي الإقرار بوجود جانب إيجابي في مجمل الإنتاجات الدرامية، يتمثل أساساً في التطور الفني الملحوظ، والذي اعتبره ثمرة تراكمات سنوات من العمل، والمراهنة على الكم، ورفع تحدي المنافسة الأجنبية والعربية.
وأوضح المتحدث ذاته أن المشاهد تابع هذا الموسم أعمالاً برؤية إخراجية متميزة، وأداءً مقنعاً لبعض الممثلين والممثلات، إضافة إلى اختيار دقيق لأماكن التصوير، ومعالجة مواضيع هامة مثل الاتجار في الرضع، ومشاكل العلاقات الأسرية، وإشكالات الأبناء المرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب محاولات لإعادة الاعتبار لبعض قيم المجتمع المغربي.
غير أن الناقد السينمائي سجل، في المقابل، جملة من الملاحظات السلبية التي تتكرر كل رمضان، على رأسها كثرة الإنتاجات الدرامية "حدّ التخمة"، بما يجعل المتفرج عاجزاً عن مسايرتها، خاصة بعد يوم من الصيام.
وأضاف في هذا الإطار أن ليس كل ما يُقدَّم يلبي تطلعات المشاهد المغربي، كما أن عدداً من الأعمال لا يراعي خصوصية الشهر التعبدية والروحية، بل إن بعضها – بحسب تعبيره – يسير عكس ذلك أو يتعمد استفزاز مشاعر المغاربة المعروفين بعلاقتهم الوطيدة بشهر رمضان المبارك.
وسجل مصطفى الطالب أن بعض الإنتاجات جاءت بقيم دخيلة على المجتمع المغربي، تمس في عمق هويته وثقافته، خاصة فيما يتعلق بصورة الأسرة، وعلاقة الزوج بالزوجة.
وأفاد في هذا الإطار أن بعض المسلسلات بالغت في تأجيج الصراع بين المرأة والرجل، وقدمت هذا الأخير باعتباره سبب المشاكل الاجتماعية، وتعاسة المرأة، بل وصل الأمر – أحياناً – إلى احتقار الرجل وهضم كرامته وتحطيم شخصيته، مقابل تقديم صورة “المرأة الحديدية” الخالية من العاطفة، معتبراً أن الأنوثة لا تعني الضعف.
ومن بين النقاط التي أثارها أيضاً، مسألة المساس ببعض الرموز الدينية، وبصورة الجهاز الأمني، معتبراً أن مشاهد من قبيل صفع رجل أمن في أحد المسلسلات تطرح أسئلة حول حدود المعالجة الدرامية ومسؤوليتها.
كما انتقد ما وصفه بـ"سرقة" بعض أفكار المسلسلات الأجنبية، وإسقاطها بشكل مشوَّه على الواقع المغربي، مما يفقد العمل روحه ولا يعكس "تامغربيت" الحقيقية والأصيلة.
وأضاف أن جل الأعمال الدرامية المغربية باتت تتشبه بالمسلسلات التركية والمصرية، إلى درجة أن بعضها “تمصّر”، ولولا اللهجة المغربية لاعتُبر عملاً مصرياً أو تركياً، وهو ما يطرح – في نظره – إشكال المصداقية والاستقلالية في الكتابة السيناريستية. وأكد أن فرض نمط واحد يتمثل في الدراما الاجتماعية، رغم معالجتها السطحية لعدة قضايا وافتقادها للعمق الفكري والقيمي والأخلاقي، يظل من أبرز أعطاب المشهد الدرامي.
واعتبر الطالب أن هذا التوجه الذي تسير عليه القنوات الوطنية يدفع جزءاً من الجمهور إلى هجرها والبحث عن بدائل أجنبية أو منصات رقمية مثل “يوتيوب”، خاصة في صفوف الشباب الطامح إلى الجديد وإلى معالجة أكثر جرأة وعمقاً لقضاياه الاجتماعية والثقافية والسياسية، مشيراً إلى أن عدداً من استطلاعات الرأي والتفاعلات على وسائل التواصل الاجتماعي تؤكد هذا المنحى.
وفي ختام تصريحه، شدد الناقد السينمائي على أن القنوات الوطنية لا تزال مترددة في خوض تجارب جديدة في مجالي الدراما التاريخية والدينية، رغم ما تحققه من تفاعل كبير لدى الجمهور المغربي والعربي، باعتبارها تخاطب تاريخه ودينه وهويته ووجدانه، داعياً إلى تنويع العرض الدرامي والرهان على الجودة والخصوصية الثقافية بدل الارتهان لقوالب جاهزة ومستوردة.