vendredi 30 janvier 2026
مجتمع

حين يصبح الطبُّ روحا وإرثا علميا: تحيّة وفاء لروّاد طبّ الأطفال بالمغرب

حين يصبح الطبُّ روحا وإرثا علميا: تحيّة وفاء لروّاد طبّ الأطفال بالمغرب مشاهد من اللقاء

هم طبيباتٌ وأطباءُ أطفال.
منذ نصف قرن، وبصبرٍ وتواضع، شيدوا طبقةً بعد طبقةٍ الأسسَ المتينة لطبّ الأطفال الحديث في المغرب.
مرض السكري عند الاطفال، أمراض الكلى، الأشعّة الطبيّة للأطفال، سرطانات الاطفال،  الامراض القلبية والرءوية والهضمية.... 
وخلف كلّ تخصّص وجوهٌ مضيئة، وليالٍ طويلة من الحراسة، وطرق علاج تعلّموها بعيدًا ثم أعادوها هنا، على أسِرّة أطفال المغرب.

في 29 يناير 2025، أبطأ الزمن خطاه. وبمبادرة من الأستاذين الطاهر لحرش وكلود غريسيلّي، ابني مدينة سلا، التأم لقاءُ وفاءٍ وذاكرةٍ جمع نساءً ورجالًا منحوا التعاون بين مستشفى الأطفال بالرباط ومستشفى نيكر بباريس هيكلًا وروحًا ورؤية.

أمسيةٌ تراجعت فيها الألقاب أمام المسارات الإنسانية، وسُردت المسيرات عبر حكاياتٍ صغيرة، وصمتٍ مفعمٍ بالعاطفة، وابتساماتِ امتنان.

على مدى خمسين عامًا، لم تُثمر هذه الشراكة النموذجية بين مؤسستين عريقتين تبادلًا علميًا فحسب. بل شكّلت أجيالًا من أطباء الأطفال المغاربة، تخرّجوا في "نيكر" وفي مستشفيات باريسية مرموقة، حاملين علمًا صارمًا وأخلاقًا إنسانيةً عميقة.

وبنت جسورًا راسخة بين الرباط وباريس، بين عاصمتين توحّدهما قناعةٌ واحدة: أن الطفل يستحقّ أرقى طبٍّ بلا حدود ولا مساومات.

ترك نصف قرنٍ من التعاون أثرًا لا يُمحى في تاريخ طبّ الأطفال بالمغرب.

وبأحرفٍ من ذهب تُكتب مساراتُ نساءٍ ورجالٍ اختاروا العودة، واختاروا النقلَ والبناء محليًا لرعايةٍ عالية المستوى، وذلك في ظروفٍ صعبة، ودائمًا بوفاءٍ واحدٍ للطفل المريض.

ويكتسب هذا اللقاءُ الذاكريّ صدىً خاصًا. إذ يتزامن مع الذكرى الخمسين لتأسيس مستشفى الأطفال بالرباط، الذي وُلد سنة 1977، وصار في 2026 رمزًا وطنيًا للعلاج والتعليم وأملِ أمراض الطفولة.

خمسون عامًا من التاريخ الاستشفائي لطب الاطفال، وخمسون عامًا من الالتزام الجماعي، وأفقٌ واحد: تحسين حياة وصحة أطفال المغرب.

وما كانت الأمسية حنينًا فقط، بل فعلَ بصيرة. ذكّرت بأن المكاسب ثمينةٌ لكنها هشّة، وأن نقل المعرفة واجبٌ لا يسقط، وأن المستقبل يُبنى بالاستمرارية والانفتاح والتعاون الدولي.

وكانت قبل كلّ شيء وعدًا.
وعدًا بأن إرث "نيكر" والرباط لن يتوقّف عند الأجيال المؤسسة، بل سيظلّ حيًّا عبر أطباء أطفالٍ شباب، فضوليين، ملتزمين، ومتطلّعين بثبات إلى الابتكار.

في تلك الليلة، داخل بيتٍ عائليٍّ دافئ تقوده دبلوماسيةٌ متمرّسة، ترسّخت قناعةٌ واحدة: ما دام في هذا الوطن نساءٌ ورجالٌ يهبون علمهم ووقتهم وقلوبهم للأطفال، فإن طبّ الأطفال المغربي سيواصل التقدّم.

 

الدكتور أنور الشرقاوي /خبير في التواصل الطبي والإعلام الصحي