أكتب اليوم دفاعا عن قضية تلامس جوهر المبادئ التي يُبنى عليها المجتمع، أكتب عن العدالة والمساواة، أكتب عن "تمثيلية المرأة المحامية في المجالس المهنيـة المنتخبـة".
في ظل التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع المغربي نحو ترسيخ مبادئ العدالة والمساواة، تظهر مسألة تمثيلية المرأة في المجالس المهنية المنتخبة كواحدة من القضايا الملحة التي تتطلب حلولاً مبتكرة. لأنه ورغم تقلد المرأة المغربية لمناصب عليا في الوزارات والمؤسسات العمومية وغيرها، ورغم أن الدستور المغربي يكرس مبدأ المناصفة ويسعى إلى تحقيقها عبر آليات تحفيزية، لزلنا نعاني من ضعف في تمثيلية المرأة المحامية داخل المجالس المهنيـة المنتخبـة.
خلال الانتخابات المهنية برسم الولاية 2024 -2026 اسفرت النتائج عن حضور باهت للمحاميات داخل المجالس السبعة عشر وتفصيلها على الشكل التالي:
1. هيئة وجدة: لم يتم نتخاب أي محامية من أصل 14.
2. هيئة مراكش: لم يتم انتخاب أي محامية من أصل 18 .
3. هيئة تطوان: لم يتم انتخاب أي محامية من أصل 14.
4. هيئة الجديدة: لم يتم انتخاب أي محامية من اصل 14.
5. هيئة خريبكة: لم يتم انتخاب أي محامية من أصل 11.
6. هيئة بني ملال: محامية واحدة من أصل 13.
7. هيئة طنجة: محامية واحدة من اصل 18.
8. هيئة الناظور: محامية واحدة من اصل 13.
9. هيئة سطات: محامية واحدة من أصل 14.
10. هيئة تازة: محامية واحدة من اصل 11.
11. هيئة اسفي: محاميتان من أصل 11.
12. هيئة فاس: محاميتان من أصل 18 .
13. هيئة أكادير: محاميتان من أصل 18.
14. هيئة القنيطرة: ثلاث محاميات من أصل 16.
15. هيئة الدار البيضاء: محاميتان من أصل 22.
16. هيئة مكناس: محاميتان من أصل 16.
17. هيئة الرباط: 3 ثلاث محاميات من أًصل 22.
كما أسفرت الانتخابات المهنية لمكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب عن غياب تام للمحاميات في ظل ترشح زميلتين.
هذا الواقع المرير يجعل تفعيل مبدأ المناصفة ضرورة تتجاوز الخطاب إلى الفعل وهو الأمر الذي لن يتأتى إلا عبر اعتماد نظام الكوطا كآلية مرحلية تستهدف تصحيح اختلالات تاريخية وهيكلية، وضمان مشاركة النساء المحاميات في مواقع صنع القرار، ليس كامتياز أو تنازل، بل كالتزام قانوني ومجتمعي ينسجم مع مبادئ العدالة والمساواة.
وقـد أكد القانون الأسمى "الدستور المغربي لسنة 2011" عبر المادة 19 أن : "يتمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، الواردة في هذا الباب من الدستور، وفي مقتضياته الأخرى، وكذا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية، كما صادق عليها المغرب. وتسعى الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء."
وصادق المغرب على اتفاقية سيداو، التي تُعتبر مرجعاً دولياً في تعزيز حقوق المرأة. ولعل من أهم بنود اتفاقية سيداو، الفقرة الأولى من المادة 4 التي تنص على أنه "لا يُعتبر اتخاذ الدول تدابير خاصة مؤقتة تستهدف التعجيل بالمساواة الفعلية بين الرجل والمرأة تمييزاً كما هو محدد في هذه الاتفاقية." ونذكر أيضا المادة 7 التي تدعو الدول إلى ضمان مشاركة المرأة في الحياة العامة وصنع القرار على قدم المساواة مع الرجل. وهو ما معناه أن اتفاقية سيداو تشجع الدول على اتخاذ إجراءات مرحلية، كنظام الكوطا، لتحقيق المساواة الفعلية بين الجنسين.
والبين من جهــة أولى، أن الدستور المغربي يؤكد على تمتع الرجال والنساء بالمساواة في الحقوق والحريات، مما يجعل تحقيق العدالة بين الجنسين التزاما قانونيا على المشرع بل أنه لم يكتف بالمساواة وتلزم الدولة بالسعي لتحقيق المناصفة وهو الامــر الذي يتطلب إجراءات تحفيزيــة "كنظام الكوطا".
ومن جهــة ثانية، يتضح أن اتفاقية سيداو تشجع الدول على اتخاذ إجراءات مرحلية، أو ما يُعرف بالتدابير التمييزية المؤقتة، مثل نظام الكوطا، لتحقيق المساواة الفعلية بين الجنسين في المجالات التي تعاني من عدم المساواة.
وما يمكن الوقوف عليه، هو أن كلا من المادة 19 من الدستور واتفاقيـة سيداو منسجمتان وتدعوان لتحقيق المناصفة عبر إجراءات ملموسة "كنظام الكوطا" الذي يشكل آلية لتعزيز تمثيلية النساء في المجالس المهنية. الكوطا ليست تمييزاً بل التزاماً دستورياً ودولياً على الدولة لضمان العدالة والمساواة بين الجنسين لعدة اعتبارات أهمها ما يلي.
من ناحية أولى، نظام الكوطا ليس امتيازاً أو تنازلاً بل هو إجراء مرحلي يـرمي إلى تحقيق التوازن بين الجنسين في المجالات التي تعاني من اختلالات تاريخية وهيكلية.
ولأن التقاليد الاجتماعية والأنظمة المهنية تعيـق وصول المرأة لمراكز القرار، فإنه يتعين على المشرع أن يتدخل لتجاوز هذه العراقيل. الكوطا ليست تمييزاً بل وسيلة لتحقيق التوازن. و كما تمت الإشارة إليه أعلاه، فإن اتفاقية سيداو نصت على أن اعتماد الدول لتدابير خاصة مؤقتة قصد تسريع تحقيق المساواة الفعلية بين الرجل والمرأة لا يُعتبر تمييزًا شريطة أن تكون هذه التدابير مؤقتة وتنتهي بمجرد تحقيق أهداف المساواة.
من ناحية ثانيـة، المحاماة صوت الحق، ومن غير المنطقي أن تغيب النساء عن مواقع صنع القرار فيها. المحاميات تشكلن نسبة كبيرة من المحامين، وتمثيليتهن العادلة في المجالس المهنية ليست امتيازاً بل حـقـا.
من ناحية ثالثـة، أثبتت التجارب الدولية أن اعتماد الكوطا يؤدي إلى تعزيز مشاركة المرأة في مهن كانت سابقاً حكراً على الرجال وإلى تحسين نوعية القرارات بفضل تنوع وجهات النظر والخبرات. الكوطا ليست غايـة بل وسيلـة وبداية طريق نحو عدالة تمثيلية متوازنـة.
من ناحية رابعـة، اعتماد نظام الكوطا لا يعني الاستغناء عن الكفاءة لأنها تفسح فقط المجال أمام الكفاءات النسائية التي يتم تهميشها نتيجة للعراقيل الهيكلية. الغاية من اعتماد الكوطا هي تصويب الخلل لكن دون المساس بمبدأ الكفاءة. الكوطا ليست تنازلاً عن مبدأ الكفاءة، بل هي آلية تصحيحية تكفل تكافؤ الفرص بين الجنسين لإبراز الكفاءات النسائية التي تم تهميشها بسبب التمييز البنيوي.
الخلاصـة هو أن إدراج نظام الكوطا في القانون المنظم لمهنة المحاماة ليس مجرد طلب فئوي بل هو تنزيل لمبادئ الدستور المغربي وللمواثيق الدولية، وخطوة أساسية قصد تصحيح خلل تاريخي يعرقل تمثيلية المرأة المحامية داخل المجالس المهنية المنتخبة.
وبالتالي، فإن تعزيز تمثيلية المحامية في المجالس المهنية واجب أخلاقي ومهني، لذلك يتعين على جمعية هيئات المحامين بالمغرب والأحزاب السياسيـة وجميع الفاعلين في عجلة التشريع دعم تنزيل نظام الكوطا في قانون تنظيم مهنـة المحاماة لضمان تمثيلية عادلة تعكس قيم المساواة والعدالة.
كــوثــر جـــلال/ محامية بهيئة المحامين بالدار البيضاء