تُدرك مرور الدنيا وتقلُّب الحياة واختلاف محطات عمرك مع كلّ رمضان يعود عليك… تدرك ذلك إدراكًا يقينيًا جازمًا، حين تنظر إلى السنوات الماضية فتراها وقد انطوت صفحة بعد صفحة، وانسحبت مرحلة إثر مرحلة، دون ضجيج يُنبه، ودون إعلان يُمهل. الأيام تمضي في انتظام صارم، والأعمار تتناقص في صمت عميق… وكل رمضان شاهد عدل على هذا التبدّل المستمر.
مع كل هلال جديد، تكتشف أن قلبك لم يعد هو القلب ذاته، وأن أولوياتك تبدّلت، وأن مطالبك تغيّرت. في رمضان سابق، كان الدعاء يتجه إلى نجاح دراسي، أو توفيق مهني، أو ارتباط مرتقب… ثم يأتي رمضان آخر، فتغدو الأمنية صحةً راسخة، أو عافيةً دائمة، أو سكينةً مستقرة، أو صلاحًا للأبناء، أو سترًا في الغيب والشهادة. الأمنيات تتحوّل، والحاجات تتبدل، والإنسان يعبر من طور إلى طور… بينما الزمان يمضي في نسقه الدقيق.
ثم إنك، مع كل موسم إيماني، تستشعر هشاشتك البشرية استشعارًا واضحًا؛ تتذكر عجلتك حين تستبطئ الإجابة، وتستحضر جهلك حين تظن أن ما تتمناه هو الخير الخالص، وتعي ضعفك حين تتكاثر عليك الهموم. الإنسان بطبعه محدود النظر، قصير الأمد، يتأثر بالحاضر أكثر مما يستحضر المآل… ولذلك تتغير دعواته بتغير ظروفه، وتتبدل رجاءاته بتبدل أحواله.
غير أن الثابت في كل ذلك ثبات مطلق هو كرم الله… رحمته… جوده… قدرته… عطاؤه المتصل الذي لا ينقطع، وإحسانه المتجدد الذي لا يَفتر. يبقى سبحانه واسع الفضل، عظيم المنة، بيده خزائن السماوات والأرض، يعطي بحكمة، ويمنع بعلم، ويؤخر برحمة، ويقدّر بتدبير محكم. تتقلب حاجات العباد، ويبقى عطاؤه محيطًا شاملًا، يعلم السر وأخفى، ويقدّر الأصلح وإن خفي عن إدراك البشر.
في رمضان، تتكثف هذه المعاني الإيمانية تكثفًا ظاهرًا. الصائم حين يرفع يديه في السحر، لا يطلب مجرد تحقيق رغبة آنية، بل يلوذ بباب الكريم، يستمطر الرحمة، ويستجلب المغفرة، ويرجو القبول، ويؤمّل الفرج. الدعاء يتحول إلى صلة وثيقة، إلى عهد متجدد، إلى اعتراف معلن بالفقر المطلق إلى الله. وكلما تكررت المواسم، ازداد القلب وعيًا بأن العطاء الإلهي أوسع من تصوراته الضيقة.
تتبدل محطات العمر… من طفولة تتطلع إلى المستقبل ببراءة، إلى شباب يندفع بطموح، إلى نضج يتأمل بعقل، إلى مرحلة يغلُب عليها الحرص على العاقبة. ومع كل انتقال، يتغير مضمون الدعاء؛ مرة يكون طلب توسعة في الرزق، ومرة يكون رجاء تثبيت في الدين، ومرة يكون التماس ستر في الدنيا والآخرة. ومع ذلك، فإن الباب واحد، والقبلة واحدة، والرجاء واحد… رجاء في رب رحيم، غفور، تواب، لطيف، سميع، قريب.
والتأمل الصادق في تعاقب رمضانات العمر يكشف حقيقة دقيقة: الإنسان يتعلم ببطء، ويعود إلى ربه مرارًا، ويتعثر ثم يقوم، ويضعف ثم يستقوي بالإيمان. هذه الحركة المتكررة تؤكد أن العبودية مسار طويل، يحتاج إلى صبر، ومراجعة، وتجديد نية. رمضان يأتي ليعيد ترتيب الداخل، ليصحح البوصلة، ليذكّر بأن الغاية أسمى من الانشغال العابر.
ومع كل دعاء جديد، تنكشف طبقات أعمق من الفهم. قد تطلب أمرًا بإلحاح في عام، ثم تدرك في عام لاحق أن صرفه عنك كان عين الحكمة. قد تسأل تحقيق رغبة معينة، ثم يتضح لك أن الخير كان في تأجيلها أو تغيير مسارها. هنا يترسخ معنى الثقة بالله؛ ثقة واعية، مؤسسة على علم بأن التدبير الإلهي أدق من حسابات البشر، وأرحم من تقديراتهم المحدودة.
يبقى الله كريمًا… رحيمًا… جوادًا… قديرًا… صفات ثابتة لا تتغير بتغير الأحوال. كرمه شامل، ورحمته سابقة، وجوده متدفق، وقدرته نافذة. والعبد يبقى محتاجًا، مستغفرًا، سائلًا، راجيًا، معترفًا بضعفه، مدركًا لقصوره، مستندًا إلى عفو ربه. هذا التوازن بين ثبات الصفات الإلهية وتقلّب أحوال الإنسان هو جوهر التجربة الرمضانية.
وفي ختام كل رمضان، حين يودع المؤمن أيامه ولياليه، يستعرض ما تحقق وما تأخر، ما استجيب وما أُجّل… يدرك أن الرحلة مستمرة، وأن العمر يمضي، وأن اللقاء آتٍ. لذلك فإن أصدق ما يخرج به من هذا الموسم هو يقين متجدد، وإيمان أرسخ، ورجاء أعمق. يدرك أن الدنيا مراحل محدودة، وأن الآخرة دار القرار، وأن خير ما يحمله معه عمل صالح خالص.
رمضان… مرآة تعكس لك صورتك في كل مرحلة، وتذكّرك بأنك عابر في زمن محدود، وأن حاجاتك وإن تنوعت، تبقى كلها معلّقة بباب واحد. باب كريم رحيم جواد قدير… وبجواره يقف الإنسان، متضرعًا، منيبًا، مؤكدًا إيمانه بأن العطاء الإلهي أوسع من أمنياته، وأدق من حساباته، وأبقى من عمره المتقلب.