samedi 5 avril 2025
مجتمع

العثماني: العلمانية ليست ضد الدين والحملة المسعورة ضد الوزير شعبوية مقيتة

العثماني: العلمانية ليست ضد الدين والحملة المسعورة ضد الوزير شعبوية مقيتة أحمد توفيق وزير الأوقاف والصادق العثماني أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
الحملة التي شنت هذه الأيام على وزير الأوقاف المغربي للأسف، بسبب تحدثه عن العلمانية في سياق حديثه مع وزير الداخلية الفرنسي "برونو ريتايو" عندما صرح بأن العلمانية الفرنسية لا تتعارض مع قيم المملكة المغربية. جاء ذلك خلال لقائه مع ريتايو، الذي رافق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في زيارته الأخيرة للمغرب.

للأسف، هذه الحملة مورس فيها الكذب والتدليس؛ بل والتحريف وإخراج كلام الوزير التوفيق عن سياقه تماما لحاجة في نفس يعقوب كما يقال، فهل فعلاً العلمانية كفر وزندقة وفسوق ؟ وهل فعلا العلمانبة ضد الدين؟ وهل العلمانية دين سماوي حتى نكفر من اعتنقها ؟ وهل  من الممكن أن يتعايش الإسلام مع العلمانية في ود وسلام ومحبة ووئام؟ . لهذا ينبغي على فقهاء الإسلام أن ينفتحوا على علوم العصر مع إعادة صياغة وتعريف بعض المفاهيم كالدمقراطية والرأسمالية والعلمانية والحداثة والدولة الوطنية وغير ذلك، قد يسمح بذلك التعايش المنشود بين الإسلام والعلمانية من جهة، والدمقراطية والحداثة والإسلام من جهة أخرى ؛ مثلاً لابد من إيضاح أن فصل الدين عن الدولة أو ما يسمى بالعلمانية لا يعني إلغاء الدين أو محاربته، فالأديان موجودة وتمارس فى جميع الدول العلمانية، فمن حق الإنسان فى ظل الدولة العلمانية أن يعبد ربه كيفما يشاء، ولكن ليس من حقه إجبار باقي المجتمع على مفاهيمه الدينية، وفصل الدين عن الدولة هو مفهوم يتفق إلى حد كبير مع بعض المفاهيم القرآنية- إن تم تجديد الفهم الديني بصورة تتفق مع مبادئ الحرية والعدل والمساواة بين البشر. فالقرآن الكريم  يرفض الإجبار والإكراه بصورة مطلقة، والآيات الداعمة لذلك واضحة وجلية، "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ" و "وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ" و "فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ" . علما أن الوزير الدكتور أحمد التوفيق هو خبير في خصوصيات الإسلام المغربي وتاريخه الطويل، فعندما يتكلم هو يعي جيدا ما يقول وما يهدف إليه، بالإضافة إلى انسجامه مع مبادئ المدرسة الإسلامية المغربية المنفتحة على ثقافات الشعوب المختلفة والديانات السماوية الأخرى والتي رفعت شعار "الإسلام الأخضر" شعار السلام والمحبة والوئام مع كافة شعوب الأرض، بغض النظر عن ألوانهم وأوطانهم ومعتقداتهم مما دفع جلالة الملك محمد السادس وبمجرد جلوسه على عرش أسلافه المنعمين إلى القيام بتجديد الحقل الديني بالمغرب عبر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وتحت إشراف الوزير أحمد التوفيق ؛ من أجل مواكبة مستجدات العصر ومستحدثات الأمور التي لم تعرف في سالف الأزمان، وهذا من صميم مقاصد الدين الإسلامي الحنيف الذي حمل بين جوانحه قيم ومقاصد وأهداف وقوانين عدة مهمة، عملت على نشره في بلاد العالم أجمع شرقه وغربه، ولعل من أشهر هذه القيم والقوانين ؛ قيم الحوار والتسامح واللين واللاعنف، فهذه المدرسة المغربية التي تشبعنا بها من خلال دراستنا في جامعة القرويين بفاس ننافح عنها في أوساط الجاليات المسلمة والمغربية على الخصوص في البرازيل ودول أمريكا اللاتينية، علما أن علمانية أمريكا اللاتينية وأنظمتها قريبة جدا من المدرسة الإسلامية المغربية؛ بحيث تسود فيها أجواء التسامح والحرية الدينية، يمكن اعتبارها أحسن بكثير من الدول الأوروبية، نظرا لماعرفته أوربا من صراعات وحروب مع العالم الإسلامي والعربي عبر تاريخها الطويل، مما ولد لدى الغرب عقدة الخوف من الإسلام، وتزايدت بقوة مع بداية أحداث 11 سبتمبر واستمرت الى يوم الناس هذا، واشتدت خطورتها مع ظهور الحركات الدينية المتطرفة، تولد عنها بالمقابل (الاسلاموفوبيا) واليمين المتطرف، هنا بدأت المشاكل تطفو على سطح الجالية المسلمة في أوربا وفي فرنسا على وجه التحديد، فكلام الوزير الدكتور أحمد التوفيق في حوار مع وزير الداخلية الفرنسي كان في هذا السياق؛ لكن أصحاب العقول المفخخة مازالوا يتاجرون بعملة أصحاب الكهف والرقيم، كما يشتغلون بقواعد فقهية قديمة لا تتماشى وقضايا معاصرة معقدة. 

وختاما، إن جميع الأديان وخصوصا الدين الإسلامي لم ينعم بالحرية والسعادة والأمن والاستقرار والتمدد والانتشار والدعوة إليه بحرية مطلقة إلا في ظل الدول العلمانية الحديثة، تحت حكم هذه الدول انتشرت بكثرة مساجد المسلمين وكنائس النصارى ومعابد اليهود..، وهذا في الحقيقة ما أراد تجسيده نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في وثيقة المدينة، كدستور مدني يضمن الحرية الدينية لجميع الناس انطلاقا من تعاليم القرآن الكريم " لا إكراه في الدين".
 
 
الصادق العثماني - أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية