حافظ المغاربة على إقامة شعائر دينهم بروح من التسامح والاعتدال والوسطية التي تميز العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي حتى قالت الفقهاء في توجه أهل المغرب: "عقيدة الأشعري وفقه مالك وطريق الجنيد السالك." ومن الأركان التي اعتبرها أهل المغرب اكتمالا للدين، ركن الحج لما يكتسبه من رمزية "إتمام الدين"، وكذا نظرا لبعد المسافة ومشقة الوصول إلى بلاد الحجاز..
وقد تخلل تاريخ المغرب فترات أبطل فيه الفقهاء أو بعضهم فريضة الحج، لأنه أصبح مرادفا للتهلكة مما أدى إلى ظهور "مُغَرَّبَاتْ" كحج المسكين بـ "سِيدِي شَاشْكَالْ" شمال أسفي..
ـ الشيخ ابو محمد صالح:
ولإعادة الأمور إلى نصابها، ظهر في بر آسفي، رجل صالح من بني ماجر أتاه الله سعة في العلم وبسطة في بعد النظر. فقام، على مدى سنون متعددة، بإنجاز محطات على طول المسار من آسفي إلى الديار المقدسة لغوث الحجاج..
وقد تمكنا، في إطار الإعداد لرواية تاريخية تتناول هذا الموضوع، من تحديد عدد من المحطات (وليس كلها) مع أسماء بعض المغاربة الذين سيروها.
انطلاق رحلة الحج يكون من آسفي وكان التجمع شمال غرب المدينة .
ـ مكان المحطة والمسؤول عنها:
ـ محطة بني دغوغ (دكالة البيضاء)، كان مسؤولا عنها الحاج ميموم الدغوغي.
ـ محطة عيون ماسي (زعير)، كان مسؤولا عنها الحاج أحمد الماسي.
ـ محطة تلمسان (غرب الجزائر)، كان مسؤولا عنها قاسم بن عبد الله الماجري.
ـ محطة بجاية (القبائل الجزائر)، كان مسؤولا عنها أبو بكر الربيع بن عبد المالك.
ـ محطة الرشيد (دلتا النيل مصر)، كان مسؤولا عنها أبو الفحام المراكشي.
ـ محطة المحلة الكبرى (مصر)، كان مسؤولا عنها أبو فارس بن الشيخ أبو محمد صالح.
ـ محطة الإسكندرية (مصر)، بجوار سيدي عبد الله المغاوري، وكان مسؤولا عنها أبو سالم العياشي.
ـ محطة الحجاز، كان مسؤولا عنها التقي الفاسي.
ـ محطة مكة المكرمة (المعلا)، كان يستوعب 15 قيطونا، وكان مسؤولا عنها عبد الله بن عبد السلام بن عبد الرحمان.
ـ محطة المدينة (رباط دكالة)، كان مسؤولا عنها الحيحي.
ـ محطة دمشق (الشام) الكلاسة، كان مسؤولا عنها عبد الصمد الدكالي.
ـ محطة الخليل (الشام)، كان مسؤولا عنها الحاج سعيد الهنتاني.
ـ محطة القدس الشريف، كان مسؤولا عنها عبد الله الوسياني.
ـ مولاي عبد القادر الجيلاني:
وقد كان من عادة حجاج المغرب، وبعد إتمام المناسك الشرعية، زيارة ضريح المولى عبد القادر الجيلاني (الذي أصبح اسم علم مذكر الجيلالي) "مولا بغداد" بما كان يعرف عند العامة (نبغدد)، وكذا زيارة سفارة السماء على الأرض، أولى القبلتين وثالت الحرمين، أورشليم، بيت المقدس.
وعلى ذكر هذا التغيير بين حرفي النون واللام فقد كانت هناك لفظة اخرى اتت من بلاد الطليان وخصوصا جزيرة سردينيا : وهو اسم السمك الصغير : السردين والذي يطلق عليه أغلب السكان السرديل.
ـ بداية الإشهار:
في منتصف الثلاثينات من القرن الماضي، ومع استقرار ممالك الحجاز وكذلك عمليات التهدئة داخل المغرب، بدأت عدد من الشركات البحرية الكبرى في تنظيم رحلات للحج، نورد إشهار إحداهن، تحت عبارة "بشارة خير" ونصها كالاتي :
"بشارة خير،
الحمد الله والله الحمد الذي يسر لحجاج المغرب زيارة بيته وأداء فريضة الحج وسهل للراغبين السفر مع بابورات الكمبانية الانجليزية المسماة "اوسيان كمباني" "ذات الجعبة الزرقاء".
المشهورة منذ قديم الزمان بكبر مراكبها وعناية رؤساءها ورفقهم بالركاب والمحافظة على كافة احوالهم . وقد قامت هذه الكمبانية في العام الماضي بصدق النصيحة وجميل العناية والرعاية التامة، مما جعل الحجاج يشكرونها غاية الشكر عن رفقها بهم ويثنون عليها عظيم الثناء.
ولما رأت الكمبانية المذكورة ثقة الناس فيها، وإقبالهم الركوب في بابوراتها اختارت لهم في هذا العام مركبين ضخمين يزيد كل واحد على خمسة عشر الف طن، بهما مواضع رحبة واسعة موافقة لراحة الحجاج من جميع الوجوه ، وقد جعلت اجرة سفر الواحد من طنجة الى جدة ذهابا وايابا 2.600 فرنكا يدخل في ذلك صوائر الركوب والنزول والطعام الجيد من لحم الغنم الطري وانواع الخضر والكسكسي والسكر والاتاي .ويتولى الطبخ طباخ مغربي ماهر أو أكثر حسب الحاجة .
سيسافر البابور الأول من طنجة قاصدا جدة راسا في 19 شوال عام 1351 موافق 15 فبراير سنة 1933 .ويسافر الثاني في 12.
ذي القعدة موافق 19 مارس سنة 1933 وفي هذا عظيم على الحجاج .
ويعود الأول من جدة فاصدا طنجة راسا في يوم السبت 20 ذي الحجة عام 1351 موافق 15 ابريل سنة 1933 ويعود الثاني من جدة في 5 محرم عام 1352 موافق 9 ماي سنة 1933 ، فيتيسر للحجاج في غضون هذه المدة فضاء مناسك الحج وزيارة الاماكن المقدسة والرجوع الى جدة في الوقت المعين لأجل الركوب .
لا تعطى أوراق السفر إلا لمن بيده تسريح الحكومة وشهادة طبيب الجدري ".
ومن أمثلة روح التسامح والتعايش، ما علينا إلا مراجعة مكلفي الكمبانية لبيع تذاكر السفر إلى المسلمين القاصدين بيت الله الحرام :
مثلا :
الدار البيضاء : موريس سرفتي وصالح زروق
فاس : دافييد الكيام ومويزليفي
الرباط : اندري بن زكين
الصويرة : اسحاق الحر ...
أسفي : ابرهام دلمار و ادوار الصاير
ونختم سفرنا هذا من "دلائل الخيرات" وقول ابن سليمان الجزولي (اللهم)..."أزل حجاب الغفلة عن قلوبنا".
سعيد لقبي كاتب ومترجم / أستاذ جامعي بالكلية المتعددة التخصصات أسفي